يوميات باحث عن النجوم(7)



أيتها البلاد القاسية والدانية, أيتها الأمجاد القديمة الذابلة,

أرسلي أبنائك الفقراء المرهقين, الموتى, الباحثين عن الحياة.

أعطيني أبنائك المشردين, المنبوذين المسحوقين على شواطئ الذل.

إني أرفع لكم جميعاً, المشعل الذهبي, لأضئ لكم, طريق الحرية


الكلمات التى قالتها الشاعرة الفنزويلية المهاجرة, أيما لازاروس, حين رأت تمثال الحرية, ثم نقشت الكلمات فيما بعد على قاعدة التمثال.

كلما تذكرتها, أخذت أفكر, كيف تكوّن الشعب الأمريكي؟.

كيف اختلطت الأجناس, والأعراق, وخرج من هذا الخليط الإنساني الفريد, مواطن مستعد لتقديم حياته فداء ليحيا أونكل سام.

قرأت منذ سنوات إحصائية عن أكثر شعوب العالم اعتزازاً بجنسيتهم, وكان المواطن الأمريكى الأول في الترتيب.

٥+ ألف فيزا سنوياً , بقشيش أمريكي ل٥+ ألف محظوظ على مستوى العالم, تنفتح لهم أبواب الجنة, هكذا نعتقد جميعاً.

نحلم بالجلوس تحت الشجرة المورقة بالدولارات الخضراء الدافئة، والأطفال يلعبون في الحديقة مع سندريللا والأقزام.

ميكى ماوس يلهو مع الأطفال, حتى فأرهم ظريف لطيف خفيف يرقص ويغني ويسلي.

وقصص الهجرة لأمريكا أكثر من أن تحصى, ومن أجمل الأفلام التي تتمحور حول هذا المعنى, فيلم كازابلانكا الذي يحكي كيف أصبحت المدينة المغربية, محطة انتظار للحصول على أوراق للسفر للعالم الجديد, وينتهي الفيلم بنجاح البطلة مع زوجها في الهروب بطائرة ذاهبة إلى البرتغال ومنها للبوابة الذهبية للعالم الجديد, نيويورك.

عام ٢++١ حكى لي مصري يعمل على عربة شطائر عن رحلته للقدوم لأمريكا, كيف استدان ١٧ ألف جنيه ليسافر للمكسيك, ثم يعبر الحدود من الجنوب, ثم طاردتهم شرطة الحدود وفتحوا عليهم النار, وهرب بأعجوبة ووصل بمعجزة لنيويورك ليبدأ العمل ليسدد الدين.

مازالت هناك مساحات شاسعة , تنتظر من يسكنها حتى هذه اللحظة, القارة مازالت جديدة, ومشكلة أمريكا الشهيرة, أنها دولة بلا تاريخ حقيقى, وهوليوود قامت بدور كبير في صناعة تاريخ وهمي من أبطال خوارق, على عشرات من الرامبو وروكي والرجل الأخضر.

بالإضافة إلى كومة أخرى من بطولات الحروب الزائفة تُظهر الشجاعة والجلد والعنفوان الأمريكي.

أحكي قصة قرأتها عن أول مهاجر عربي لأمريكا، في عام ١٨٧٥, أرادت الحكومة الأمريكية أن تمد خطوط السكة الحديد في صحراء أريزونا.

ولأن الصحراء تحدي مخيف وأهلها معروفون منذ القدم, فقد وقع اختيار أونكل سام على خبير عربي بالصحراء ليقود المهمة.

الحاج علي, تاجر الجمال السوري, الذي سافر مع جماله للعالم الجديد, وانضم لفرقة كابتن أدوارد بينتلي, واخترقت الفرقة الصحراء, حتى تم توصيل الطرق, ونجحت المهمة.

كان اسم الحاج علي بين الجنود الأمريكان: هاجوالى ,مقطع واحد، ولم يعد الحاج علي لسوريا,استقر في أريزونا حتى مات عام 1902، الهجرة قرار صعب على أي شخص, تريد أن تبدأ في مكان جديد,تحقق هناك ما لم تحققه هنا, في بلدك الأصلي.

والحقيقة أنك لو كسبت بهجرتك من بلدك, فالخاسر غالبا هو الوطن, الذي صرف عليك عشرات الآلاف تعليم مجاني في المدرسة , ثم تعليم عالي في الجامعة, ثم تهاجر, وغالباً الفرصة تكون للمهندس والدكتور والمحاسب، أو بصفة عامة, المتعلم المهذب الذي سيبذل قصارى جهده لخدمة وبناء بلاد أونكل سام.

ومسمى الوطن في رأيي أكبر من كلمات الأغنية الشهيرة التي تتسائل فيها المطربة,وتقول:

: ماشربتش من نيلها؟ جربت تغنى لها؟

لأن معظمنا لم يشرب مباشرة من ماء النيل والسبب معروف, ولم نشعر أن الغناء للبلد موضوع يستحق عظيم اهتمام، أما الانتماء للوطن فشئ أكبر من أي كلام,شعور يمتزج بالروح ويجري في العروق مع الدم، يفهمه جيداً من شارك في حرب دفاعاً عن أرضه, دينه, وجوده.

نعود لأمريكا ونقف قليلاً مع مسمى أونكل والعم سام, فهو ليس الأب, أو الجد, ولكن أونكل سام، حتى بطوط-دونالد داك- وهو عم سوسو ولولو وتوتو, وليس والد سوسو ولولو وتوتو، وعم دهب-أونكل سكرودج, وليس الجد سكروج.

لو ذهبنا لعمق المسمى نصل لحقيقة باردة, وهي أن المجتمع الأمريكي يتيم, أبناؤه ليسوا من صلبه, أتوا من كل الأراضي والحضارات الأخرى, ليأكلوا من تورتة العالم الجديد., ويبنوا حضارة, أصلها مقام على رفات مقبرة ضخمة تضم ملايين الهنود الحُمر, الذين أبادهم أونكل سام ليقيم صرح الحرية, ولكل شئ ثمن.

ورأيي الشخصي أن الانتماء الحقيقي للجيل الأول المهاجر لأونكل سام هو الفوائد المادية من وراء الحصول على الباسبور الأزرق.

ولكن, سؤال وجيه يطرح نفسه: ما الهدف الحقيقي وراء العطاء الأمريكي الجزيل للمهاجر الأول؟، هل أونكل سام رجل طيّب خيّر بيحب يعمل معروف في كل واحد محتاج؟، أم أنه عبيط, بياخد على قفاه في لعبة صلّح؟ وهي لعبة مصرية شهيرة يتبارى فيها المتنافسون في قرع الضحية على قفاه المسلطح؟

حين أفكر في إجابة هذا السؤال, أتذكر أمرين :

الأمر الأول هو أهم شروط الترشح لمنصب, رئيس الولايات المتحدة الأمريكية, وهو أن يكون المُرشح من أبوين وجدين أمريكيين, وضع تحت الجدين مئات الخطوط, فيجب أن تكون من الجيل الثالث المهاجر على الأقل لتبحث عن فرصتك وتنافس بوش على منصب أقوى رجل في العالم, أو كما نقول بالبلدي: عشان تكون زعيم علينا, لازم تكون مننا.

الأمر الثاني الذي أتذكره, هو محادثة دارت بيني وبين فتاة كانت تعمل في أحد محلات الملابس بمنهاتن, وسألتني وقد لاحظت لهجتي وملامحي: هل أنت مسلم؟، أومأت بالإيجاب, فقالت بسعادة وتلقائية: عظيم, جدي أيضاً كان مسلمًا.

ونظرة الإزبهلال على وجهي متوقعة بالطبع، يتكرر هذا الموقف مع كل عربي في بلاد المهجر, بصورة أو بأخرى.

أما لو سافر أحدكم للغرب الأمريكي, و أراد أن يقوم برحلة طريفة, فليذهب لقرية في أريزونا اسمها سولت ليك, لا أعتقد أنه سيتوه, فسوف يرى على مدخل القرية تمثال لرجل يرتدي جلبابا, يمتطي ظهر جمل,وعلى قاعدته مكتوب بالانجليزية:

HAJO ALY
الحاج علي.

ومن أراد أن يقوم بمغامرة أطرف, فليدخل القرية, ويبحث عن رجل مسن , أو سيدة عجوز, هؤلاء الذين يعلمون أسرار الماضي, وليسألهم عن الجيل الثاني والثالث.

أبناء وأحفاد الحاج علي.

أم نقول , أبناء وأحفاد أونكل بوش؟

بقلم د/ عمر حمدي