التحديأمس سقط الجليد.طوال الليل, يهطل بغزارة, يغطي كل شيء بلون أبيض خلّاب.
المرة الثانية التي أشهد فيها الجليد.
أعشق سطوة الطبيعة.
ووقت المطر, وقت استجابة دعاء, فما بالك بالجليد؟ أعتقد أنه استجابة دعاء أيضاً, يجب أن أسأل صديقي الشيخ علاء في هذا الأمر.
الآن أسجل أحداث الأمس المحتقنة بالتوتر والانفعال, داخل نفسي ليس في أي مكان آخر.ولأنني مشحون الآن كبطارية لابتوب جديدة, سأهدأ قليلاً وأحكي لكم واقعة حدثت منذ عشرة أيام.
كنت أسير في الرواق بالأكاديمية أقرأ الإعلانات على الحوائط, فوجدت إعلاناً لفتاة تطلب أن يكتب لها أحد فكرة فيلمها في شكل سيناريو وحوار.
وجدتها فرصة طيبة, واسم الفتاة مكسيكي, والشعب المكسيكي ظريف لطيف.
اتصلت بالفتاة, وقابلتها في اليوم التالي بالأكاديمية, وأخبرتني أنها تريد أن تكتب فيلماً عن طفل وجدّته التي أصيبت بالزهايمر, ويجب أن يعتني بها .
أعجبتني الفكرة, لكن جيمينا-اسم الفتاة- تريد الفيلم في ست دقائق فقط, وتريد السيناريو بعد عشرة أيام كحد أقصى.
تراجعت قليلاً, وأردت أن تمنحني المزيد من الوقت, لكنها مرتبطة بموعد لمشروعها.
أرسلت لي الفكرة على البريد الالكتروني, وأخبرتها أنني سأراسلها لاحقاً.
حاولت أن أدير الفكرة فى رأسي, لم أتحمس كثيراً, فلا أحب الأفلام القصيرة, ومنشغل حالياً في واجبات دراستي الأصلية, وبعد يومين علمت أن آخر موعد لمشروعي الذي أكتبه حالياً بعد أسبوعين فقط, فقررت أن أعتذر للفتاة.
إلا أن ضميري أنبني, فالفتاة جدتها كانت مريضة بالزهايمر وتريد أن تخلّد ذكراها في صورة فيلم, كتبت بعض التعديلات على الفكرة, وأرسلت لها بريداً, وطلبت منها أن تنتظرني بعض الوقت.
مر يومان آخران, ثم خمسة أيام, ولم تتصل الفتاة, وأنا أرحت الجمجمة, ولتسترح جدة جيمينا في تربتها, أو لتكتب فيلمها أو لا تكتبه, عندي أولويات حالياً, كان هذا حتى الأمس فقط.
كنت أجلس في محاضرة بجانبي أيثن الفتاة-أقصد الفتى, أعني الشيء اليهودي, وكان يتحدث عن فكرة فيلم يشارك فيها عن طفل وجدّته المريضة.
وجدتها صدفة غريبة, أن يعمل هو أيضاً على فكرة طفل وجدته المريضة. بحسن نية نسيت الموضوع برمته وانخرطت فى أنشطة المحاضرة.
في المحاضرة التالية, كان بجانبي سنتياجو, وبجواره أيثن, وقبل أن تبدأ المحاضرة , أعطى أيثن لستنياجو ملفاً ليقرأه.
وقعت عيني على الصفحة الأولى من الملف.
ذاكرة منيرةفيلم لجيمينا ارجيليسكتابة: أيثن هيموفيتس
وانفجرت الدماء في عروقي الملتهبة.
رأيت الصاروخ يدمر سيارة الشيخ أحمد ياسين.
رأيت الدبّابات تنشر الدمار في غزة
شاهدت الدرّة يسقط مضرجاً في الدماء والجنود الخنازير يضحكون كالقرود.
أيثن؟
اليهودي؟
الشاذ؟
الذي تلعنه السماء؟
الاسرائيلي؟
كاد الشريان التاجي أن ينفجر من الانفعال, كان يجب أن أخرج لأستعيد هدوئي وتفكيري.
خرجت, وذهبت للحمام, نضحت وجهي بالماء لأفيق.
الأمر لا يحتمل كل هذا الانفعال.
كيف والمشروع كان معي أولاً؟
جيمينا هي السبب..هذا عدم احترام وقلة ذوق, المكسيكية بنت ال..
ولكنني أيضاً لم أرسل لها ما طلبت, وكنت أجادلها في سن الفتى, وأثبطها.
في الأصل لم أرد كتابة الفيلم, وكسلت عن الاعتذار لها.
وكما فعلت فعل أيثن, اتصل بها, وطلب أن يكتب السيناريو, وكتبه في يومين..ربما أقل.
بووووووم
رأيت الطائرات تدك مطارات مصر...عبد الحكيم عامر ينتحر..الجنود المصريون يسقطون كالذباب.صرخ الوريث:قل لهم أننا ماحربناش يا فريد..قل لهم أننا ماحربناش-المال والبنون (الحلقة الأخيرة)وقفت أمام المرآة ورأيت الغضب يلمع في عيني كالنار.
شاهدت ابن الأحمر بعد أن سلم مفتاح غرناطة, يبكي أمام أمه, وهي تنظر له باحتقار:ابك كالنساء على ملك لم تستطع أن تحفظه كالرجال.
طردت الأفكار من عقلي, لماذا أنا بهذه الحساسية الشديدة؟ أنا منشغل بمشروعي, وهو مشروع يستحق الانشغال, فأنا أكتب قصة شاب يخرج من الهزيمة النفسية و..
هزيمة؟ ربما. هزيمة؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
سمعت صراخ الأطفال في عزة يخترق طبلة أذني, رأيت شارون الملعون يقتحم صبرا وشتيلا, يجرجر مؤخرته خلفه كالعجل.
عدت للمحاضرة وأنا أفكر في الصراع الذي سيظل يواجهنا دائماً.
نموذج للصراع العربي الإسرائيلي الذي لن ينتهي.
جلست على نار الغضب, أستعجل اللحظة.
لحظة التحدي.
لن يمر الموقف بهذه السهولة.
والسيناريو يجب أن أكتبه اليوم.
تفاديت الحديث مع الزملاء حتى لا يلحظ أحد غضبي.
بعد المحاضرة ذهبت مسرعاً لتناول بعض الطعام, فعقلي يحتاج للغذاء.
دخلت المكتبة, طلبت نسكافيه, فتحت الحاسوب أبحث عن فكرة جيمينا.
اختفت الفكرة, يجب أن أعمل من الذاكرة, كيف؟ الفتاة كتبت أشياء محددة تريدها في السيناريو, كيف أصل لها؟
أتصل بالفتاة؟ لماذا؟ لتخبرني أنها أنهت السيناريو مع أيثن الملعون؟
كلا, مازالت أمامي خمس ساعات على آخر موعد أعطته لي, يجب أن أكتب السيناريو بأي شكل, بأي موضوع, بأي أفكار.
عقلي مضطرب , لا أفكار..أشعر بالعجز.
أقسمت, لو كان آخر شيء سأفعله في حياتي هو هذا السيناريو فسيكون.
أخذت أكتب من شتات الذاكرة أى شيء.
زهايمر..فقدان ذاكرة تدريجي..عيد ميلاد الجدة..تسقط من المرض..المرض لا يسبب الإغماء..ربما, لست أدري..أحتاج لمعلومات.
كتبت كل فكرة طائشة على الحاسوب, تركت مكاني, وأخذت أبحث عن كتاب عن الزهايمر.. وجدت كتاباً جيداً.
يجب أعود للمنزل الآن, حسناً سأقرأ الكتاب في الطريق للبيت,ثم أرسل السيناريو على الإيميل..اليوم..قبل الثانية عشر مساء, ماذا سيحدث لو دقت الساعة 12 ولم أرسل شيئاً لجيمينا, لا شيء..لن يحدث شيء..وهذه هي الكارثة.
يجب أن يحدث شيء, الورق الذي كان في يد سنتياجو يبدو منه أن السيناريو كان مكتملاً, لماذا أرهق نفسي في مشروع انتهى؟
كلااااا, لم ينتهِ, لو أرسلته قبل الساعة الثانية عشر فلم ينتهِ أي شيء, وكان من الممكن أن أقرأ سيناريو أيثن , لكنني لم أفعل, وهذا جيد, الكرة مازالت في ملعبي, يجب فقط أن أنسى ابتسامة اليهودي اللزجة, لأنني كلنا تذكرتها شٌل تفكيري من الغضب.
أصبح هذا السيناريو قضية أكون أو لا أكون. نكون أو لا نكون. نستحق أو لا نستحق.
نحيا, أو يسحقنا أبناء القردة والخنازير,فتحت الكتاب في القطار, مرت عيني بالصفحات تبحث عن أي شيء يصلح.
مريض الزهايمر يكرر الجملة الواحدة عدة مرات..تصلح فكرة مشهد..هممم.
يواجه الأهل مشكلة التكيف مع المريض..برق فى ذهني مشهد آخر.
حين وصلت العابرة للجزيرة كانت فكرة الفيلم شبه مكتملة.
الساعة تقترب من الثامنة, أمامي ساعة لأصل للمنزل. يجب أن أسرع.
اقتحمت الطريق أحمل شنطتي , أهرول وسط المطر والثلج, عيناي تلمعان بالتحدي, سأرسل السيناريو اليوم مهما كانت العقبات.
الجو شديد البرودة, السيارات تسير مسرعة , كل هذا غير هام.
الطريق خال, أنا فقط السائر في هذا الجو الصعب.
صحت بأعلى صوت خرج من حنجرتي بشعار مركز زدني للتنمية البشرية: نقدر؟؟ نقدر؟؟رد عليّ المطر والثلج والسماء والأرض, طبعاً نقدر.
وصلت للبيت, دخلت الغرفة, أردت أن أستريح قليلاً فانفعالي يجب أن يهدأ حتى تترتب الأفكار.مرت ساعة كاملة وأنا أتقلب على السرير, قمت, فتحت الحاسوب, عجباً, وجدت فكرة جيمينا على الحاسوب,أين كانت منذ ساعتين؟ قرأت الفكرة, كتبت المشاهد التى أريدها منها في ملف وورد.مرت ساعة وأنا أضبط وأرسم المشاهد, هممم الساعة الحادية عشر مساء.وانتهى السيناريو أخيراً.
قرأته مرة أخرى, أعجبني شخصياً, هذا أهم شيء. الآن أرسله للفتاة.
أرسلته برسالة مقتضبة: هذا هو السيناريو الأول, برجاء أن تردي بنقدك البنّاء فى أقرب وقت.لا أعتقد أن السيناريو الذي كتبته سيرى النور, كان تحدياً مع النفس كان يجب أن أمر بهوفي جميع الأحوال, فليذهب أيثن للجحيم ولتسترح جدة جيمينا في تربتها.
الآن شهيتي مفتوحة للعمل والإبداع.
أؤمن أن المسجد الأقصى حتى يتحرر, يجب أن يتحرر في قلوبنا وأرواحنا أولاً.
هدأت أعصابي أخيراً.
سكتت أصوات المدافع.
أغلق الشيخ ياسين عينيه, وهو ينطق بالشهادة, رأيته يطير في سماء الجنة.
سمعت صراخاً , ولكنه من نوع آخر, صراخ بيجين وبن جوريون في أتون الجحيم.
وفي يوم 6 أكتوبر جديد, ستمرق طائراتنا المقاتلة, وتعبر خط بارليف مرة أخرى, ونعلنها معاً..في صوت واحد.
بإرادة واحدة.
بقلب واحد.
والعالم كله سيسمعنا مرغماً.
نقدر...طبعاً نقدر.
مراسلكم من عابرة الجزر, من أمام تمثال الحرية, في الطريق لجزيرة الضجيج, منهاتن.
بقلم د. عمر حمدي