وا قرآناه



القرآن الكريم هو المصدر الأول لتعاليم الإسلام، وهو المعجزة الباقية أبد الدهر، الذى أنزله رب العالمين على قلب نبيه الأمين (صلى الله عليه وسلم) ليكون هداية وهدى للعالمين: {إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا كبيرًا} (الإسراء: 9). وقد أمرنا الله تعالى بتلاوة القرآن وتدبره، واستخراج ما استودعه الله فيه من علوم ومعارف تبدد للمؤمنين ظلمات الشك، وتنير لهم الطريق إلى حضرة رب العالمين: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. يهدى به الله مَنْ اتَّبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} (المائدة: 15، 16). 

غير أن الإشكالية اليوم تكمن فى أن التعامل مع القرآن لم يكن على المستوى المطلوب.. قراءة وفهمًا وتدبرًا وتطبيقًا وهيمنة على أمور الدنيا جميعها، حيث بدأت علل التدين فى الأمم السابقة التى أصيبت بالتعامل مع كتابها - تتسرب إلى الأمة الإسلامية. أولئك الذين قال الله عنهم: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانى وإن هم إلا يظنون} (البقرة: 78)، أى إلا تلاوة وترتيلاً.

قال ابن تيمية (رحمه الله) عن ابن عباس وقتادة، فى قوله: {ومنهم أميون}، أى غير عارفين بمعانى الكتاب، يعلمونها حفظًا وقراءة بلا فهم، لا يدرون ما فيها؛ وقوله: {إلا أمانى}، أى تلاوة، لا يعلمون فقه الكتاب، وإنما يقتصرون على ما يتلى عليهم، فكيف - والحالة الذهنية هذه - يمكن أن يحرك القرآن سواكن القلوب ورواكد العقول؟

لقد نزل القرآن ليُعمل به، فجعل بعض الناس مِنْ حفظه وتلاوته (فقط) عملاً، ساعدهم على ذلك الخلل فى مناهج وطرائق التربية وآليات التلقى والتعامل مع القرآن، الأمر الذى أدى للوصول إلى الحالة التى عبر عنها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «بذهاب العلم» حتى مع وجود الشهادات والإجازات والحفاظ، فقد أخرج الإمام أحمد فى مسنده عن زِيَاد بن لبيد قال: «ذكر النبى (صلى الله عليه وسلم) شيئًا فقال: وذاك عند أوان ذهاب العلم. قال: قلنا يا رسول الله: وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا، ويُقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال: ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد، إنْ كنتُ لأراك مِنْ أَفْقَهِ رجل بالمدينة، أَوَليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل، لا ينتفعون مما فيهما بشيء». 

وهذه هى حالة الهجر الذى حذر الله منها على لسان رسوله (صلى الله عليه وسلم): {وقال الرسول يارب إن قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورًا} (الفرقان: 30)، وهذا الهجر من الجرائم الفكرية الكبيرة التى أشار إليها القرآن بعد الآية السابقة مباشرة: {وكذلك جعلنا لكل نبى عدوًا من المجرمين وكفى بربك هاديًا ونصيرًا} (الفرقان: 31)، والهجر هنا ليس معناه عدم التلاوة والحفظ فقط، وإنما يضاف إليهما غياب التدبر، وإقصاء القرآن عن حياة الأمة فى الأخلاق والتشريع والتربية والتعليم والإعلام والوعظ والإرشاد، الأمر الذى ينتهى بنا إلى أقصى مراحل الخزى التى حذرنا الله منها بقوله: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى فى الحياة الدنيا ويوم القيامة يُردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون} (البقرة: 85). 

إن القرآن لم يكن مستهدفًا اليوم فقط من قِبَل المجرمين والكافرين، ولكنه كان مستهدفًا، منذ أن نزل به الروح الأمين على قلب الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، فكفار قريش كذبوا بالقرآن، وأنكروا أن يكون كلام الله، وأن الله أنزله على محمد (صلى الله عليه وسلم) وادّعوا أن هناك من أعان محمدًا (صلى الله عليه وسلم) على إنشائه: {وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلمًا وزورًا. وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلاً} (الفرقان: 4، 5). 

وأخبر الله عن منطقهم العجيب: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرًا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} (الأحقاف: 11)، ومن ثم يأتى عذاب الله ووعيده لهؤلاء المكذبين المعاندين والمتكبرين الكافرين، الذين قالوا: {.. لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون. فلنذيقن الذين كفروا عذابًا شديدًا ولنجزينهم أسوأ الذى كانوا يعملون. ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون} (فصلت: 26 - 28). 

لقد سعى أعداء الله فى القديم والحديث لتشويه صورة القرآن من ناحية، وإبعاد المسلمين عنه من ناحية أخرى، بهدف إبطال هذه المعجزة القرآنية المُوحَى بها إلى النبى الكريم (صلى الله عليه وسلم)، ولم يكن جديدًا أن يقول المنصر اليهودى إبراهام جيجر فى كتابه: «ماذا اقتبس محمد من اليهودية»، يقول: «إن القرآن مأخوذ باللفظ أو بالمعنى من كتب اليهود»، ولم يرعوِ أمثال هؤلاء عن تشويه تراجم القرآن عن عمد، ومعاملة النص القرآنى معاملة مؤلفات بشرية يهدف إلى الحد من إمكانية إقبال الغرب على هذه الترجمات والإفادة منها (ولقد كانت الترجمة اللاتينية الأولى للقرآن - ترجمة بطرس الموقر - التى تمت عام 1143م المشوَّهة.. كانت هى الأصل الذى نبعت منه الترجمات الأخرى، وعن هذه الترجمة وضع الحاخام اليهودى يعقوب إسرائيل أول ترجمة بالعبرية عام 1634م). 

وقد حفل التقرير الصادر في يونيو 2004م عن مؤسسة «راند» - وهي من أشهر المؤسسات التمويلية للمنظمات البحثية في الولايات المتحدة بالتشكيك في صحة القرآن الكريم، والدعوة إلي تحريف الحديث النبوي، ومارس عملية تشويه فاضحة للمفاهيم القرآنية حول الحجاب والجهاد والاستشهاد. 

وفي بدايات عام 2004م أُلِّف كتاب بعنوان «الفرقان الحق» ليكون بديلاً عن القرآن الكريم، وقاموا بحذف سور من القرآن وإضافة أخرى، وحذف جميع الآيات التي تتحدث عن اليهود والنصارى مع إضافة آيات تمجد في أهل الكتاب وخاصة الصليبيين منهم . 

كما روّجت إحدي دور النشر الأمريكية لكتاب كاذب اسمه «نبي الموت» يتهم النبي (صلى الله عليه وسلم) - كذبًا - بنشر ثقافة الموت وبخداع المسلمين، وبأن الإسلام خليط من الوثنية، وبأن القرآن يأمر المسلمين بقتل غيرهم وأخذهم سبايا، كما قامت مجلة «ناشيونال ريفير» الواسعة الانتشار في الأوساط اليمينية المتطرفة بنشر كتابين مماثلين. 

ولم ينته الأمر عند هذا الحد، بل دخلت الشركات التجارية الميدان، وأسهمت بغباء في العدوان علي الإسلام عقيدة وشريعة، ونبيًا ورسالةً، مثل شركة «نايكي» التي كتبت لفظ الجلالة علي نعل أحد أحذيتها وطرحته للبيع في الأسواق. 

كما صدرت مطبوعة بعنوان «هل القرآن معصوم؟» حشدوا فيها أكثر من مائتين وخمسين شبهة عن القرآن الكريم، ليروِّجوا بين الناس أنه ليس وحيًا من عند الله؛ لأنه - عندهم - حافل بالأخطاء اللغوية، والتاريخية، والعلمية، والجغرافية، والأخلاقية، والفنية، واللاهوتية... إلخ، وقد ذهب هؤلاء في مقدمة كتابهم هذا إلي الزعم بأنهم يريدون خدمة الإنسانية بالكشف عن «الزيف» الذي في القرآن؛ لأنه من وجهة نظرهم ليس كتابًا أنزله الله!

إن محاولات التجرؤ على القرآن ومحاولات تفسيره أو تطويع نصوصه لخدمة أغراض شخصية أو هوائية أو ما أشبه ذلك لم تتوقف حتى من المسلمين أنفسهم، بل من بعض علمائهم الذين يفسرونه بأهوائهم خدمة لأغراض سادتهم، وتحقيقًا لمآرب أخرى، وهو ما يحتم علينا - معشر المسلمين - أن نستيقظ ونفيق، ولا نكون من المتواكلين الذى يقولون وحسب: إن للقرآن ربًا يحميه، ولم تنتفض جوارحنا، أو تقشعر أبداننا، أو تتحرك قلوبنا، أو تغلى دماؤنا ونحن نرى ونسمع كيف تُمزق آيات الله وتلقى فى المراحيض، وتوضع أوراق المصحف كجوارب يلبسها الذين اتخذوا آيات الله هزوًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وننظر لنرى عملاً إيجابيًا قويًا من أمة المليار، فلا شيء سوى المزيد من الضجر والغضب البارد الذى لا يُحرك ساكنًا ولا يسكن متحركًا. 

إن مدلول قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر: 9) يعنى من بعض الوجوه: أن القرآن باق ومستمر ومحفوظ بحفظ الله، وأن الجهود لابد أن تتركز حول التدبر والتفكر، وما يمنحه ذلك من عطاءات ثقافية وحضارية وعلمية ومعرفية تجعل من الأمة شاهدًا على الناس بجدارة علم وثقافة وخُلق، وليس بادِّعاء، ولعل هذه المعاول التى تحاول جاهدة هدم القرآن، وإزالة سلطانه من القلوب، وحاكميته من دنيا الناس، أقول: لعل هذه المعاول تستنفر الأمة، وتصنع التحدى، وتمكّن من الاستجابة والمواجهة، وهو الأثر الإيجابي الذي يمكن أن تخلقه فينا أمثال هذه المحنة.

أحمد زهران  صحفي مصري