يوميات باحث عن النجوم(8)



لا أدري ما السبب الذي جعلني أمارس رياضة التايكوندو وأنا في الثانية والعشرين من العُمر؟!!، كان الضباب كثيفًا, والأمل مفقودًا, وفكرت أن الرياضة مصدر أمل مناسب, ومنفذ للتخلص من طاقة سلبية وإحباط، لست الوحيد الذي يعيشه.

ظللت أمارس اللعبة ثلاث سنوات, دخلت ثلاث بطولات, فزت في أولها بالمركز الخامس على مستوى الجمهورية، أما آخر بطولة دخلتها فكانت منذ أقل من سنة، وقت امتحانات العملي الأخيرة قبل وداع المرحلة الجامعية، الظروف كلها كانت تشهد أني أغامر بدخول هذه البطولة.

بطولة الدرجة الأولى, كل المشاركين على أتم استعداد وأعلى مستوى, وأنا كنت أتدرب بمعدل مرة أو أقل في الأسبوع، كان العلم له الأولوية القصوى، لكني كنت أشعر بالغضب من كل شئ.

قلت إنها قد تكون آخر بطولة ألعبها, وخاصة أن مسابقات الألعاب الفردية قليلة في مصر، جلست ببدلة التايكوندو بجانب الملعب, أنتظر دوري... فى يدى أوراق العملي, أراجع الرسومات... ظننت أن دخول البطولة سيضع بعض الدراما, والأحداث المثيرة قبل الامتحان, وبالتناسب مع الملل الذي يقتلني أثناء مذاكرة مادة العقاقير.

أتذكر أني كنت أذاكر أثناء مرحلة انتظار المصبر بصوت مرتفع, وعمر عصمت يجلس بجانبي, وعلّق قائلاً: الأفضل أن تقرأ بعض القرآن، رددت عليه بحزم: الآن هذا هو قرآني، ردي فيه تجاوز, لكني كنت أرى الصورة شديدة الوضوح... لكل مقام مقال, ولكل وقت آذان.

انتظرت طويلاً, حتى أني ظننت أنهم نسوا اسمي في كشف المتسابقين، قمت أسأل فقالوا لي أن أستعد, فموعدك بعد دقائق، نزلت الملعب, أتأمل المتفرجين، بعض المشجعين المتحمسين يصيحون صيحات فيلم 300 مقاتل أسبرطى: أهوووو...أهووو

انفصلت مكانياً عن الملعب, فرأيت كل زملائي على مكاتبهم , أو في أعمالهم, شعرت بتوتر الرجل الغير مناسب في المكان الغير مناسب, أضفت سببًا آخر لوجودي في الملعب, وهو الجنون.... أشحت بوجهي باتجاه منافسي, كان يبدو على وجهه الحماس الشديد.

قال المدرب تعليماته الأخيرة, وبدأت المباراة.... رفعت قدمي بضربة فنية, خصمي يبدو عليه الغضب ورغبة روكي في الحصول على بطولة العالم... رفعت قدمي مرة أخرى, وأنا أشعر بعدم استقرار، لكنهم دفعوني للخلف. أعني أصدقائي.

المدرب, كابتن أسامة, زملائي في التدريب.... شعرت بسعادة أنهم حولي, نوع من الأمان والدفئ رأيته في عيونهم القلقة, لكني لم أفهم لماذا لا يتركوني أكمل المباراة؟!!، ساعدوني في الخروج من الملعب, وحكوا لي ما حدث.

بدأت المباراة, وأول ما فعله الخصم أن أصابني بقدمه في وجهي, ويبدو أنه أصاب الأذن الوسطى ففقدت الوعي لثوان, وأخذت أدور حول نفسي, وقام الحكم بالعد حتى عشرة, وانتهت المباراة, وحين استعدت توازني مرة أخرى كانت البطولة قد انتهت.

بالنسبة لي بالطبع، كنت أتحسس أذني, أشعر بألم مكتوم, لكني كنت أشعر أني أديت المهمة بسلام, ويجب أن أعود للمنزل، دائماً كان شعاري: كله إلا الضرب في الوش, مافيهوش معلهش.

احتسبت عند الله, واستعوضت الخير... في مساء ذلك اليوم كان يجب أن أذاكر قبل أن أنام, جلست على المكتب, أمام الورق والرسومات، رأيت دمعة ساخنة تنساب على خدي، لم يكن أحد في المنزل يعلم أني دخلت هذه البطولة, وكل أصدقائي المقربين بعيدين عن اللعبة.

التايكوندو لعبة أحببتها, ومباراة الوداع قاسية جافية جدا، علمت في مساء ذلك اليوم السبب الذي من أجله دخلت هذه البطولة، كانت رأسي تسقط على صدري بغير وعي, من الإرهاق والألم وربما اليأس؟, عند هذه الخاطرة رفعت رأسي بصورة حادة..حاولت أن تسقط مرة أخرى, لكني رفعتها بإصرار.

في اليوم التالي لا شعورياً كانت تريد أن تنخفض لكني كنت أمنعها كل مرة، تحول هذا الانقباض في عضلات الرقبة عندي لرمز للتحدي, وإرادة للبقاء....

هذه الأيام, أتابع النفوذ اليهودي هنا في أمريكا, وكيف يتحكمون في كل شئ، منظمين, مجتمعين, مستغلين للعالم كله من حولهم، أنظر للشعب الفلسطيني الشقيق, والحصار الذي لا تصفه الكلمات, ولا الدموع, ولا الصمت, ولا أي شئ... الوحدة والتكاتف بين عبدة السيخ والبقر, والتفسخ والتقاتل والحسد بين عباد الله سبحانه وتعالى.... الرشوة والفساد والنفاق الذي لوّث كل شئ جميل في عالمنا المسكين... الظلم الظالم الذي يسحق الأبرياء في بلادنا الحبيبة... الغفلة التي تهبط على شبابنا شبح مخيف يهدد الحاضر والمستقبل بالفناء.

ولكن..

مازال هذا الكون يخضع لمشيئة القوي الجبّار، وسبحانه وتعالى يعلم ويرى...مازالت هناك جباه تتعفر في الأرض خمس مرات, تعلن الخضوع لمالك هذا الكون... مازال الحق, حُراً في نفوس أبت أن تركع إلا لله.

مازال الخير يملأ نفوسًا تؤمن أن أظلم الليل, ثلثه الأخير, ولكنه أيضاً الوقت الذي ينزل فيه الرحمن يُلبي دعوات عباده الصالحين الذين تركوا الفراش الدافئ, سجدوا يبكون من خشية الله يطلبون الغوث والرحمة.

بقوس التحدي, وسهم الدعاء, وعين الأمل ... بإذن الله سيظل الرأس مرفوعاً, مهما حدث.

ورحم الله من قال:

أخي فامض لا تلتفت للوراء

طريقك قد خضّبته الدماء

ولا تلتفت هاهُنا أوهناك.

ولا تتطلع, لغير السماء

د.عمر حمدي