أيها المسلمون،
لا تجعلوني عاطلا عن العمل فأنا لازلت في مرحلة التحدي الكبير، وأكاد أسمع الملائكة مرة أخرى وهي تقول للعزيز الجبار: أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟
لماذا لا تنهاكم صلاتكم عن الفحشاء والمنكر والبغي، مثل الصمت تجاه الرشوة، والغش في البيع والشراء، وايجاد مبررات لطاغيتكم في معظم بلاد المسلمين، ففي ليبيا يصلي العقيد لله أمامهم وهم يتوجهون له أمام الله، وقريبا تمر أربعون عاما ولم توقظ كلمات الله اخوانكم الليبيين من غفوتهم واستحمارهم الذي يمارسه مستبد متخلف؟
وفي تونس سيحتفل قاتلهم بمرور عشرين عاما، ولا تزال روحُ الإيمان عاجزة عن اكتشاف المنكر والفحشاء في سيد القصر!
وفي الجزائر تركتُ شياطين الإنس من الجنرالات والاسلاميين يتقاتلون، فالذين دفعوا من أرواح أبنائهم مليونا ونصف المليون من الشهداء في حرب التحرير، أضافوا إليها مئة ألف أو يزيدون في حرب أهلية كأن لسان حالهم يقول: لماذا يسقط مثلهم في حرب لبنان الأهلية ونحن لا ندفع ثمن الغباء الاستعلائي؟
أيها المسلمون،
لا أنكر أنني سعيد بكم في هذا الزمن فقد تراكمت بين أيديكم في عصر أكبر تطور علمي وتكنولوجي واتصالاتي كنوز العالم القديم والجديد، وبلمسة من الاصبع يستطيع المسلم أمام شاشة صغيرة أن يقرأ في العلوم والآداب والفلسفة والانسانيات والتفسيرات والمقارنات، ويتابع خصوم دينه، ويقرأ عشرات الآلاف من المواقع المعادية له فتحثه على التفكر والتدبر ونبذ الاسرائيليات والتبرؤ من آلاف الحكايات التي جاءت في كتب الأٌقدمين وأصبحت عبئا على المسلم، ونقطة ضعف في دفاعه عن الاسلام، ومنفذا لخصوم دينه، وقيدا على عقله، لكنه يحمل معه زمنا غير زمنه، ويدافع عن أناس لم يرهم أو يسمعهم أو يعرف مشهدا من زمانهم!
أعترف لكم بأن اكتشافكم القرآن الكريم من جديد وعرض السُنّة النبوية الشريفة على كتاب الله، فإن وافقها فهي منه، كان أكثر ما يقلقني، ويثير خوفي، ويضعف حجتي، ويجعل وسوستي لكم أمرا شاقا، لكن الذي حدث فاق كل تخيلاتي وتوقعاتي، فأنتم على استعداد لاهانة العقل واهالة التراب عليه والدخول في جدال عقيم ورفع السيوف فوق رقبة كل من تُسَوّل له نفسه الطلب منكم أن تعيدوا قراءة كتاب الله العظيم في زمنكم ولزمنكم، فأنتم تخشون استخدام العقل، لأن فيه التزامات تشق عليكم، فسيطلب منكم حرية العقيدة، وترك الناس يختارون دينهم ومذهبهم وطائفتهم. وفيه التزام أخلاقي بالتسامح تجاه الآخرين، وبأن من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا.
أيها المسلمون،
لماذا خنقتم أنفسكم، وربطتم ألسنتكم، وكبلتم أيديكم، وسددتم كل فتحة لتهوية العقل أمام أكبر خصومه وهي الفتاوى الفجة والساقطة والحمقاء والهابطة فلم يعد للانسانية أي معنى، وللاجتهاد أي فائدة فأنتم تستفتون في كل شيء كأنكم أصبحتم عبيد أناس عاشوا منذ مئات الأعوام وأورثوكم حبلا غليظا يلتف حول كل مسامات الجسد والعقل؟
تسألون عن زواج الجنية من مسلم، وعن فحولة الرجل وانتصابه الدائم في الجنة فهو لا يتوقف عن ممارسة اللذة مع عشرات من الحور العين، وعن خروج المرأة ولو كانت أستاذة جامعية أو مربية أجيال من بيتها بدون مَحْرَم، وعن الجلوس أمام شاشة الكمبيوتر فتبحث الفتاة في العلوم والآداب واللغات، وأنتم تستفتون إن كان جلوسها بدون مَحْرَم في بيتها، وفي غرفتها وفوق فراشها حراما أم حلالا!
فتاوى أكثر خطرا من كل الحروب التي شنها خصوم المسلمين عليهم، فإذا سألتَ مسلما فلديه إكليشيه جاهز يجنبه مشقة التفكير، بل يحرضه على ملاسنة وطعن من يدعوه للتعقل، فالعقل، كما يراه المسلم، هو في لسان شيخ جليل يقرأ في الدين ولو كان لا يعرف عن العصر ذرة من علوم الدنيا.
أيها المسلمون،
لماذا تستفحل الأمية في دياركم، والأمراض في أجسادكم، والتخلف في مدارسكم وجامعاتكم، والقسوة مع رجال أمنكم، والطائفية في فكركم، والرشوة في معاملاتكم، وتكثر السجون والمعتقلات، ويشير الحاكم المستبد لأي عدد من رجال أمنه فيتحولون إلى وحوش كاسرة لا يردعها دين، وتجد أمامها حملانا خائفة لا يمنحها الدين القوة، ونبل المعارضة، وجمال الرفض، والإيمان بأن الانسان كرّمَه الله فلا يجب أن يحني جبهته لغير الله العزيز الحكيم؟
معجزة القرآن الكريم هو أنه لكل زمان ومكان، أي أنكم تستخرجون منه ما يجعلكم حَمَلة مشعل الحضارة والتمدن والتحضر والعلم والأخلاق والحرية، فإذا بكم تُحَضّرون أرواح الموتى، وتسألون مَنْ مرت على صعود روحه ألف عام عن معنى كلمة ( اللهو ) في أبلغ كتاب بلغتكم، فتقول لكم روحه بأنه كان يقصد الموسيقى والغناء ولو كان وطنيا ودينيا ويتغزل في الطبيعة، ويمتدح الجمال، وينقل للروح غذاء ينقيها وينعشها ويسعد صاحبها بهجة وغبطة، بل إنكم تنسبون إلىَّ كملك العصاة أن الكلمات الراقية الجميلة التي ينسجها مبدع ويضع موسيقاها من كان جمال الحياة توأمه هي مزامير الشيطان، وكأنكم تتغزلون في إبليس، وتمتدحون ذوقه الرفيع!
محمد عبد المجيد .. رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو النرويج