( الحلقة الثامنة )
المخدرات 1
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حلقة اليوم حلقة خطيرة، حلقة تهدد كل أسرة، شبح رهيب يأخذ من أولادنا ويأخذ من أسرنا ويقطع من رقابنا ويحول أسرنا من حضن ودفء وجنة إلى منتهى التعاسة والكآبة، دموع مستمرة، بكاء وحزن. حلقة اليوم تتحدث عن عشرة مليون شاب عربي في العالم العربي، عشرة مليون مدمن، بالتأكيد هناك خلل فيجب أن يكون للشباب هدف في الحياة ويشعر أنه منتج ويجب أيضا أن نستعيد الإيمان حتى لا يضيع الشباب فعشرة مليون هو جزء يتقطع من جسمنا ومن جسم بلادنا. ولكننا في حلقة اليوم لن نعالج هذا الخلل بل سنتحدث في هذه الحلقة عن باقي الشباب حتى لا يتجهون إلى هذا الطريق، نتحدث لملايين الشباب والبنات الذي لم يتجهوا بعد إلى هذا الطريق وملايين الآباء والأمهات والأسر والأهالي ونتحدث إلى حوالي عشرين مليون أب وأم حياتهم أصبحت كئيبة بسبب إدمان أولادهم. فهذه الحلقة خطيرة نتحدث فيها إلى الشباب وإلى الآباء والأمهات ولكنها لا تخاطب المدمن لأن الحديث لا ينفع إلا للأصحاء ولكن المدمن يعيش في الأوهام ويعيش في عالم آخر فالمدمن وضع حواجز دفاعية لا شعورية يبرر فيها ما يفعله إما أنه سينتحر.
ربنا سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان خلقه حكيم عليم {...وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ }الرعد8 فخلقه معتدل المزاج، فالمزاج هو الذي يعطي السعادة والحزن فربنا خلقه في منطقة وسط معتدل المزاج يفرح ولكن بحدود فهناك خلايا في المخ تسمى خلايا المتعة فأقصى متعة تصل به إلى 60% فلا تصل 100% لأنها لو وصلت إلى 100% سوف تدمنها فسبحانه وتعالى خلق الإنسان بطريقة وسط معتدل المزاج، احيانا يفرح الإنسان زيادة عن الطبيعي وأحيانا يكتئب ويتألم عندما يحدث وفاة أو إصابة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم (عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) ويعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نتذكر دائما الموت وأن نكثرمن ذكر الموت فإنك إن كنت في سعة من أمرك يجب أن تذكر الموت لأن الدنيا لا تبقى على ذلك وإن أصابك شر وكنت في ضيق من أمرك فتذكرت الموت وسعه عليك، فربنا خلقنا هكذا ولكن الشيطان لا يريد هذا فهو يريد ان يثبت أن الإنسان ليس كائن يليق أن يستخلف في الأرض وأن يعمر الأرض وأنه خيرا منه {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً } الإسراء62 وقال أيضا{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ،ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ }الأعراف 16،17 فدور الشيطان في قضية المخدرات أن يغوي الإنسان حتى يصلون إلى الإنتحار أو يكونوا مرضى نفسيين وعندهم إعاقة عقلية.
المرحلة الأولى من الإدمان هي التعرف على المخدر:فالمخدرات طريقة لتغيير المزاج بشكل غير طبيعي وغير حقيقي تظن به أنك تنتشي فينتهي بك إلى التألم. فمثال لذلك شاب أول مرة تعرف فيها على المخدرات كان في حفلة مع صديقه فبداية الخطأ هو أصدقاء السوء وغياب الأهل فلم يوجد الأب الصديق والأب المتفقد ولم توجد لغة العاطفة والحب، فلأول مرة في حياته يأخذ أول جرعة من المخدرات فهذه هي المرحلة الأولى التعرف على المخدرات وكانت الجرعة صغيرة ولكنه اكتشف أنه يستطيع أن يغير مزاجه بسرعة فورية وبدون أن يحدث شئ طبيعي من قدر الله وبدون مجهود فعندما أخذ الحقنة وجد أنه سعيد، وفي اليوم التالي وجد نفسه طبيعي وقرر أنه لن يعيد ذلك مرة أخرى ولكن هذا هو بداية الخطأ وسوف يعود للمخدرات مرة أخرى. فقد أجروا إحصائية لأربعين شخص أعطوا لهم مخدر فخمسة من الأربعين أدمنوا ففعلوا هذه التجربة مرة أخرى بنوع مخدر آخر فأربعين غيرهم أدمنوا وهكذا فهذا يدل أن الإدمان يختلف حسب نوع المخدر. فنقول للشباب أن لا يجرب فالخطورة في المرحلة الأولى أنه يكتشف أنه يستطيع أن يغير مزاجه.
المرحلة الثانية من الإدمان هي ضبط كمية الجرعة لتغيير المزاج:أما في المرحلة الثانية يبدأ أن يزيد من جرعة المخدرات لكي يفرح أكثر وبالفعل يفرح اكثر وهكذا يزيد من الجرعة ويكتشف أنه يستطيع أن يغير مزاجه بكميات تصل به إلى مزاج معين حسب حجم الجرعة فيضبط الكميات حسب السعادة الذي يريدها فيبدأ يزيد من الجرعة فكانت النتيجة أنه في نهاية المرحلة الثانية الذي عرف فيها الكميات بدأ يصل إلى الإنتشاء {...وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }البقرة168 وفي نهاية المرحلة الثانية يبدأ يشعر بالألم والصداع.
المرحلة الثالثة هي بداية الإدمان:فالمرحلة الثالثة هي بداية الإدمان فيبدأ في التبرير أن شعوره بالصداع والألم بسبب أنه مرهق أو أنه أخذ جرعة زيادة أو أن عنده مشاكل فيأخذ جرعات زيادة لكنه لا يستطيع أن يصل إلى الوضع الطبيعي ولكن يأخذ جرعات زيادة لكي ينتشي ويقول بعض الألم ولكنها تساوي اللذة والنشوى الذي يشعر بها. ففي المرحلة الثالثة يبدأ الإدمان الحقيقي ويأخذ جرعات زيادة فيتألم بشدة وقواه تبدأ في الإنهيار ففي المرحلة الثالثة لا يأخذ المخدرات لكي يشعر بلذة ولكن يأخذها لكي يرجع إلى أن يكون إنسان طبيعي لأن الألم والصداع يؤلمه بشدة ولكنه لا يستطيع أن يرجع كما خلقه الله فقد أفسد المقادير الذي خلقها الله في المخ ولذلك يفرح الشيطان وكذلك الخمور مثل المخدرات {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ }المائدة، 91،90 ففي المرحلة الثالثة يأخذ المخدرات لكي يتخلص من الألم فيصير معاق ذهنيا ومعاق العقل ويصبح مريض مرض مزمن فهنا نرى ضحك إبيلس{وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً }النساء119 فقد استطاع أن يغير عشرة مليون في البلاد التي هي أرض الديانات الإسلامية والمسيحية.
المرحلة الرابعة من الإدمان هي أخذ الجرعة للتخلص من المشاكل النفسية: يبدأ أهل المدمن في اكتشاف ادمان ابنهم فيلجأ في التبرير وأهله يقولون له أنه كذاب ولكنه يعيش في الأوهام والنتيجة في الآخر تكون أنه يأخذ المخدرات حتى يتخلص من المشاكل النفسية ففي النهايا إما أن يكتئب أو ينتحر.
قصة شاب مع المخدرات:فنرى الآن قصة شاب يتسم بالجمال والرجولة والحيوية تعرض لمشكلة المخدرات ومر بمآسي وأشياء قاسية يحكي يقول أنه عندما وصل إلى المرحلة الثالثة والرابعة كان يأخذ المخدرات لكي يتخلص من الألم ليس لكي يتلذذ فكان يعرف مكان تجار المخدرات الذين يبيعون في الصحراء فذهب لهم وطلب من التاجر بعض المخدرات ولكنه لم يكن معه نقود تكفي لأنه أخذ نقود كثيرة قبل ذلك من أهله فلم يوافق التاجر أن يعطيه فبدأ النزاع معه فشعر التاجر بذلك فشاور لأحد الأشخاص فضربه ووقع على الأرض ولكنه رجع إلى التاجر مرة أخرى يريد أن يقبل حذائه لكي يعطيه مخدر فكان هناك ثلاث بنات يشترون أيضا مخدرات فأعطوه نقود واشترى من التاجر ورجع ولكنه شعر بالإهانة وركب تاكسي وكان السائق أيضا يأخذ مخدرات فكان هناك كمين فأمسكوا بهم فطلب الشاب من الضابط أن يأخذه إلى السجن فقال له الضابط أنه سيتركه ولكن يتعالج ولا يعود مرة أخرى للإدمان.
تجربة الإدمان المريرة كما يقصها أحد الشباب:اختارني الله تبارك وتعالى لكي أوصل رسالة إلى المدمنين، وقبل المدمنين أوصل رسالتي إلى ذويهم، المدمن ليس بحاجة إلى عقاب ولكن بحاجة إلى يد المساعدة، فيجب علينا ألا نزيد من آلامهم ومعاناتهم، قال تعالى: "أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا..." (الأنعام من آية ۱۲۲)، وهذه الآية تعتبر وصف دقيقا جدًّا لحالتي، وحالتي وقت طعاتيَّ الإدمان، بالفعل كنت أشعر أنني ميت عندما كنت أعاني من المشكلة، وعندما يكون الإنسان أكبر قيمة في حياته هي الجرعة القادمة، ويكون بلا أحلام ولا أهداف، ويكون مستوى مهاراته في الحياة كالمستوى الحيواني، ولا يكون لديه أي انتماء للأسرة، ولا لأي قيمه جميلة في الحياة ولا لأي مبدأ، يكون بالفعل في حكم الميت.
أنا المسؤول عن إدماني هذا، وأنا المسؤول عن مُعافاتي، وأريد أن أقول إن أسرتي كان لها دور رئيسي في إدماني، ودور أهم في علاجي منه؛ فأبي قد توفى وأنا في سن صغير، وكنت بحاجة إلى مساندة واعية، وإلى رقابة، وإلى قلب واعٍ، يعلم متى يشد علىَّ ويوجهني، ومتى يربت علىَّ، وهذه كانت مشكلتي مع الإدمان في سنٍّ صغير، وقد كانت تجربة الإدمان التي مررتُ بها قاسية جدًّا بالفعل، وطوال الوقت كنت أقول إنني لن أصل إلى هذه المرحلة؛ لأني مسيطر، ولدي أخلاق، ولي هدف ولابد أن أحققه، وطوال الوقت وأنا أقول لنفسي هكذا، إلا أنني أصبحت أتنازل عن أشياء أساسية، وبمعرفة أسرتي بهذا الأمر - ورد فعلهم السلبي- جعلني أتمادى في المشكلة، فكانوا يعاملونني كنموذج للفشل يعيش بينهم، وكأنه أمر مُسلّم به، وأن هذه هي حياتي وسأظل هكذا، ولابد أن نتقبل الوضع كما هو ونحاول أن نبعده عن باقي أفراد الأسرة حفاظًا على إخوتي.
نحو النجـــاة:أود أن أقول لكم إنني في تجربة الإدمان التي ممرتُ بها شعرت وكأني في بئر عميق، والناس يمرون من فوقي ومن حولي يقولون لي اصعد من أجل مستقبلك، من أجل صحتك، من أجل أمك، من أجل وضعك الاجتماعي، ولكني كنت أنظر لهؤلاء الناس وأقول لهم اصمتوا، مَن يستطيع النزول كي يخرجني فليفعل هذا. وكل يوم، كنت أريد أن أخرج، ولكن لم يمد أحد يده لي كي يخرجني، وكنت أنا لا أستطيع، كل يوم أحاول أن أخرج، كل يوم أقول هذه آخر مرة سأتعاطى فيها، وكنت منبوذًا من أسرتي بعدما خسرتهم كلهم، إخوتي وأمي، وبالطبع منبوذ من كل أصحابي، وكل المجتمع بصورة عامة.
ذهبت وطلبت المساعدة من أمي، ولم تتردد ثانية واحدة ووجدتها تقول لي "هيا يا بني توكل على الله، ونبدأ صفحة جديدة من حياتنا إن شاء الله، فسيكرمك الله ويقف بجانبك"، وقد بدأ البرنامج العلاجي وبدأت معه تحفظاتي، وبدأت معه المعركة وصراعي مع مرضي، ومع أول كلمة قالتها لي الطبيبة المعالجة وأنا أريد أن أمشي، ولكن في الوقت نفسه كنت أقول لها إنني لا أريد أن أمشي بل أريد أن أستكمل علاجي، قالت لي كلمة لن أنساها أبدًا، قالت لي "ياسر، إنني أحترم كفاحك، وأحترم مجهودك، وأحترم صدقك"، وكانت لهذه الكلمات مفعول السحر؛ لأنني لم أسمعها منذ سنين، إلا من أمي التي كانت تشجعني طوال الوقت، وكان لديها صبر وأمل كبير، وكانت تقول لي "يا ياسر، لديك شيء غريب لم يوجد في كل إخوتك، وهذه المشكلة ستنتهي عما قريب". وقتها لم أكن أصدقها، والآن، أنا بين الشباب الذين يعانون من المشكلة التي كنت أعاني منها في يوم من الأيام، وأرى كل واحد فيهم تجربتي، وأكون شاعر بشدة؛ لأني قد خضت التجربة التي مر بها، ولأني قد التحقت بمدرسة للتعامل مع السلوكيات الإدمانية، لكي لا تقف مساعدتي للمدمنين فقط عند حد التجربة، ولكن تكون عن وعي وإدراك، أي مهنية.

Amrkhaled.net© جميع حقوق النشر محفوظة
يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كانت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخري فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية مسبقة من إدارة الموقع