نحن.. والتكنولوجيا



صلاح فؤاد عبيد لأخبار الخليج -2004-08-26

كتب الشيخ محمد العوضي في عموده (خواطر قلم) بجريدة الرأي العام الكويتية يقول: ((بعد أن شاركنا في مراسم غسل الكعبة المشرفة دعانا الأستاذ عبد الله الفايز وكيل إمارة مكة المكرمة إلى العشاء، وكان من ضمن الضيوف إمام الحرم الشيخ سعود الشريم، والدكتور ناصر الزهراني، والدكتور سعيد بن مسفر، والداعية عمرو خالد، والشيخ الحضرمي الحبيب الجفري، ومن ضمن المسائل التي أُثيرت، سؤال طرحته على الحاضرين،

قلت: كنت بين المغرب والعشاء في زيارة للأستاذ المفكر الإسلامي محمد قطب، وكونه حاصلا على جائزة الملك فيصل على كتابه (منهج التربية الإسلامية) فقد سألته: يا أستاذ، من وجهة النظر التربوية، ما رأيك في منهجية وإرشادات الداعية عمرو خالد، فقال: إنه يملك موهبة فذة وظفها في خدمة دينه، فقلت له: بعض الناس يرى أنه ليس عالماً ومن ثم لا يجوز أن يأخذ هذا الحجم من الانتشار، فقال قطب: كثير من العلماء عبارة عن خزانة معلومات مغلقة، أو نسخة من مكتبة، وهذا الداعية لم يقل إنه فقيه، وكونه أن عليه ملاحظات، فمن ذا الذي ليس عليه ملاحظات؟ علينا النصح والتجاوز عن هذه العثرات في سبيل الانتفاع من الخير الكثير الذي يعطيه للناس، لأن المقابل هو النسخ المكتبية! فعلق إمام الحرم الشيخ سعود الشريم قائلا: علينا ألا نحصر معنى كلمة (فقه) في مدلولها الاصطلاحي، وإنما الفقه في اللغة يعني الفهم، فكما أن هناك فقه الأحكام، فهناك أيضا فقه الدعوة، وفقه السيرة، وفقه المعاملة.. وما يقوم به عمرو في جذب الناس ومعرفة مخاطبتهم هو أيضا نوع من أنواع فقه النفوس، فاستحسن ذلك الشيخ الجفري. ثم توجهت بالسؤال إلى عمرو خالد فقلت: حدثنا عن أكثر ما أثر فيك من نتائج بثك الفضائي؟ فأحنى رأسه وسكت قليلاً، ثم تدفق قائلا: بعد أن تكلمت عن معنى (العفة) في قناة (إل بي سي) جاءتني رسالة عبر البريد الإلكتروني من فتاة تقول: أنا اسمي (سارة)، والدي لبناني مسلم وأمي لبنانية مسيحية، انتقلا إلى فنزويلا، وبعد فترة انفصلا عن بعضهما ليتزوج كل منهما بمن يناسبه، وبقيت أنا حائرة شاردة، وقد رزقني الله جمالا أخاذاً فانزلقت قدمي لأنضم إلى مسابقات ملكات الجمال هناك، حتى انتهى بي المطاف إلى العمل في (بار)! وصار لي (بوي فرند) ونسيت ديني، بل نسيت أني مسلمة، ولم أعد أعرف عن الإسلام إلا اسمه ولا عن المصحف إلا رسمه، وفجأة كنت أتابع قناة (إل بي سي) من فنزويلا لأنها قناة لبنانية، ورأيتك يا عمرو خالد تتكلم عن العفة، فلأول مرة أشعر بالخجل من نفسي، وأنني أصبحت سلعة رخيصة في أيدي الأوغاد.. وانشرح صدري، وأنا لا أعرف مسلماً سواك. ثم قالت: سؤالي لك: هل يقبلني الله وأنا الغارقة في الموبقات والآثام؟! فأجبتها عن سعة رحمة الله وفضله وحبه للتائبين، فأرسلت تقول: أريد أن أصلي ولقد نسيت سورة الفاتحة.. أريد أن أحفظ شيئا من القرآن. قال عمرو: فأرسلت إليها بالبريد المستعجل ختمة مسجلة كاملة بصوت إمام الحرم الشيخ سعود الشريم، وبعد ثلاثة أيام أرسلت سارة تقول: لقد حفظت سورتي الرحمن والنبأ، وبدأت أصلي.. ثم أرسلت تقول: لقد هجرت البوي فرند وطردته، كما أنني انفصلت عن مسابقات الجمال وعن (البار).. وبدأت الفتاة تقبل على الله سبحانه بصدق.. لقد وجدت ذاتها لأنها عرفت ربها. يقول عمرو: بعد أسبوعين من المراسلات، أرسلت تقول: إنني متعبة لهذا انقطعت عن مراسلتكم فقد أصابني صداع وآلام شديدة، وبعد الفحوص والكشف الطبي، قالت لنا: يا عمرو إنني مصابة بسرطان في الدماغ، والعجيب أنها قالت: أنا لست زعلانة بل فرحانة، لأنني عرفت ربي وأحببته وأقبلت عليه قبل المرض والبلاء، وأنا داخلة على العملية المستعجلة بعد يومين، وأنا خائفة ألا يغفر الله لي إذا مت، فقلت لها: كيف لا يغفر الله للتائبين؟ لقد أكرمك الله بهذه العودة إليه وبحفظ سورة (الرحمن) وأنت الآن بين يدي أرحم الراحمين.. وفتحت لها أبواب الرجاء وطردت من نفسها اليأس، فقالت: لقد وضعت أشرطتي لترتيل القرآن بصوت إمام الحرم الشريم في المسجد مع أشرطتك، لأنني قد أودع الحياة، لتكون لي صدقة جارية.. وبعد يوم أرسلت لنا صديقتها المسيحية تقول: لقد ماتت سارة)). أقول: نحن الآن في عصر أصبح العالم فيه بيتا صغيرا، فهل كان عمرو خالد يعلم أن فتاة في فنزويلا سوف تعود إلى الله بسبب محاضرة له نقلتها الأقمار الصناعية إلى هناك؟ وهل سعود الشريم يدرك أنه قد يكون نائما في فراشه في منتصف الليل في مكة بينما صوته يصدح بالقرآن في مناطق شتى من العالم، ومنها فنزويلا النائية في آخر العالم؟! سوف تقولون عنهم إنهم محظوظون، وأنا أقول: نحن أيضا قد أنعم الله علينا بنعمة الانترنيت التي نستطيع بواسطتها مخاطبة العالم كله في مشارق الأرض ومغاربها، إيصال رسالتنا وثقافتنا وحضارتنا إليهم، وتصحيح الصورة المقيتة التي شوهتها الأيدي الآثمة التي ألبستنا وألبست ديننا صورة الإرهاب والدموية والتخلف والرجعية، فلنغتنم الفرصة ولنعلم أبناءنا هذه الوسيلة العظيمة، فذلك خير من هدر أوقاتنا في الاستخدام الخاطئ للتكنولوجيا الحديثة.