يوميات باحث عن النجوم(14)



خرجت من مترو الأنفاق تحت الأرض لميدان الرابع والثلاثين الشهير في قلب منهاتن, عبرت الشارع مع إشارة مرور المشاة, وعلى الرصيف, فاجأني رجلان بملابس مدنية من الأمام ومن الحلف, وبتناغم المحترفين أخرج الأول شارة الNYPD لتلمع أمام عيني الملتاعة, وباليد الثانية أخرج الكلابشات الحديدية.
لم يكن هناك وقت حتى للتفكير في الهروب, فقد انطلقت الكلابشات بسرعة البرق تحيط بالمعصم.
في لحظات حاولت أن أتذكر الجريمة التي ارتكبتها لتلقي شرطة نيويورك القبض علي, ما يحدث يخترق حدود المنطق.
هل شكّ أحدهم أن حقيبتي فيها زجاجة سي فور شديدة الانفجار بدلاً من الحاسوب المحمول مثلاً؟
يجب أن أريهم الحاسوب بهدوء وأدعهم يكشفون عليه بغير انفعال, لكن كيف أفعل ذلك والكلابشات تقيد حركتي؟
الحرية, كم أتوق اليها.
وجاء الفرج في موعده, حين أدركت أن هدف الكلابشات كان الرجلين اللذين يقفان بجانبي تماماً, معهما بضائع مسروقة من محل تجاري كبير.
حمدت الله, وتنفست الصعداء, لكني لم أنصرف, فقد كان يجب أن أشاهد كيف تتصرف شرطة نيويورك مع المجرمين اللصوص الأوغاد.
جلست على مقعد في الحديقة القريبة أستمتع بسيمفونية الاحترام,
رجل الشرطة يتحسس جيب اللص بكل ذوق, كأنه لا يريد أن يجرح مشاعره, ويخرج من جيبه الخلفي حافظة كروت ائتمان مكتظة, يبدو أن كلها كروت مسروقة.
رجل الشُرطة الآخر كان يستجوب اللص الثاني بابتسامة هادئة, يشارك رجال أمن الدولة في أي دولة عربية في الوسامة والاتزان الانفعالي.
لم أر عُنفاً, أو إهانة, أو ضرباً على القفا, آه يا قفا آه يا قفا, على رأى محمود عبد العزيز.
هذه قصة,
أما القصة الأخرى فهي الفيلم الذي شاهدته أمس.
: American teen
وهو فيلم تسجيلي عن حياة طلاب مدرسة ثانوية في آخر سنة قبل الجامعة ,
الفيلم يدور حول قضاياهم الفكرية, والعاطفية, التمرد على الأهل, الرغبة في الانطلاق من مجتمع المدرسة الضيق المحدود, إلى عالم الجامعة المبشر بالأحلام الوردية..
آدم, بطل كرة سلة الذي يجب أن يفوز فريقه بدوري المدارس لأنها فرصته الوحيدة للحصول على منحة للالتحاق بالجامعة..
هانا التى تحطمت عاطفياً بعد أن انتهت علاقتها بصديقها الذي صارحها بعد أن نال غرضه منها أنه لا يحمل لها أي مشاعر حقيقية, فتوقفت عن الذهاب للمدرسة ولم تعد تحب الغناء والرقص, وأصبحت تعيش في اكتئاب مزمن
ثم عودتها للحياة بتصميم ودخولها معترك الفرفشة والغناء والرقص مرة أخرى بكل أمل وتفاؤل مع صديقها الجديد, ثم صدمتها للمرة الثانية حين يقطع الصديق الجديد علافته بها,
وتحلم بالهرب من مشاكلها إلى لوس أنجلوس لتدرس الإخراج, وأهلها يرفضون سفرها وحيدة لأنها لا تعلم شيئاً عن الحياة خارج المنزل.
ميجان, التي تعيش حياة اجتماعية حافلة, وحياة نفسية معقدة, أختها انتحرت وهى صغيرة, وميجان لا تكف عن المشاغبة ومضايقة الطلاب من حولها, لكنها طيبة القلب, ومجتهدة في الدراسة.
مارك الانطوائي الذي يبحث عن فتاة تخرجه من عزلته, وينجح في مصادقة فتاة جديدة في المدينة, لينال صدمة حياته حين يعلم أنها تصادق شباباً غيره, ويواجه أزمة في الحفلة السنوية لأنه لا يجد فتاة تقبل الذهاب معه للحفل.
ويحاول الخروج من عزلته بقضاء وقت طويل يركب الحصان الأسطوري ممتشقاً السيف البتار لينقذ حبيبته , وذلك في البلاي ستاشن الحديث الذي يمتلكه.
الكاميرات كانت تلازم الطلاب في كل مكان.
مخرجة الفيلم تحدثت طويلاً عن صعوبة تنسيق العمل مع الطلاب والاهتمام بتفاصيل حياتهم.
وكيف حصلوا على موافقة الطلبة والأهل على تصوير أدق تفاصيل حياتهم الشخصية.
وهناك العديد من القفشات والمواقف الطريفة مثل الفتاة التى انتشرت صورة سيئة لها في محيط الأصدقاء, ثم المدرسة, ثم المدينة كلها, وهي تحكي في الفيلم كيف أثر ذلك سلباُ على نفسيتها, وأنها لم تكن تعلم أن صديقها غادر خائن ليؤذي سمعتها بهذا الشكل.

أثناء مشاهدة الفيلم, سرحت بخيالي وتصورت أني تزوجت في أمريكا وقررت أن أعيش في هذه البلدة, وأبنائي يذهبون لتلك المدرسة.
لم أستطع أن أتخيل طويلاً , فقد رأيت نفسي في حيرة و ابني يستأذنني ليقضي الليلة يذاكر عند زميلته في فعندهم واجب أحياء مهم جدا.
ورأيت ابنتي أمها تجرها من شعرها كل يوم لتتوقف عن ارتداء التنورات القصيرة أثناء ذهابها للمدرسة, والفتاة تلعن أمها وأباها والشرق الأوسط كله بأفظع الشتائم.
وذات صباح أستيقظ في الصباح لأجد المفعوصة قد اختفت من المنزل بعد أن هربت مع صديقها ماركو سوبرانو الإيطالي الذي يعمل مع المافيا, وتركت خطاباً قصيراً تقول فيه أنها تحبني بغباء, لكنها حرة في اختيار حياتها, مع ملاحظة قصيرة أنها سترسل إيميل حين تستقر في ولاية جديدة.
بالطبع هناك حلول لهذه المصائب, لو أنك تعيش بأسرتك في بلاد الغربة, فمهم جداً أن تتواجد وسط أفراد من نفس ثقافتك ودينك, لتبحثوا معاُ عن أفضل الطرق للمعيشة وتربية الأبناء وحماية أخلاقهم ودينهم.
والقانون يسمح ببناء مدارس خاصة وهناك مدارس إسلامية جيدة في أمريكا, وتستطيع أن تتحدث من أبنائك باللغة العربية منذ الصغر, للمحافظة على الأصل والدين.ولكن من يحمي أبناءك في المدرسة والنادي والشارع من عُرف المجتمع السائد؟
لو كان هناك إله يعترف به مجموع الشعب هنا , فهو القانون, والنظام الذي يفرضه بين الناس.
وذلك بمناسبة اقتراب اعتراف نيويورك بقانونية زواج الشواذ ,وحقهم في الميراث والتأمين الصحي.
ولكن حتى في مصر المجتمع مفتوح والأبناء يقعون في مشاكل أحياناً تكون أكبر من مشاكل الأبناء في أوروبا وأمريكا.
وهيكل يتنبأ بانهيار في مصر مشابه لما حدث في الأندلس.
والراقصات يتم دعوتهن للرقص في حفلات المدارس, وأهو كله ثقافة.
لكن الفارق الهام بيننا وبينهم هو عامل الشعور بالذنب وتأنيب الضمير على ممارسة الخطأ, ووجود استنكار عام للحرام تحت مفهوم الدين .
فالشاب البايظ في مصر الذي يشرب الخمر, ويعشق البانجو, ويقضى ليالي حمراء, يظل ضميره يؤنبه نوعاً ما حين يرى شاباً ملتزماً يضحك, أو حين ينصحه صديق مُخلص.
وحين يأتي شهر رمضان الكريم, ربما يمنع نفسه من الحرام, ويحاول الاستجابة لمحمد أوعلي أو عبد الله حين يدعونه لصلاة التراويح معهم.
وربما حين يسمع الشيخ جبريل يتلو الآية الكريمة: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله.
قد يخر ساجداً يبكي ويناجي ربه أنه تائب عائد لرحاب الإيمان.ومازالت الدنيا تقوم ولا تقعد كلما حدثت فضيحة أخلاقية جديدة, أو حين تخرج رواية تتعدى على الأديان مثلاً.
أما في بلاد أونكل سام, فحتى الأذان لا تسمعه, يوم الجمعة يوم عمل مثله كأي يوم آخر, والأذان تسمعه ربما حين تقرر أن تزور مصر زيارة قصيرة, لتستمتع بالشمس الدافئة والشواطئ الساحرة, في شرم الشيخ مثلاً, فيجب أن تختار موعد زيارتك أنت وأبناؤك بدقة
فمصر بلد سياحي من الدرجة الأولى كما نعلم جميعاً.
باللغة العربية الدارجة, أثبتت التجربة أن ماحدش بياخد كُل حاجة.
صحيح أننا في مصر نعاني من مشاكل الفساد والشرطة والبطالة والتلوث والفقر والغضب والجهل والعيش والعيشة واللي عايشينها.
لكن هناك بارقة أمل.
قبل أن آتي لأمريكا بأيام دخلت فيلماً عربياً فوضوياً, وكان فيه مناظر كثيرة مستفزة تؤذي الشعور والأخلاق والأفكار, وكنت شديد الغضب مما أشاهد, وأكملت الفيلم بصعوبة.
كانت أمامي فتاة وأمها, بعد أحد المشاهد الخارجة في الفيلم نظرت الفتاة لأمها وقالت لها بحسرة: ربنا يسامحهم, ضيعوا علينا صيام النهاردة.
مازال الشعب للمصري بخير.
والدين غالي برضو يا مُرسى.
أراكم لاحقاَ.

بقلم د.عمر حمدي