يوميات باحث عن النجوم(4)



 ما أجمل النوم اللذيذ!
ما أروعه, وأمتعه, وأضيعه!

عندي محاضرة في الحادية عشرة, ويجب أن أتحرك قبل ساعتين؛ لأن الرحلة من الجزيرة حتى منهاتن يجب أن تبدأ مبكرًا, ولكن كيف أستعجل الحلم اللذيذ؟ أصبحت الأحلام اللذيذة جوهرة وسط تلال الكوابيس المريعة.

وكان حلم اليوم سلسلة من الأحلام القصيرة الجميلة المتتابعة, استيقظت في مزاج الديناصور أيام مجد الطبيعة العامرة بالخيرات, قبل كارثة العصر الجليدي بفترة معتبرة.

نظرت في الساعة فوجدتها تنذر بالوعيد.

ستضيع المحاضرة لو اتخذت الطريق المعهود. كان يجب أن أضحي بخمسة دولارات كاملين لأركب أتوبيس الأكسبريس.

على كل حال, لا صوت يعلو على العلم.

إلا أن نزيف الدولارات يذكرني بيوم ملبد بالغيوم , منذ حوالي أربعة أسابيع, حين كنت أتفقد معالم البلد, وفي جيبي كارت مواصلات يفوق ثمنه السبعبن دولاراً, كنت أريد زيارة أحد المكتبات, وبثقة وأنا أمر من بوابة مترو الأنفاق, أخرجت المحفظة وحاولت إخراج الكارت بغير جدوى.

بحثت وبحثت وبحثت.

ثم خرجت في الشارع أبحث في المناطق التي مررت بها.

كنت أتحرك في الشوارع أبحث عن المجهول..هذه نيويورك يا صيدقي, المفقود مسلوب, منهوب, صاحبه على أمره مغلوب.

استعوضت ربي خيرا, واستدرت عائداً للأكاديمية, فقد ضاع وقت المكتبة, كنت على وشك الرحيل حين رأيته.

قابعاً في التراب, شبح من الماضي, يسخر بلعنة الدوام.

منذ أن هبطت منهاتن لأول مرة وأنا أتفاداه, وأركب الأنفاق بعيداً عن محيطه.

لكن مهما طال الفراق لا بد من لقاء.

ويا لها من مناسبة.

مكانه القديم مليء بالبلدوزرات الضخمة تبني مكانه شيئًا جديدًا.

الرهبة كما هي لم تزل, ورغم مساواته بالأرض إلا أن مكانه فسيح عريض.

ما أشبهه عندي باللورد فولدمورت شيطان الشر في قصص هاري بوتر, الذي وزّع روحه على سبع لعنات مختلفة, كل واحدة في مكان بعيد.

كم مكان توزّعت عليه لعناتك أيها المبنى المشئوم؟

أعتقد أنكم أدركتم الآن ما أتحدث عنه..مبنى التجارة العالمي..التوأمين..WTC
أكثر من ست سنوات على رحيلك, وروحك تنشر الدمار في كل مكان.

العراق.
أفغانستان.
باكتستان.
وحتى فلسطين لم تسلم من شرورك.
....

وأنا أكتب كلمة شرورك, جلست بجانبي سيدة أمريكية, وأخذت تحدق في شاشة اللابتوب, ثم سألتني عن اللغة التي أكتب بها؟.

ثم سألتني عمّا أفعل في أمريكا, وحين عرفت أني أدرس كتابة هنا, بدأت الحديث الذي لم ينته.
وأول ما قالته, وسيحاسبني الله لو كنت كاذبًا.

ربما تكتب قصة حياتي, فقد تمّ طردي من العمل في برج التجارة العالمي, وكنت في حالة غيظ شديد, وسافرت لأوروبا, ظللت هناك خمس سنوات بين أسبانيا, وفرنسا, والنرويج, وانجلترا, ثم عدت لأمريكا.

ثم شرّق بها الحديث وغرّب, وأخبرتني عن الكفن الفرعوني الذي حاولت صديقتها أن تبيعه لها..كانت مشتتة الذهن تلتقط طرفًا من كل موضوع , وحيدة في عالم غربي موحش.

قالت إنها في فرنسا كانت كل ليلة تظل في الديسكو من العاشرة مساءً للسابعة صباحاً فقط ترقص وتبحث عن مغفل يدفع نفقات الشراب.

ولتكتمل قصة اليوم الغريبة, توقف الأتوبيس الأكسبريس في محيط مبنى التجارة العالمي, لكني لم أسمح له بالوجود في حياتي أكثر من ذلك, هبطت تحت الأرض, وودّعت كل ذلك وأنا أمر بالبوّابة السحرية والآن أكتب هذه الكلمات قبل الوصول لمحطة أكاديميتي اليونيون سكوير.

يجب أن أذهب الآن.

كتبت نهاية هذه الخاطرة من تحت الأرض.

بقلم عمر حمدي