رغبة عميقة في التمرد على الضعف, الخوف, الهزيمة.
ليس بدافع الانتقام, ولا الرغبة في تعويض ما فات.
لكنها رغبة أم تبحث عن حق وليدها الجديد في الحياة,.
هذا الوليد هو فجر كل يوم جديد, حين يستيقظ الصباح وينادي ابن آدم صائحاً,
أنا يوم جديد, على عملك شهيد, فاغتنمني فإنني لا أعود.
لكن قبل أن أحكي لكم مغامرات أبناء هذا الأسبوع, يجب أن أكمل الجزء الثاني من سيرة الباحث عن الحقيقة, حفيد الصحابي الجليل سلمان الفارسي.
مالكوم أكس.
في الثاني والعشرين من نوفمبر عام 1963, استيقظ العالم على خبر اغتيال الرئيس الأمريكي, جون كينيدي.
والشعب الأمريكي كان يُحب هذا الرجل, ولكن مالكوم لم يكن يُحبه.
وقال في تصريحه عن الحادث:
حين يخرج دجاجك في الصباح, يجب أن يعود إليك آخر اليوم, ولا يعود لجارك.
والآن, العُنف الذي صنعه, وغذّاه الرجل الأبيض, يعود ليتفجر في أمريكا , فعودة الدجاج للعشة لا تجعلني حزيناً على الإطلاق, على العكس, تجعلني سعيداً.
(يا ليته توقف هنا, ولكن الدم الحُر الفائر جعله يُكمل : )
أريد أن أقول أن دجاج الشيطان عاد إلى صاحبه ناضجاً.
وتصدرت آخر جُملة عنواين الأنباء في اليوم التالي.
The chicken are home to roast.
هذا تصريح أمريكي من الدرجة الأولى, الكلام له معنى, وما تحت الكلام له معنى آخر تماماً, يُفهم على عدة أوجه.
وأعطى مالكوم أكس بهذا التصريح, الفرصة لينال منه حاسدوه.
تبرأ أليجة محمد من كلام مالكوم أكس, ومنعه من إعطاء أي تصريح لوسائل الإعلام , أو الحديث في أي من مساجد أمة الإسلام, لمدة تسعين يوماً.
واستجاب مالكوم أكس لأمر أبيه الروحي.
وكانت أقسى فترة في حياة مالكوم أكس, لكنه أذعن لأمر الرجل الذي أخرجه من الظُلمات, وأعطاه الثقة والمكانة في المجتمع, والصفة ليتحدث باسم أمة الإسلام, بما للرمز من دلالة في أمريكا الشمالية.
ولكن مع المحنة, منحة , وهي الفرصة التي منحها القدر لمالكوم أكس, ليُراجع حساباته وأفكاره
إلا أن الرياح كانت تنذر بعواصف قاصمة, فقد اعترف أحد أبناء أليجة محمد لمالكوم, أن أُمة الإسلام كلفته بتلغيم سيارة مالكوم أكس لتنفجر حين يدير الموتور.
قبل ذلك, كانت هناك فضائح سكرتيرات أليجة محمد, اللاتي طالبن أليجة محمد بحضانة أبنائهن من قائد أمة الإسلام.
أبنائه سفاحاً.
حين واجه مالكوم أباه الروحي بهذا الكلام, كان يتمنى أن ينكر, لكن الرجل برر الموقف بأنه ابن آدم, وله أخطاء, وكل رسول له أخطاؤه, فالرسالة مسؤولية, والرسول بشر, والله غفور رحيم.
لكن ثلاثة أبناء سفاحاً, عدد كبير بعض الشيء .
وبعد تفكير طويل, اتخذ مالكوم أكس قراراً حازماً بالانفصال عن اُمة الإسلام.
وأعلن أنه سيتحرك من الآن فصاعداً باستقلالية فكر, وأنه سيتحلى بالمرونة, وسيتعاون مع الجميع ليجد حلاً لمشكلة العنصرية في أمريكا, لكنه في البداية يحتاج أن يفهم.
بعد أن انقطعت علاقته بأمة الإسلام, يجب أن يبني علاقات جديدة, مع أمة اسمها أيضاً أُمة الإسلام, ليس في أمريكا, ولكن في العالم الإسلامي.
واقترض مالكوم من أخته الكبيرة بعض الأموال لأداء فريضة الحج.
ويسر الله السفر, وخطت قدماه أرض الله الحرام.
وبعد التعرف على شخصيته, تم اعتباره من ضيوف المملكة, ونزل في جناح خاص في أكبر فندق في مكة المكرمة.
لم يكن يُصدق أن بعض أهم رجال المملكة سود مثله, يعتلون أعلى مناصب الدولة.
لم يكن يتخيل مشاعر الوحدة بين الأبيض والأسود والأحمر في صفوف الصلاة, والاحترام الذي يُعامل به من الجميع.
أما اكتشافه الحقيقي, فكان الصلاة.
لنا أن نتصور أن المتحدث الأول باسم الإسلام في أمريكا الشمالية لم يكن يعرف كيف يُصلي, فالصلاة في أمة الإسلام كانت صلاة خاصة من تصميم أليجة محمد.
وبعد أداء فريضة الحج, خرج مالكوم أكس بقناعات جديدة.
اقتنع أن الرجل الأبيض ليس بشيطان.
والرجل الأسود يستطيع أن يصل لأعلى المناصب لو أتيحت له فرصة الثقة في إمكاناته كإنسان لا يقل عن أي إنسان آخر.
الرجل الأسود لا يُلام على العنف الذي يصنعه في المجتمع الأمريكي, لكنها أربعمائة عام من الاستعباد والظُلُم وضعت له هذا الطريق المُظلم.
ليس على يد الشيطان الأبيض.
ولكن على يد العُنصرية البغيضة التي يقودها الشيطان, ويقود بها أي شخص, يستجيب لوسوسته, سواء كان أبيض , أو أسود
وعاد مالكوم أكس لأمريكا إنساناً جديداً.
إنسان تعرف على المفهوم الحقيقي لدين الإسلام.
من أكثر المواقف التي يندم عليها في الماضي, حين أوقفته فتاة بيضاء, من انجلترا, قالت بأنها متعاطفة جداً مع أفكاره وتؤيدها تماماً ,وسافرت خصيصاُ لتسأله, ماذا يمكن أن تفعل لتنصر قضية السود , كفتاة بيضاء؟
رد عليها مالكوم ببرود: لا شيء.
وفي تصريحات مالكوم أكس الجديدة لوسائل الإعلام, أعلن أن أصدقائه الآن من السود, والبيض, والصُفر وجميع الأجناس.
وأن دين الإسلام يجمع الخلق جميعاً بغير تفرقة.
وأرسل ترجمة هذا الحديث في أحدى رسائله لبيتي زوجته في أمريكا:
لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى
وأعلن أنه سيذهب بقضية العنصرية في أمريكا للأُمم المُتحدة.
وبدأت صفحة جديدة في حياة هذا الرجل.
وبعد أن عاد لأمريكا, ذهب مرة أخرى إلى أفريقيا, بهدف التعرف على أبناء جنسه في بلادهم الأصلية, بهدف توحيد قضية السود وربطها بين القارات المختلفة
في مصر, قابل الرئيس جمال عبد الناصر.
وسافر لنيجيريا ليلقى نكروما رئيس الوزراء وقتها, ثم غانا وليبيريا, والسنغال,
وفي كل دولة يلتقي بالقادة والزعماء.
أراد أن يربط الأمريكي الأسود بأصله في أفريقيا, ليمنحه الثقة المفقودة.
وعاد مالكوم أكس مرة أخرى لأمريكا, ليجد الحراب مسنونة.
أقيمت ضده دعوى قضائية من أمة الإسلام ليُخلي البيت الذي يسكن فيه مع عائلته.
بعدها تم حرق البيت في أول محاولة حقيقية لقتله.
أصبح يتحرك بحراسة من رفقائه المخلصين, فقد كان على قوائم الاغتيال.
وهناك صورة مشهورة نشرت في الصحف, لمالكوم أكس يحمل مدفعاً رشاشاً, يقف خلف نافذة بيته, كأسد يحمي عرينه.
بالرغم من الضغط الشديد, والعُنف الذي طال بيته وأصدقاءه, وكل القريبين منه, إلا أنه ظل يتحدث بنفس الجرأة, يدافع عن قضيته, يعمل رُبما أكتر من عشرين ساعة في اليوم,
في الصباح قد يكون في شيكاغو يحاضر في إحدى الجامعات.
في المساء شارع هارلم يدعو أصدقاءه السابقين للتخلي عن الإدمان.
ربما قبل نهاية اليوم, يمر على مكتبة ليجد معنى إحدى الكلمات, أو يبحث عن كتاب جديد.
وانهمرت تهديدات القتل صباحاً ومساء.
خاصة وهو يدعو الآن الناس للدين الحق غير المحرف, يدعوهم ليعبدوا الله الواحد القهار.
وفي مساء يوم 21 فبراير, عام 1965..كان موعد محاضرة لمالكوم في نيويورك, كان الجو متوتراً جداً, والجمهور أكثر من أربعمائة شخص.
رفض مالكوم طلب إخوانه بتفتيش الحاضرين صائحاً في وجههم: لو لم أشعر بالأمان وسط أخواني, فمع من؟وصعد مالكوم أكس لخشبة المسرح, وضع أوراقه, وبدأ محاضرته بصوته الجهوري القوي.
السلام عليكم.
رد عليه الحضور, وعليكم السلام.
ونادت عليه ابنته الصغيرة.
وفجأة, حدثت مشاجرة بين اثنين من الحضور, ألقيت قنبلة دًُخان, قام أحدهم ومعه بندقية آلية, ابتسم مالكوم أكس وهو يتلقى رصاصات الشهادة.
انقض على خشبة المسرح أربعة ذئاب, أطلقوا عليه أكثر من ستة عشر رصاصة اخترقت رأسه وصدره وسقط شهيداً أمام زوجته وأبنائه.
شواهد كثيرة تقول أن العقل المدبر لاغتياله كان, السي آي أيه, بيد رجال أُمة الإسلام وفي مذكراته الشخصية يحكي عن رجُلين كانا يتبعانه طوال فترة وجوده في مصر لا يشك أنهما من السي آي أيه.
رُبما, من يدري؟
أما الميراث المادي الذي تركه, فإيراد الكتاب الذي لم يكن قد صدر بعد عن سيرته الذاتية, أوصى أن يتم إعطاؤه لزوجته حتى تشتري بيتاً للعائلة, فبعد أن احترق بيتهم كانوا يعيشون مع بعض الأصدقاء المخلصين.
الكاتب ألكس هالي يتحدث عن اليوم الذي احترق فيه بيت مالكوم أكس, كيف اتصل به وسأله بصوت مختنق سأله لو يمكن أن ينال مقدماً بعضاً من إيراد الكتاب عن سيرته الذاتية ليتمكن من تأمين بيت لأسرته.
فقد كان يعيش على عائد المحاضرات التي يلقيها في الجامعات, وهي لا تكفي للصرف على أسرته, وبيته, ودعوته.
الغامض, أن مالكوم لم يتعرض للاغتيال إلا بعد أن نادى بالسلام بين السود والبيض, بعد أن نادى باجتماع الجنس الأبيض والأسود في أمريكا ليتم بناء جسور جديدة من التفاهم والمساواة.
يختفي الغموض حين نعلم أنه نادى أخيراً بهذا السلام في إطار دين عظيم, اسمه الإسلام.
د.عمر حمدي