يوميات باحث عن النجوم(1)



كنت أحاول أن أفتح عيني بصعوبة والطائرة تغادر مطار القاهرة..كنت في حالة من الإرهاق الشديد..رحلة الخروج من مصر كانت شاقة, مليئة بالمحطات التي لا حل لها سوى معجزة, وكل مرة كانت تحدث المعجزة.

خرجت أخيرا..أكثر من ست سنوات وأنا أنتظر اللحظة التي تفارق فيها عجلات الطائرة أرض المطار.وفي اللحظة بعينها كنت أغرق في النوم..أنتشل نفسي منه بصعوبة لأشاهد مصر للمرة الأخيرة..أعني هذه الأيام على الأقل.

كانت الساعة الثالثة صباحاً..الجو كئيب منذر بالخطر..تعودت مواجهة هذه الأحاسيس بصلابة الأمل..فالاستجابة لكآبة الظروف تزيد الوضع سوءاً.

أفقت بعد ساعة والمضيفة تضع أمامي وجبة الإفطار..أكلتها بين النوم واليقظة, وعدت لعالم الموت المؤقت الهادئ.

استيقظت والطائرة تحط الرحال في اليونان, بلد زوربا والخواجة ينّى. قريبة وجوه اليونانيين من المصريين. البحر المتوسط ترك بصمة خاصة على كل دول حوض البحر المتوسط.

في اليونان حاولت أن أشتري قهوة لأفيق قليلاً, ولكن لم يكن معي فكة, وفشلت في الحصول على عملات يونانية, فأرحت الجمجمة, ووضعتها على شنطتي الكبيرة, وذهبت في سبات عميق, استيقظت بعد ساعات لألحق الطائرة الجامبو الذاهبة للعالم الجديد.

وكما قال الذي رفض العيش في جلباب أبيه: جامبو على جمبه..ههههه..كمْ أنا مرح!

وقفت في الصف المنتظر ركوب الطائرة, حين شاهدت أروع منظر لجبال اليونان, والشمس تشرق على قممها العالية..وفي أذني كانت أم كلثوم تتغنى بمصر وهي تتحدث عن نفسها.

شعرت أنها نهاية فيلم طويل من السعي وراء الشمس, وها هي تشرق أخيراً.

ولكن ليست الشمس وحدها ما أبحث عنه.

تنبهت وأنا أتطلع للجبال الشاهقة, والشمس ترسم أروع صورة لبدء يوم جديد..تنبهت إلى أن عدالة السماء تمنحني الفرصة التي حلمت بها طويلاً.

ركبت الطائرة وكُلي عزم وتصميم ..على ماذا ؟ لست أدري بالتحديد.يكفيني أن الأمل أقوى من الخوف..

Hope Not Fear

شعار أوباما في الانتخابات الأمريكية أمام هيلاري كلينتون.

فات أكثر من شهر على وصولي .

الآن أنا في السفينة أتجه لجزيرة الضجيج والزحام, وقلب رأس المال العالمي..منهاتن, حيث توجد الأكاديمية التي أتعلم فيها.

- تعرف يا مصطفى..أنا باحلم أسافر أمريكا أتعلم هناك.
- إزاى يعني؟
- يعني أمريكا فيها حاجتين, التعليم والصحة..والحمد لله الواحد صحته بمب!
- طيب يا سيدي, ربنا ينولهالك.المهم, أنا جعان..هناكل فين ؟
- إيه رأيك, عم حسني؟
- ماشي يا باشا.

أفتقدك يا مصطفى, وأفتقد خروجاتنا الليلية الكثيرة.

الضباب يغلف نيويورك بجو حالم يبعث في نفسي سعادة من نوع خاص..كم أعشق تقلبات الجو وثورات الطبيعة التي يعجز أمامها الإنسان ولا يملك إلا أن يقول سبحان الله.

أمس في رحلة العودة للمنزل, كانت الثلوج تهطل بغزارة, وشعرت أني أتحرك في فريزر شديد الضخامة, ملئ بالثلج الناصع البياض.

كان راكبي السيارات ينظرون بدهشة مَنْ هذا المجنون الذي يلعب بالثلج في هذا الجو؟!!, ولكن لا أدري لماذا يقترن عندي دائما تقلبات الجو بالشعور بالأمان؟!!.

قد أكون مريضاً..ربما.

الآن أمر بجوار تمثال المرأة المغرورة التي تحمل شعلة الحرية.

أول مرة رأيتها على الحقيقة ,كانت منذ ست سنوات, وكنت على ظهر السفينة حين رأيت طفلة انجليزية جميلة تسأل أمها: أين تمثال الحرية, فأشارت الأم للبحر وقالت: هل ترين هذه السيدة التي تحمل العصاة؟ وشعلة الحرية هي هذه العصا الماكرة.

العصا التي حملتها السيدة وضربت العالم كله على مؤخرته.

بقلم عمر حمدي