 محو أمية الكمبيوتر فريضة
حوار أجراه أ/عصام الغازي لمجلة كل الناس بتاريخ 8 سبتمبر 2004
ما علاقة محو أمية الكمبيوتر بالتدين وكيف نقول إنها من أهم الأعمال الصالحة التي نحتاجها الآن؟ هذا التساؤل يواجه الداعية عمرو خالد في مواجهة دعوته ومشروعه أيضاً لمحو هذه الأمية.. وهو هنا يستند إلى ما قاله الإمام ابن القيم للتوصل إلى إجابة مقنعة.
يؤكد عمرو خالد أنّه إذا كانت أفضل عبادة هي أن تعبد الله في كل وقت بما يرضيه في ذلك الوقت. فإنّه في وقت ضياع الأمة فإنّ أفضل عبادة هي أن تأخذ بيد الناس وتوقظهم ويكون ذلك مُقدماً على كل شيء بعد الفرائض، لأنّه فريضة. بالتالي فإنّه في وقت جهل الناس فمن الأفضل أن نُعلمهم ونزيد وعيهم.. ومحو أمية الكمبيوتر خطوة مهمة في هذا الطريق، وأحد الأعمال الصالحات.
محور آخر يناقشه عمرو خالد قد لا يبدو من أول وهلة، أن له علاقة بمشروعه "صناع الحياة"..وهو الفرق بين القرآن المكي والقرآن المدني حسب مكان نزول الوحي في مكة ثم المدينة.
القرآن المكي..والمدني
يقول عمرو خالد:
القرآن المكي يتسم بأنه مقاطع قصيرة مؤثرة في القلب، تتحدث عن الجنة والنار والآخرة والحساب. عن قدرة الله وعظمته. عن القصص: سورة يوسف، سورة هود. أما القرآن المدني، فيتميز بالأحكام والتشريعات والزواج والطلاق والمواريث.
من القرآن المكي مثلاً: سورة الحاقة: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هآؤم اقرأوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه).
أما في القرآن المدني..يقول الله تبارك وتعالى: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره. فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله).
في القرآن المكي يقول الله تبارك وتعالى: (لقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد). (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد) "سورة ق".
أما القرآن المدني، فيقول الله تبارك وتعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف).
تكامل الإسلام
ما أريد أن أقوله إنّ القرآن المكي يؤثر في القلوب كثيراً، ويهز المشاعر، لكن هل يصلح الإسلام بالقرآن المكي وحده؟ كان لابد من القرآن المدني أيضاً. الإسلام نظام عظيم يشكل الحياة. هل من الممكن أن يكون نصف الإسلام نظامَ حياة في وجود القرآن المكي فقط؟ أم كان لابد من القرآن المدني الذي يُشرِّع للحياة؟
الله سبحانه أراد أن يعطينا الإسلام متكاملاً، فهو نظام لكل زمان ومكان. لك أن تتخيل الصحابي الذي بدأ إسلامه مع الرسول "صلى الله عليه وسلم" في مكة، وكان يتأثر ويبكي عند سماع الآيات المكية، وحين ذهب إلى المدينة وجد أن سمة الآيات تغيرت. فالآيات المدنية كلها أحكام، كانت صعبة على فهم بعض الصحابة. لكنها كانت ضرورية للتشريع ولتنظيم الحياة في المجتمع الإسلامي. هذا المعنى كان ضروريا لفهمنا لـ"صناع الحياة".
أفضل عبادة
هل توضح ذلك على ضوء التاريخ الإسلامي؟
نعم، الفترة التي تولى فيها عمر بن الخطاب إمارة المؤمنين وهي عشر سنوات، وضع خلالها مبادئ وأساسيات الأمة الجديدة. فهو الذي أنشأ الدواوين، وقام بتعبيد الطرق، وإرسال الجيوش لفتح الأمصار. لم نسمع عن واحد من الصحابة ذهب يقول له: أنت غيّرت حال الأمة. فتخيل لو لم يكن عمر بن الخطاب أنجز ما أنجز. هل كان يمكن أن نجد الإسلام أمة عظيمة؟. هناك أشياء تحتاج منك إلى جهد لكي تستوعبها.
الإمام ابن القيم وهو من علماء المسلمين له كلام جميل في تفسير قول الله تبارك وتعالى: (إياك نعبد) سأل ابن القيم: ما أفضل العبادة؟..فاختلف الناس. منهم من قال إن أفضل العبادة أن تقسو على نفسك، وتنجز الأشياء الصعبة. وأنّ الأجر على قدر المشقة. فقال لهؤلاء: هذا قول غير صحيح. فقال آخرون: أفضل العبادة الزهد في الدنيا. في مناصبها ومالها وملذاتها. فردّ عليهم: ولا هذه أفضل العبادة، لأنّ الصحابة كانوا أغنياء. فقال البعض: أفضل العبادة أن تخدم الناس، وتساعد المحتاج. وأن أكثر إنسان يخدم الناس هو الأحب إلى الله. فقال لهم: هذا ليس شرطاً. واحتار الناس، فسألوه: ما أفضل العبادة؟ فقال لهم: أفضل العبادة أن تعبد الله في كل وقت بما يرضيه في ذلك الوقت.
إيقاظ الناس..فريضة
وقت السحر قبيل الفجر أفضل العبادة أن تقف لتصلي بين يدي الله.
وعند الآذان أفضل العبادة ليست قراءة القرآن، وإنما ترديد الآذان. وأفضل العبادة في وقت ضياع الأمة وانهيارها ووقت سقوط الناس، أن تنهض لتأخذ بيد الناس وتوقظهم. ويكون ذلك مُفَضّلاً على قراءة الأوراد، مع المحافظة على الفرائض. وأن يكون إيقاظ الناس والأخذ بيدهم وإنهاضهم من السقوط، مقدماً على كل شيء بعد الفرائض، لأنّه من الفرائض.
ويقول ابن القيم أيضاً إن أفضل العبادة في وقت جهل الناس وبُعدهم عن العلم وعدم قدرتهم على استيعاب قوانين الحياة، أن تقوم بتعليمهم وإفهامهم. ونحن الآن نقوم بتنفيذ مشروع محو أمية الكمبيوتر انطلاقا من هذا المعنى، فهو أفضل العبادة في وقتنا الحاضر.
أفضل العبادة إذن أن تعبد الله في كل زمان بما يريده الله من المسلمين في ذلك الوقت. والذي يعرف الله بهذه الطريقة هو العبد المخلص لله، أنه يمارس العبادة على مراد الله وليس على مراده.
كيف تكتمل عبادتك؟
هل هذا هو معنى (آمنوا وعملوا الصالحات)؟
أي جهاز في الدنيا له مدخلات يكون له بعد تشغيله مخرجات "مثل الكمبيوتر" الإنسان أيضاً هكذا. هل تعتقد أنّ الصلاة والصوم والحج مدخلات أم مخرجات؟ هي مدخلات طبعاً. أما المخرجات فهي (عملوا الصالحات).والصالحات هي التي يحتاجها المجتمع في كل زمان ومكان. إذا صليت وصمت رمضان وذهبت للحج. وهذه مدخلات. وتوقفت عند ذلك فإن عبادتك ليست كاملة. عبادتك تكتمل بالمخرجات وهي عملوا الصالحات. أن تساعد الناس. أن تنهض بالأمة أن تنتج. وقد ترك الله سبحانه (عملوا الصالحات) مفتوحة، لأنّ كل عصر له ظروفه، وكل مجتمع له احتياجاته وأولوياته. على الرغم من أنّ (آمنوا) محددة: أن تؤمن بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر. لكن (عملوا الصالحات) تركها مفتوحة حسب قدرات كل إنسان، واحتياجات الأمة.
الكمبيوتر..والتدين
فما الصالحات التي نحتاجها في هذا الزمان لكي تنهض الأمة؟
يندهش البعض حين نقول "محو أمية الكمبيوتر"، ويتساءل: ما علاقة ذلك بالتدين؟
حين تكون الأمة ضائعة، وحين تصل إلى آخر نقطة من الانحدار، فإنّ أول من يقف ويمد يده للأمة لتنهض من عثرتها، هم أغلى الناس عند الله سبحانه وتعالى. هؤلاء هم الأوائل.
كل مائة سنة تخرج أفكار تسيطر على الناس، فيظنون أنّه لا أفكار غيرها، ويظلون محبوسين داخل هذه القوالب من الأفكار، إلى أن يأتي "الأوائل". ((يا رب نكون منهم)). فيقولون: لا. هناك شىء آخر. فيسخر منهم الناس ويعترضون عليهم، إلى أن يقتنع البعض بصحة رؤاهم. هؤلاء هم أغلى الناس على الله سبحانه.
الشباب الأوائل
أهل بدر مثلاً، يقول عنهم النبي "صلى الله عليه وسلم": " لعل الله نظر إلى أهل بدر فقال افعلوا ما شئتم فإنّي قد غفرت لكم"، مع أن واحداً منهم عمل خطأ كبيراً، أثناء فتح مكة، أرسل لقريش يخبرهم بأنّ الرسول قادم لفتح مكة. أفشى أسرار النبي صلى الله عليه وسلم لقريش. وحين قال عمر بن الخطاب لرسول الله: " دعني أقطع عنقه، قال "صلى الله عليه وسلم": "دعه يا عمر لعل الله نظر إلى أهل بدر فقال افعلوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم".
لقد كان هذا من الأوائل رغم خطئه. هناك أشياء تصعب على الفهم. فأنت حين تقول إذا كانت الركعتان في المسجد الحرام بمائة ألف ركعة، فكم تساوي الصلاة داخل الكعبة نفسها؟..هذا لا نعرفه.
جاء جبريل للنبي "صلى الله عليه وسلم" وقال: "يا رسول الله كيف تدعون أهل بدر بينكم؟ قال له النبي "صلى الله عليه وسلم": هم من أفضلنا. فقال جبريل "عليه السلام": وكذلك أهل بدر من الملائكة هم من أفضلنا".
لذلك فإن الشباب الذي قرر أن يكون من "صناع الحياة"، هم من الأوائل والذي يمحو أمية الكمبيوتر، هو من الأوائل.
النبي "صلى الله عليه وسلم" قابل "ذو الجوشن الضبابي". بعد غزوة بدر، وكان كافراً. قال له النبي: "يا ذا الجوشن هل لك إلى أن تكون من الأوائل؟ قال: لا. ولكن انتظر فإن انتصرت على قومك اتبعتك. وإذا انتصر عليك قومك فما أصابني شر". مع أنّ النبي "صلى الله عليه وسلم" يقول: "لا تكن إمّعة. قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: لا يكن أحدكم إمعة يقول: إذا أحسن الناس أحسنت، وإذا أساؤوا أسأت. ولكن وطِّنوا أنفسكم فإن أحسن الناس أحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا".
ودارت الأيام ودخل النبي مكة فاتحاً واعتلى بلال الكعبة ليؤذن، وجاءت الناس بالآلاف تشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله. ووسط الآلاف جاء ذو الجوشن، ووقف أمام النبي والنبي ينظر إليه بابتسامة الحزين، وقال بخجل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمداً رسول الله. ويعلق راوي الحديث فيقول: فكان ذو الجوشن يعض على يديه لأنّه لم يكن من الأوائل.
التغيير.. بالتدرج
هل تعتقد أن كل الناس صالحة لأداء كل الأدوار؟
دعنا نستلهم هذا المعني من أولمبياد "أثينا" المنعقد حالياً في اليونان. هناك فرق كبير بين سباق المسافات الطويلة وسباق المسافات القصيرة. فمتسابق المسافات القصيرة لو دخل سباق المسافات الطويلة بنفس الأسلوب الذي يتبعه في سباق المسافات القصيرة، لوقع بعد فترة قصيرة من التعب وخسر السباق.
طريق النهضة طويل، ويحتاج إلى متسابقي المسافات الطويلة. يحتاج إلى أناس يقرؤون القرآن الكريم جيداً. وسوف يكتشفون أنّ مكة كانت مرحلة صعبة جداً على المسلمين. كانت ظلاماً دامساً قبل الهجرة، فينزل القرآن ليقول للصحابة الأوائل: "فاصبر" جاءت كلمة "فاصبر" في القرآن المكي ما يقرب من تسعين مرة لأن الموقف كان يحتاج إلى الصبر. قصة يوسف، قصة رجل صبر 40 سنة. قصة نوح، قصة رجل صبر 950 سنة. قصة يونس، قصة رجل لم يصبر.
نحن نجتاز واقعاً يحتاج منا أن نوقظ الأمة لتنهض، لكن مع صبر شديد. والله أراد لنا ذلك، فقد خلق سبحانه الكون في ستة أيام. وكان يستطيع أن يقول له: كن فيكون. لقد أراد سبحانه أن يعلمنا أن كل شيء يأتي بالتدرج.
لهذا فإن أي تغيير وأي نجاح يحتاج إلى الصبر "فاصبر إن العاقبة للمتقين".
| |
|