كيف تزرع الحب في أسرتك



حوارات عمرو خالد " لكل الناس "

حوار أجراه أ. عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ17/10/2007

 هي كلمة السر في بقاء الجنس البشري بترابطها تقوى المجتمعات، وتنهض الأمم وتسود الأخلاق. الأسرة المسلمة على صفيح ساخن .. الكل يرفع شعار " الأنا " والحياة باتت جزراً منعزلة. وما أحوجنا .. والحال على ما نرى من تفكك وانهيار وتفسخ – للعلاقات بين الآباء والأبناء أن يعود لها كيانها .. دفؤها. ب " لم " .. الشمل والعهد على القربى والمعروف لتظل الأسرة خط الدفاع الأول و الأخير في مواجهة ما يهدد المجتمع الإسلامي في زمن العولمة والفضائيات.

 

كيف تزرع الحب في أسرتك

حلقات الداعية عمرو خالد " الجنة في بيوتنا " تؤكد ذلك، وتضع قواعد للتآلف الأسري، ومن اتبعها يفوز بأسرة قوية ناجحة تكون قدوة للمجتمع الإنساني كله.

دعـوة للـحب

يقول عمرو خالد:

في البداية نريد أن نقترب كعائلة من الله، نترابط ونتآلف كأسرة، ونستعيد الحب الضائع والمفقود بين أفراد العائلة. امسك بيد زوجتك في حنان وقل لها: هيا نبدأ مشوار لم الشمل وتجميع الأسرة، وليرفض كل فرد من الأسرة أن يعيش كجزيرة منعزلة أو يعيش حياة منفرداً.

كفانا جزراً منعزلة، حيث كل فرد من الأسرة يغلق على نفسه باب غرفته كأنه بنسيون أو فندق، ولا علاقة له بما يجري من حوله داخل الأسرة، كفاه أن يصاحب ويسأتنس بالكمبيوتر، وتعيش أخته في غرفة مجاورة مع النت، ويعيش أخوه الأصغر مع "البلاى ستيشن "والأب يعيش عالمه مع أصحابه، والأم مع صاحباتها.

هذه الصورة نرفضها الآن للعائلة، نريد أن نستبدلها بالألفة وتجميع شمل الأسرة، وأنا وزوجتي وأبنائي متلاصقون، متلاحمون داخل الصورة، أنا وأبي سنعود أصدقاء، أنا وأمي والحب الكبير والنجاح بدعاء الأم ورضاها.

نحن نتجه بكلامنا هذا لكل أفراد الأسرة خاصة الشباب، الأخ وأخته، العم والخال، والعمة والخالة، ونرى الابن كيف يختار أصدقاءه وكيف يتعامل مع أبيه وأمه، وبأي لغة يتعامل الأب مع الأبناء. وما اللغة التي كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يتخاطب بها مع الشباب، نتأمل الأم التي تحمل أجمل وأغلى لقب في التاريخ. لقب الأمومة.

ونتحدث مع الزوج والزوجة بعد أن باعدت بينهم المشاغل والتفكك فأصيبا بالبرود العاطفي. الأخ يمكن أن يقيم مع أخيه في غرفة واحدة ولا يعرف شيئاً عنه.

نتحدث إلى البنات ونقول لهن إن البنت ربما كانت أهم أفراد العائلة لأن حب العائلة لها يجعلها مسموعة الكلمة من الجميع، البنت هي التي تلم شمل العائلة، وتقول لأبيها وأمها: هيا لنصلي معاً.

كل فرد منا يحتفظ لنفسه بأسرار مشاكله الأسرية، وكل فرد لديه تجربة مؤلمة، نحن لن نناقش تفاصيل المشكلات الفردية، لكننا سنتحدث عن المبادىء والقيم الأساسية المهمة التي يقوم عليها إصلاح الأسرة، فإذا أردت إصلاح حال أسرتك، فعليك بامتلاك هذه المبادىء والقيم في داخلك، وإذا حاولت حل مشكلات أسرتك بعيداً عن هذه القواعد، فستجد نفسك تدور حول ذاتها، ولن تصل إلى نتيجة.

هذه القواعد التي نطرحها هي مفتاح عودة لم شمل الأسرة، ومفاتيح عودة الترابط والحب.

 

الجنة .. لماذا ؟

نحن سمينا هذه الحلقات: الجنة في بيوتنا، لأن الكثيرين من الناس يرون الحياة وقد طغى النكد عليها، وأصبحت لا تطاق، طغت عليها الصراعات والحروب والشرور والمشكلات، أردنا أن نقول لهؤلاء إن الله رحيم  و لطيف بعباده، والله سبحانه أعطانا شيئاً جميلاً اسمه " بيتنا " وفر لنا فيه كل عوامل السعادة والطمأنينة والسكن وأنزل سبحانه آية:" والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ".

لهذا سمينا هذه السلسلة لها علاقة وثيقة بالنهضة، فالعالم يتفوق علينا الآن في الصناعة والزراعة والتعليم، لكننا نمتلك ميزة نسبية سبقنا العالم بها هي دفء العلاقات الأسرية، فلا يزال الرجل في سن الأربعين يحترم أمه وأباه ويقبل أيديهما، ويسأل أمه الدعاء، لايزال الجذر ثابتاً وقوياً رغم تعثرنا، ولا نزال نتفوق على العالم في هذه الجزئية المهمة، الله سبحانه يقول:" وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا " أي لتتبادلوا المنافع، نحن لا نملك شيئاً نقدمه للعالم غير الأسرة، هذا النموذج لم يعد يعرفه سوانا، نموذج البيت الكبير ولمة الأسرة والأعمام والأخوال، فليس لديهم شيء اسمه " صلة الرحم´ مثلما هو عندنا.

علينا أن نقول للعالم إن لدينا ميزة نسبية تستوجب الحفاظ عليها، وهذه هي أساسيات النهضة، القيم من حولنا صارت كالسبحة المنفرطة، من هنا نرى. أن الأسرة هي الجدار الأخير الذي نستظل به، ولو انهارت الأسرة انهار مستقبل أمة.

لهذا أرجو كل إنسان في مجتمعنا أن يشهد الله أنه سيحافظ على أسرته، إن الحفاظ على الأسرة هو إحدى صور عبادة الله. أعظم شيء تقدمه لأولادك أن تحب زوجتك وتحبك، أن تحب أمه لينشأ سوياً أو تنشأ سويةً.

الوصفة السحرية

هل تنوي أيها الشاب أن تطبق هذه القواعد وتعاهد الله عليها؟ أم تريد التفريط في الأسرة لتنطلق مع أصحابك وتأخذ حريتك معهم؟

الإمام الغزالي يقول إن أجمل شيء حين تبدأ عملاً أن تشارط نفسك وتقول إن هذا العمل ستؤديه لهذا الهدف.

ومنهم من عاهد الله فلما أتاهم من فضله بخلوا به"

من يعاهد الله على لمّ شمل الأسرة؟

الله سبحانه ربط النهضة في القرآن الكريم والإصلاح باستقرار الأسرة " والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما".

أول قاعدة إيمانية للتآلف الأسري هي وصفة سحرية لعودة الحب والتآلف، وهي روشتة لم يجربها أحد وخاب. وهي أن نعبد الله معاً، اعبدوا ربنا سوياً.

لا تعبد الله .. وحدك

المشكلة أن الرجل يعبد الله منفرداً، والمرأة تعبد الله منفردة، الشباب يمارس العبادة وحده، هل الرجل " مكسوف " يصلي مع امرأته؟ أو " مكسوف" يجمع الأولاد عند الإفطار، يدعو الله وهم يقولون وراءه: آمين .. مكسوف من إيه؟!

أريدك أن تتخيل رجلاً وزوجته قررا أن يعبدا الله معاً،  يصليا قيام الليل معاً، هل تتخيل ما سيحدث بعد ذلك داخل البيت؟ هل تتخيل التحول الذي سيحدث لعواطفهما؟ تخيل فتاة تقول لأبيها: بابا تعال نقرأ القرآن معاً، وتدعوان الله معاً.

ينظر الله سبحانه، فيجد عائلة وقد تجمعت ووقفت بين يديه .. ماذا تكون النتيجة؟ ذاهب أنت وزوجتك في السيارة إلى مكان الزوج يتحدث في الموبايل، مكالمة وراء مكالمة، والزوجة تطلب منه أن يتحدث معها فلا يعيرها انتباهاً.

تخيل لو أن الزوج دعا زوجته في بداية الرحلة إلى ذكر الله معاً، فيقول لها ولأبنائه: هيا نقول الحمد لله معاً، ونذكر في كل مرة نعمة من نعم الله علينا: الحمد لله. الحمد لله. الحمد لله مسألة لا تستغرق خمس دقائق في بداية كل مشوار، أو نقول: لا إله إلا الله.

قوة الإيمان داخل قلبك .. كيف تكون؟ بالتأكيد هي قوة رهيبة.

سر القرب من الله

الرجل الذي صلى ركعتين مع زوجته في ظلمة الليل، لا يراهما أحد إلا الله سبحانه وتعالى، هل يمكن أن يستيقظا في الصباح فيتشاجران معاً لأن زرار قميصه مقطوع، أو لأن القميص لم يتم كيه باهتمام ، أولا لأن الملح  زائد في الحساء، لن يحدث ذلك أبداً، لأنهما عبدا الله معاً.

القاعدة الأولى للتآلف الأسري تقول: هيا نعبد الله معاً. انظر إلى كم الرحمة التي ستغمر البيت نتيجة لذلك والملائكة التي ستملأ البيت والشياطين التي سيتم طردها من البيت والنعمة التي ستمطركم السماء بها.

أتريدين أن تربطي زوجك بك؟

اعبدي الله معه، هذ أهم من أن تهديه أغلى هدية. أن ينظر الله من عليائه فيجد قلبين متعلقين به. قلوب أسرة تقف بين يدي الله: الأب والأم والأبناء. يقول الله تبارك وتعالى:" وأنه هو أضحك وأبكى ".

من يدخل على القلب أو الوجه السعادة؟

هو الله، فحين يجد عائلة تقف بين يديه هل يبخل عليها بالسعادة وتلبية الدعاء. قال لي صديق يوماً أنه لم يعد يطيق النظر في وجه زوجته، فطلبت إليه أن يصلي معها ركعتين كل خميس لمدة شهر واحد، فقبل نصيحتي على مضض. وقام صديقي بتنفيذ ما نصحته به، وذات مرة بدأ الحوار بينهما وهما على سجادة الصلاة، فتسارعت مضخة القلب بالمشاعر. وتغيرت من النقيض إلى النقيض. صار يعشق قضاء الوقت معها والحديث إليها وصار لا يمل النظر إلى وجهها.

كان لي صديق حميم دائم الصراع مع والده، فنصحته أن يدعو والده إلى الصلاة معاً كلما سنحت الفرصة، فتصاحبا وصارا صديقين متفاهمين تماماً.

روشتة التآلف

الروشتة عبارة عن خمس عبارات هي:

1- قراءة القرآن معاً .. ولو ربعاً واحداً.

2- الصلاة سوياً ولو ركعتين

3- أن نذكر الله معاً .. ولو لخمس دقائق.

4- ندعو الله معاً .. ولو بالعامية.

5- ندعو عائلة فقيرة إلى مائدتنا معاً.

 

نفذ بنود هذه الروشتة ومبروك عليك حضن الأسرة. كانت هناك أسرة متآلفة، يصلون معاً، ويذكرون الله تعالى معاً، فزارهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وقال لهم: " يا بني فلان" إن الله أخرج الشيطان من بيتكم بطاعتكم له، فلا تعيدوه إليه".

هل نجد شعارنا في هذه المرحلة :

أسرتي .. أعبد بها ربي؟

أسرتي .. حتى ألقى ربي.

أسرتي .. معها أدخل جنة ربي.

أسرتي .. حتى نهضة بلدي.

أعرف رجلا كلما تشاجر مع زوجته يقول لها: إذا باتت تلعنها الملائكة. لا يقول لها من الدين غير هذا الحديث .. وكلما اصطدم بأبنائه يقول لهم: أنا غاضب عليكم وستدخلون النار. وظل هكذا إلى أن قرأ آية تقول:

" يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة " قال لنفسه: الله يدعونا لوقاية أنفسنا و أهلنا من النار ، وأنا أهددهم كل يوم بإدخالهم النار لأني غاضب عليهم؟

بعد ذلك قرر أن يدعوهم للصلاة معه جماعة، وقال: يارب اشهد فأنا أنفذ قولك الكريم. يقول: بهذا ارتحت نفسياً وأرحتهم من فهمي المحدود جداً لمعاني الأحاديث النبوية.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان ينفر من بيت تقرأ فيه سورة البقرة. فماذا لو ختمت الأسرة معاً القرآن الكريم؟

ويقول النبي " صلى الله عليه وسلم ":

إذا صليتم في المسجد فاجعلوا لبيوتكم نصيباً من صلاتكم يكن خيراً على أهل بيتكم.

www.amrkhaled.net