من البيت للروضة



 أتمتع بإقامة سعودية أنعم على زوجي بها وأنا معه بالطبع رجل فاضل سعودي .... فجزاه الله عنا كل خير.

وبالتالي نحتاج للسفر كل فترة لتجديد الإقامة .. ...

هذه المرة أضفنا إلى تجديد الإقامة زيارة ولدي الثاني الذي سافر في مهمة لمدة ثلاثة أشهر في المنطقة الشرقية، عمره أربعة وعشرون عاماً .. هو مهندس مدني حديث التخرج .. ولأول مرة يسافر وحده بعيداً .. هو حتى لم يدخل الجيش حصل عكس أخيه على التأجيل أو الإعفاء المقنع  الذي تعرفونه.

لي حفيدتان من ابنتي المتزوجة .. وأراها دائمة القلق والخوف عليهن ..أول مرة تتحرك .. أول مرة تحاول أن تأكل وحدها .. أول مرة تطعيم ... ولها حق فالكبرى في الثانية من عمرها .. ولكنى خفت وقلقت على ابن الأربعة وعشرين .. هي نفس المشاعر .. إنها أول مرة .. وهو لم يختبر في موقف مشابه .. ولكن ولفرق العمر والوضع والفكرة لم أعبر عن قلقي لأحد .... بل تعاملت مع الموقف بصلابة وقوة ... حتى أنني لم أرافقه للمطار واكتفيت بأخيه الأكبر .. وودعته لأنني كنت مرتبطة بمشوار .. ثم وفي السيارة وحدي انهمرت دموعى ثخينة.

لا يكبر الأبناء أبداً في قلوب الأمهات .... ظلت أفكار كثيرة تلح عليّ ، سيصل ليلاً إلى مكان لا نعرف فيه أحداً ليساعده ..... مطار الدمام .. لو كانت جدة ؟؟؟ سهلة المعارف والأقارب فيها كثر ولكن الدمام؟؟ و في العاشرة مساء ؟؟؟ هل سيجد أحداً من الشركة في انتظاره ؟؟ كيف سيكون هذا الاستديو الذي سيقيم فيه ؟؟ هل سيضطر يا حبة عيني إلى أن يشمر ويقوم بعملية تنظيف ليستطيع أن ينام فيه ؟؟؟ ليس مرفهاً ولا مدللاً .. بل كثيراً ما يساعدني وأعتمد عليه .. ولكن ما الذي ينتظره ؟؟

يا حبيبي يا بني !!!

المهم انتظرنا ثلاثة أسابيع حتى تستقر أحواله ويعتمد على نفسه لفترة قبل أن نسافر إليه

واتفقنا أن نقابله في جدة لنبدأ بعمرة سوياً ... فرصة قد لا يحصل عليها بعد ذلك

الطريق من جدة لمكة قريب ... ويبدأ قلبي يرجف حين أقرأ هذه العبارة على اليافطة الكبيرة : بداية حد الحرم

أنا الآن في حرم الله تعالى ... تضايقني ألوان المطاعم وأنوارها الصاخبة على جانبي الطريق ..كأنها تخرج بالمكان من وقاره وهيبته ... بالتأكيد الناس تحتاج لأن تأكل ولكن ألا يمكن أن يكون هناك قانون يحدد شكل وألوان المحلات بعد حد الحرم ؟؟؟؟ صعب جداً أن تحتفظ بخشوع التلبية وعلى يمينك ويسارك الأزرق والأحمر والأصفر يتبادلون الإضاءة في حركة راقصة.

أغمضت عيني حتى أحتفظ بتركيزي في التلبية .. وحاولت أن أستشعرها أكثر وأكثر وكأنها أول عمرة ... أردتها مختلفة  هذه المرة،ربما لكثرة ذنوبي ... ربما لكل المكدرات التي تحيط بنا ... الله أعلم

لست بكاءة ... ودمعي عزيز كما نقول .. ولكن أمام الكعبة الوضع يختلف، أنسل يدي من قبضة يد زوجي الكبيرة لأقف وحدي أمامها .. أحبها وأشعر أنها صديقتي .. أشتاق إليها ... أغمض عيني لأحتضنها وأشعر بنفسي في أحضانها .... آآآآه يا بيت الله الحرام.

تركني ابني أيضاً ولم أتمسك به فأنا من أصحاب مبدأ أن الإنسان يحتاج أحياناً وفي بعض المواقف أن يتعبد وحده .... أن يقف مع ربه وحده .. يناجيه ويبكي بين يديه يستغفره ويتوب إليه ... حول الكعبة عدد قليل ... فكان الطواف جميلاً هادئاً .... ثم صليت في حجر إسماعيل ما شاء رب العباد لي أن أصلي ... فلا أحد يدعوك لتخرج وتترك مكانك لغيرك ... فليس هناك غيرك .. الكل يجد مكاناً.

تزاحم بعض الرجال عند الملتزم والحجر الأسعد... فبقيت في حجر إسماعيل ...أدعو عند أستار الكعبة... الحجر من داخل الكعبة .. ولذلك نطوف من خارجه .. وبالتالي الصلاة والدعاء فيه كأنها بداخل الكعبة . .. كم تمنيت أن أدخل الكعبة ولا زلت ... ربما يسمح لي ربي ولو لمرة واحدة .. وهو وحده القادر على دعوة من يشاء حيث يشاء.

أحد إخوتي دخلها بصحبة رئيس الجمهورية وزوجته ... حين كان يعمل في أمانة الرئاسة ...لم يتصور أن السيدة الأولى ستدعوه ولكنها فعلت .. ودخل وصلى في كل الأركان، هل أغبطه أم أشفق عليه ؟؟؟ أغبطه على ما حصل عليه وأشفق عليه لأن شيئاً فيه لم يتغير وهو يحتاج لتغيير الكثير.

أعود لوقفتي عند أستار الكعبة في حجر إسماعيل .. وأحد رجال الأمن بكل أدب يقول لي : - الدعاء أفضل عند الملتزم يا حاجة، فقلت بعد أن ألح : سيدي لقد احتله الرجال ولن أزاحمهم .. ودعائي مقبول في أي مكان إن شاء الله، ففوجئت به يبتسم وينصرف وهو يقول : معك حق

تجربتي معهم لم تكن لطيفة سابقاً وإن كانت دائماً محترمة .. فهل عدم الزحام هو السبب ؟؟

تباً للزحام وأخلاقه ... يجعل الإنسان أقرب لحيوان ضار يقتنص فرائسه قبل أن يقتنصها غيره ... بلا رحمة ولا هوادة ولا تفاهم، جلست على سلم باب العمرة المؤدي إلى صحن الكعبة بعد الصلاة  .... وأسندت ظهري لأحد الأعمدة وجلست أتأمل الكعبة، لا تضحكوا مني ... أحياناً أشعر أن بيننا حواراً .. لا أسمعه ولكنني أفهمه ويريحني ...

وظللت أردد : ربى إني ظلمت نفسي فاغفر لي .. حتى شعرت أن جسدي كله تخدر .. وارتخت كل عضلاتي ... ونمت، أو قولوا غفوت .... ثوانٍ أو لحظات أتصور أنني لم أحظَ بمثلها طول حياتي وكأنها دهر من الراحة والاستمتاع ..

الطريق إلى المدينة المنورة مختلف ... وقباب الحرم المدني مضيئة بضوء جميل لا أعرف هل هو مقصود هندسياً أم أنها نورانية ربانية تشع على المكان ؟؟

في مسجد نبينا لا نبحث عن الصفوف الأولى .. بل نقف حيث يستقر بنا المقام نصلي ... وكل ركن في المسجد يعطيك هدوءاً وراحة .. وإحساساً بالسعادة..إحساس لذيذ كالذي يشعر به

 الطفل الذي مني بقطع كثيرة من الحلوى التي يحبها إذا التزم الأدب .. وهو يرى علب الحلوى أمامه ومتأكد من حصوله على نصيبه فيها.

 

دخلت للزيارة لأول مرة في الساعة العاشرة ليلاً يوم وصلنا .... بعض المصليات في المكان .. وهناك متسع لتقف وتصلي على راحتك على السجادة الخضراء ... على أرض الجنة بين القبر

والمنبر، وخرجت بعد ربع ساعة فقط بسرعة لألحق بزوجي الذي ضرب لي موعدا عند نقطة في الساحة الساعة العاشرة والنصف..كان يريد أن ننام مبكرين لنستطيع القيام قبل الفجر بقليل.

 

الزيارة الثانية كانت بعد الفجر .. أكثر ازدحاماً .... ولكن أيضاً تستطيع أن تجد موضعاً لقدمك ولسجودك ..... ولكن كان التعب قد أخذ مني ما أخذ وخرجت أيضاً بعد قليل لأحصل على قسط من

الراحة، لم يعجبني هذا الحال .. أنا في زيارة لنبينا .. المصطفى عليه الصلاة والسلام .. وهو حي في قبره يرد السلام على من يسلم عليه فكيف تسير الأمور معي بهذه الروتينية ؟؟؟

 

الزيارة الثالثة قمت بها بعد صلاة الظهر .. من الواحدة إلى الثانية والنصف ... قلت في نفسي من يزور شخصاً يدخل عليه بعد أن يستعد للزيارة بالملبس والهدية..حتى يحصل على ضيافته ورضا المضيف .... فاغتسلت..وحملت هدية من صلوات على رسول الله لا أذكر عددهم ... ثم قمت أسير إلى الروضة وفي رأسي كلمات أغنية من إحدى الليالي المحمدية :

على قدمي أجيلك يا نبي

وأتملى بنورك يا نبي

يا بخت اللي يزورك يا نبي .... يا نبي

ودعواتي في صلواتي وترتيلي

بقلبي أو بهمساتي

بحبك يا رسول الله

حبيبي يا رسول الله

 

النغمات هندية من وضع عمار الشريعي ولكنها أسالت دمعي، ووجدتني أقف في الروضة أصلي .. ثم أجلس أقرأ القرآن حتى قارب وقت الزيارة على الانتهاء .. فأردت أن أنصرف قبل استعمالهم

للنداء الذي يخرجك عادة من هدوئك النفسي وربما يضيع أثر هذه الجلسة الرقيقة مع تزاحم الخارجات.

 

وقفت .. والتفت ناحية القبر وسلمت عليه – عليه الصلاة والسلام – ودعوت الله أن يقبل مني ولا يحرمني... شيء غريب جداً يحدث لي في الحرمين..لا أنفك أرى ناساً

أعرفها أو لا أعرفها .. ألمح وجهاً يسير فيقفز إلى رأسي وجه آخر لشخص آخر.. أشعر فوراً أن له حقاً خاصاً في دعاء شخصي

الوجوه التي تقفز أمامي ليست كلها لمعارف أو أقارب .. أحياناً أرى أناساً قابلتهم مرة وأتعجب أنني أتذكر المرة والشخص بكل هذا الوضوح..في النهاية الدعاء من حقه فاللهم استجب وتقبل.

 

بقلم د/ نعمت عوض الله