إيماناً منها بأحقية كليهما, القارئ والشاعر, في أن يلتقيا ويتعانقا,ليتطارحا غرامهما المشبوب, منذ الأزل بعشق الجميلة المحبوبة, الشمعة المضيئة المستقرة في قاع النيل, التي لا تطفو إلا عندما يظلم العالم..مصر أم الدنيا.
أعجبتني هذه الكلمات على غلاف الأعمال الشعرية الكاملة للفاجومي الكبير, أحمد فؤاد نجم.
نعم الشمعة مستقرة في قاع النيل, تنتظر اللحظة التي تطفو فيها على سطح العالم.
يوم جديد, على العمل شهيد, والساعة السابعة والنصف صباحاً, أركب القطار متجهًا للسفينة, ومن السفينة إلى قلب الضجيج في العالم الجديد, منهاتن.
اليوم عندي محاضرة في الواحدة ظهراً, تبّاً لأيثن هيمومفيتش , زميلي الذي طلب أن أحضر مبكراً, لنتدرب معاً على واجب الأسبوع الفائت.
أيثن شخص يجب أن تتوقف عنده.
في أول يوم في الأكاديمية أثناء التعارف, وهو يقول اسمه, وجدته يقول الهيموفيس, وهو يضيق حدقتيه يذكرك بالخواجة نونو, أبو كرش, صاحب محل الساعات في مسلسل رأفت الهجّان.
أعجبني مشاركته في الحوارات أثناء المحاضرات, ووجدته رجلا ذا حيثية علمية, لكن شيئًا ما في حركاته وضحكاته لم أسترح له, واتضح الأمر حين طرح فكرته الأولى لمشروع فيلم قصير ينافش فيه أيدولوجية شخص معجب بنفسه أمام المرآة. والمصيبة أنه تم اختياري لأشاركه هذه الفكرة المريبة.
بعد أيام اتضح كل شئ, وأيثن يحضر الأكاديمية بقميص عليه زهرات حمراء فاقعة اللون, وأعلن للجميع أنه رجل مخنث فخور بالفجور ويتمنى نشر رسالة الشذوذ في العالم.
وبعدها مباشرة عرفت أنه يهودي, وفي إحدى المرات أخبرني أن أخاه يتحدث العربية بطلاقة, وبالتالي أخبرني أن أهله في إسرائيل.
وكانت غزة تتعرض لضرب شديد وكنّا نعبر الشارع وقتها, وفكرت أن أُلقي به تحت عجلات سيارة مازدا حديثة. لكني تراجعت في اللحظة الأخيرة.
أحاول ألا أفتح مواضيع سياسية مع أيثن, وعلى كل حال طبيعته الأنثوية تجعله سهل الانقياد لو عاملته بقسوة.
وهذا ما فعلته في مشروع فيلمه الملعون..تغير الحمد لله وخرجت من المشاركة معه بفضل الدعاء.
....
أمس كتبت السطور الفائتة.
الآن الساعة تقترب من الثامنة مساءً, ومازلت في الأكاديمية, فسـأحضر مسرحية كوميدية هنا.
منذ ساعتين, كان شعري قد وصل طوله للخط الأحمر, ومن دون كل الخطوط, لا أحب اللون الأحمر, فهو يذكرني بالدم..دمي الذي ينزف من الجروح.
هناك جروح البدن,كما هناك جروح الروح.
جروح الروح, تركيب الكلمتين معاً له وقع غريب على الأذن.
أثناء محاضرة اليوم اتخذت قراراً جريئاً, أني لن أعود حاملاً كل هذا الشعر على رأسي.شهر ونصف بدون زيارة عاطف صديقي في صالون الحلاقة..مدة طويلة بعض الشئ
ولكن أين أنت يا عاطف الآن؟
كنت أرفض فكرة الذهاب لصالون حلاقة هنا, لأن غالبا ما تعمل فيه فتيات وسيدات, ولا أعتقد أنه سيأتي يوم وتلعب فيه امرأة غريبة في شعري!
ولهذا اشتريت مكنة حلاقة شعر, وقررت أني أستطيع تعلم أي شئ, ثم استخدمتها وأول ما وضعتها على رأسي شعرت بكتئاب, وأدركت أني ما أنا بعاطف.
أعدت مكنة الحلاقة لكيسها, سأحاول أن أعيدها غداً أو بعد غد.
نعود لليوم, تركت الأكاديمية, وهبطت تحت الأرض , وبشبكة المواصلات العنكبوتية تحت الأرض, توجهت للشارع 42, وهذا الميدان له عندي ذكريات خاصة.
أخذت أبحث عن صاحب صالون مغربي, قصصت شعري عنده منذ 6 سنوات, أتذكر أنه كان يحكي لي عن أمله أن يصبح ابنه صلاح الدين الجديد, وكان يتحدث بأمل حقيقي وقتها.
بعد بحث طويل, أدركت أني أبحث عن الهُلام, فالشوارع واسعة والمحلات كثيرة, والتائه ليس له مجال هنا.
توسّمت في رجل باكستاني الخير فسألته وأرشدني لصالون وجدت كل العاملين فيه رجالا, واتكلت على الله, وأسلمت رأسي للرجل الذي أتى على شعري بغير رحمة, وحتى الشعرات القليلة التي كنت أفخر بها, وجدتها قد ذهبت بغير عودة.
سأذهب الآن لتناول بعض الطعام قبل أن تبدأ المسرحية الشيّقة
بقلم عمر حمدي