الـجـنـة في بـيـوتـنا
(21)
حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ. عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ27/2/2008
في هذا الزمن:
علاقة الأبناء بالآباء على صفيح ساخن .. شد وجذب .. والحاجز النفسي بينهم كبير .. والسؤال: لماذا؟
لأننا فقدنا العاطفة .. وباتت " المصالح " هي الحكم الوحيد .
لغة القلوب ما عاد أحد يعرفها ..
قليلاً ما نجد أباً يقول لابنه أنا أحبك .. ونادراً ما نسمع ابناً يقول لأبيه: " وأنا أحبك يا بابا "، وكأننا نقتل عواطفنا في مهدها .. فما هو السبيل لتعيش الأسرة محاطة بالدفء العائلي؟
كـيف يتجدد الحـب بين الزوجين؟
ما أروع رقته، حتى وهو في وسط الجيش، يقدم لنا النبي الكريم، وصحابته القدوة بكل وضوح، كيف نزرع الحب في بيوتنا ونجده كل يوم.
هذا الجانب من السيرة العطرة للرسول الكريم، يأتي في وقت يحتاج فيه كل بيت عربي إلى الحب والتفاهم والوصال بين الزوجين وكل أفراد الأسرة لمقاومة عواصف الخلافات التي تهدد دائماً مؤسسة الزواج.
لـمـاذا يـتغير المـحبون؟!
الداعية عمرو خالد ... يكشف فصولاً من حياة الرسول .. وكيف كان يحب زوجاته ويحافظ على بيته حتى في أشد الظروف .. ويتساءل عمرو خالد:
كيف يضيع الحب ويختفي من حياة الزوجين؟
كيف يتبخر الشوق والحب من دم الحبيبين، ويبدأ كل منهما رحلة الهروب من حياة الآخر؟ كيف كان العاشق المتيم لا يرى في محبوبته إلا الجمال المطلق، ثم يراها الآن قبحاً مطلقاً لا يطيق رؤيته؟
ويقول عمرو خالد:
- الشيطان يلعب دوراً أساسياً ومهماً في تزيين الكراهية للزوجة بعد الحب، والنبي " صلى الله عليه وسلم " له حديث رائع في هذه المسألة يقول:" لا يترك مؤمن مؤمنة .. إن بغض منها خلقاً رضي منها آخر "..
- أربع مراحل لضياع الحب في البيت:
1- انقطاع الكلام .. والخرس الزوجي.
2- البحث عن حجج للهروب من البيت.
3- البحث عن مساوىء الطرف الآخر.
4- توقف العلاقة الحميمة شهوراً .. دون رغبة أو حنين.
بعد ذلك يبدأ أحدهما، أو كلاهما، بالبحث عن الحب خارج البيت، ويبدأ المسير باتجاه إغضاب الله ومعصيته. يقول ابن القيم: إن الشيطان يجعلك ترى ما لا تقدر عليه في يديك أجمل وأحلى .. مما بين يديك".
فدائما ترى ما ليس ملكاً لك أحلى من الذي تملكه، ولا تطيق النظر إلى ما بين يديك. قد يقول أصحاب الرجل له:
ليس هناك مثيل لامرأتك جمالاً وخلقاً فكيف أهملتها وذهبت لأخرى أقل منها جمالاً وأسوأ خلقاً.
يقول النبي " صلى الله عليه وسلم ": " يرفع لكل غادر يوم القيامة لواء مكتوب عليها هذه غدرة فلان ".
أي أن لو خنت ستبعث يوم القيامة وأنت تحمل راية مكتوب عليها هذه خيانة فلان
سـر دموع النبي " صلى الله عليه وسلم "
هذا الكلام موجه للرجال والنساء أيضاً. هل يمكن أن يعيش الحب ولا يموت؟هل التي طلقت نقول لها: حاولي مرة أخرى وسوف تنجحين؟
نعم .. سوف يعود الحب سيعود بشكل مناسب لكل مرحلة عمرية، سيعود الحب المليء بالود والتفاهم وتبادل المشاعر ، وسيعيش عشرات السنين. " وجعل بينكم مودة ورحمة ".
جعل فعل ماض. كل اثنين تزوجا، قذف الله يوم زواجهما في جذور قلبيهما مودة ورحمة للطرف الآخر. المودة والرحمة مغروسة في القلب بدليل أن النبي " صلى الله عليه وسلم " بعد موت السيدة خديجة بــــــــ 14 سنة يوم فتح مكة، وبينما الناس تلح عليه أن ينزل في ديارهم قال لهم: " انصبوا لى خيمة عند قبر خديجة".
وبعد موت السيدة خديجة بسنة، وقبل أن يتزوج إحدى زوجاته، تمر على النبي " صلى الله عليه وسلم " واحدة من الصحابيات تقول له: يا رسول الله عندك عيال خمسة تربيهم وحدك وأنت تحمل الرسالة أفلا تتزوج؟ تقول المرأة: فصمت طويلاً ، ثم وضع رأسه إلى الأرض، فرأيت دموع النبى تسيل ثم قال لي : هل بعد خديجة من أحد؟ تقول الصحابية: فقلت ليتني ما كلمته.
أعرف رجلاً عمره 70 عاماً، ذهب إلى انجلترا لاعطاء دروس – وهو عالم أزهري – وكانت معه امرأته في الخمسين من عمرها أو أكثر. رأيته يحب امرأته حباً يفوق الوصف، كان سني 20 سنة، وكنت أظن أن الحب لا يعيش أكثر من عامين أو ثلاثة، أذكر أن الرجل أيقظنى ذات يوم في الثامنة صباحاً وقال لي: إن زوجتي نائمة، وأنا اريد الذهاب إلى شارع أكسفورد لأشتري لها هدية ... فهل تأتي معي؟ فذهبت معه، وظل يستشيرني :
هل هذه أجمل أم تلك، أيهما أكثر أناقة؟ وكنت أريد أن أسأله: كيف تحب زوجتك كل هذا الحب وأنت في هذه السن ؟ وخجلت أن أسأله .
ومرت الأيام وعدت إلى مصر ، والتقيته في منزله ففوجئت به يقول لي: أنت تزورني في وقت صعب، سأتركك في الصالون لمدة نصف الساعة وسأعود إليك. وتركني وذهب ثم عاد وقال بعد أن رأى التساؤل والضجر في عيني: أنا أسف، هذا موعدي الأسبوعي أنا وزوجتي لقراءة القرآن معاً، ثم نتحدث للاطمئنان به على بعضنا كل يوم جمعة بعد صلاة العصر، نجلس معا لمدة ساعة ولم نقطع هذه العادة منذ 20 سنة.
الحب ممكن أن يعيش إلى ما لا نهاية إذا أخلصت القلوب وعمرت بالإيمان، فالبديل هو ضياع الحب والخيانات الزوجية، وطالما أنت تحفظ نفسك وحبك وإيمانك فالشيطان بعيد عنك، وسوف تتمكن من تربية أبنائك أحسن تربية. أعظم شيء تقدمه لأبنائك: أن يروك تحب أمهم.
تـزيـنـي لـزوجـك
كان النبي عائداً من غزوة ذات الرقاع ومعه الصحابة بينهم جابر بن عبد الله فسأله: هل تزوجت يا جابر؟ قال نعم يا رسول الله هلا بكراً يا جابر؟ قال لا يا رسول الله.
ثم قال له: لقد تركت يا رسول الله تسع بنات فأردت أن أتزوج امرأة تساعدهن وترعاهن. فقال له الرسول: أحسنت يا جابر، ثم قال له: عندما تعود إلى المدينة يا جابر فلن ندخلها حتى تعلم زوجتك بقدومك فتعد لك النمارق " الآرائك ". بمعنى أن تتزين زوجتك وتعد فراشك.
علينا أن نفكر كيف أن رسول الله قائد جيش يرجع بجيشه من المعركة فيفكر في مسالة عائلية كهذه، فيوقف الجيش خارج المدينة لتستعد الزوجات للقاء أزواجهن بالاستحمام والزينة وارتداء الملابس الجميلة.
النبي يريد الحفاظ على حب صحابته لزوجاتهم فلا يرى أحد منهم زوجته وهي غافلة عن موعد قدومه فتلبس ملابس الطهو أو التنظيف، ولا تزين نفسها كما تحب أن يراها زوجها، البديل شيطان لا يتورع عن زرع الخيانة في القلوب. هناك سيدات لا يفهمن المعنى الذي قصده النبي وأراده، وتكون النتيجة أن زوجها يشغف بأخرى تهتم بزينتها وجمالها.
لماذا لا يأخذ الزوج بيد زوجته في الطريق مثلما كان النبي يفعل حين يأخذ بيد زينب بنت جحش في يده ويمشي بها أمام الصحابة؟ ما الذي يخجل الزوج من أن يفعل ذلك؟ النبي أوقف جيشاً حتى تستعد زوجة للقاء زوجها.
كلنا سنموت. لكن حين يموت شخص نحبه نكتشف كم نحن في حاجة إليه ربما عندما كان على قيد الحياة كنا نقول: لسنا في حاجة إليه، لكن بعد موته نرى كم كنا في حاجة إليه.
بـطـاقة حـب
أعرف فتاة متخرجة في كلية الفنون الجميلة، وتهوى رسم البورتريهات، قررت أن ترسم صورة لأبيها وأمها، لتهديها لهما في عيد زواجهما، وظلت تتكتم الصورة عنهما ، وذات ليلة دخل عليها أبوها فسألها ماذا ترسمين؟ قالت له: لن أطلعك على ما أرسم الآن، ثم أحست بقوة حافزة داخلها على أن تطلعه على الصورة.
نظر الأب إلى صورة الأم التي معه في الصورة وقال: صحيح أمك جميلة.
ثم سألها هل ستضعينها في برواز؟
قالت: نعم. قال: اتركيني أشتري البرواز بمعرفتي لأضع بطاقة معه.
قالت: بشرط ألا تخبر أمي بالهدية.
اشترى البرواز وأحضر البطاقة الصغيرة، ثم مات بعد أيام قبل الاحتفال بعيد زواجه. وترددت الفتاة في إعطاء أمها الصورة يوم عيد الزواج، ثم أعطتها لها، نظرت الأم إلى الصورة وقرأت البطاقة التي كتبها الأب قبيل موته، كان يقول لها: فكرتني ابنتي أد أيه أنا محظوظ أن أنا متجوزك، هفضل أبص في عنيكي على طول.
قالت الأم بعد أن قرأت البطاقة: ياه كتير تمنيت وهو عايش يقول لي كلمة زي دي، يا ريتني سمعتها منه قبل أن يموت. تأثرت جداً حين سمعت هذه الحكاية، وقلت أد أيه البنت دي جددت علاقة الحب بين أبيها وأمها.
أحياناً لا يشعر الزوج بقيمة زوجته أو تحس هي بقيمة زوجها إلا عند الفراق لماذا لا نعيش الحب إلا حين نفقده؟
وصـيـة أبـي بكـر
عندما أشرف أبو بكر الصديق على الوفاة كتب وصية قال فيها: أريد ألا يغسل جثماني أحد غير زوجتي، أي أسماء بنت عميس وحين سألوه في دهشة لماذا؟
قال: ذلك أقرب لقلبي.
السيدة عائشة دخل معها النبي ذات مرة في اللحاف، ثم أستأذنها: دعيني أقوم لربي ساعة " أي دعيني أقوم لأصلي ". فردت عليه: أحب قربك وأؤثر هواك، أي أحبك أن تظل إلى جواري لكن ما يرضيك أفضله على ما يرضيني.
غـزل في سـواك فـاطمة
كيف تقول لزوجتك كلمات جميلة؟
قال رجل لعلي بن أبي طالب: صف لنا علاقتك بابنة النبي " صلى الله عليه وسلم " ؟ فرد عليه علي بن أبي طالب: " وبنت محمد سكني وعرسي .. مشوب لحمها بدمي ولحمي ".
نظر علي بن أبي طالب فوجد زوجته فاطمة بنت النبى تمسك سواكا لتتسوك، فقال:
حظيت يا عود الآراك بثغرها ألا خفت يا عود الآراك آراك؟
لو كنت من أهل القتال قتلتك
ما فاز بثغرها يا سواك سواك"
ويدخل النبي عليهما فيجد صوتيهما يجلجل ضحكاً، فيصمتا حين يريانه.
فقال لهما النبي ما أضحككما؟
فقال علي : يا رسول الله تقول لي:
" أنا أسن منك وأنا أكبر منها".
فقال النبي: لا يا فاطمة هو أكبر منك،
فقالت: يا رسول الله أعرف، إني كنت أداعبه.
هذه بيوت النبي والصحابة... عبد الله بن المبارك أحد كبار التابعين كان يجاهد سنة ويحج سنة، حين ذهب للحج أوحشته زوجته، فبعث برسالة إليها مع رجل يقول:
اشتاقت روحي إلى روحك فهل شعرتِ بها؟
الحب لا ينتهي.
كان النبي " صلى الله عليه وسلم " جالساً بالبيت فسمع طرقاً بالباب سأله: من؟
قالت: امرأة هل أدخل؟
فهتف النبى: الله .. الله .. الله، كأنه صوت خديجة ، " وكانت أختها هالة بنت خويلد " فأردف النبي: ليتها تكون هالة فكانت هي فأكرمها النبي إكراماً عظيماً.
لقد اشتاق إلى خديجة.
الحب يموت بالإهمال، أي شيء لا تعتني به يذوي ويتحلل وينتهي.
الحب كالشجرة إذا اعتنيت بها، تنمو وتترعرع.
www.amrkhaled.net