( الحلقة الأولى )
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، لقد جئنا لنكمل "الجنة في بيوتنا- الجزء الثاني" ولنعيش مع قضايا الأسرة أكثر ولنصلح في بيوتنا، ولنقنع أنفسنا ونقنعكم أن الجنة في بيوتنا، وأن نثبت هذا المعنى ونعيش معه. إن شاء الله بعد ما رأيته في رمضان وبعدما أرسل الشباب الإيميلات على المنتدى على موقع عمرو خالد دوت نت، وكيف أن الكثير من الناس قد أصلحوا في بيوتهم، زاد الأمل عندنا وقررنا أن نكمل "الجنة في بيوتنا" بعد شهر رمضان وإن شاء الله سوف تكون جنة وسوف نتعاون على ذلك.
معاني هامة..
حلقة اليوم هي مقدمة نتحدث فيها عن المعاني الأساسية التي سوف نكمل بها الحلقات القادمة. أول معنى نريد أن نتحدث عنه في المقدمة هو أن البرنامج لم يكن برنامجا رمضانيا فحسب، بل هو موضوع الجانب الاجتماعي و قيمنا الأسرية، وحياتنا الاجتماعية وبيوتنا وأسرنا ولذلك لم يصح أن تشمل كل هذا حلقة واحدة أو شهر رمضان واحد، لذلك قررنا أن نكمل البرنامج بعد شهر رمضان حتى نشعر أننا وفينا الجانب الاجتماعي حقه من الكلام والشرح والتفاعل بيننا وبينكم، وبيننا وبين الشباب حتى نشعر أننا بالفعل نستطيع تنفيذ هذا الكلام. وبالتالي، فإن شهر رمضان كان بمثابة المقدمة والتدشين والافتتاح لموضوعنا الذي سوف يستمر بعد شهر رمضان؛ وهو الموضوع الاجتماعي الذي نُصرُّ عليه لمساعدة بيوتنا وشبابنا.
أريد أن أقول لكم شيئا هاما جدا وهو: لماذا أريد أن أكمل حديثي عن هذا الموضوع بهذه القوة والجدية؟ ذلك لأن قيمنا الأسرية هي أغلى ما نملك. لا يصح التفريط في قيم الأسرة. كلمة "قيم" تذكرني كيف أننا نريد أن نصنع نهضة لبلادنا وطالما تحدثنا منذ أيام برنامج "صناع الحياة" عن ذلك وعن أنه يجب أن يرفع أحدهم هذه الكلمة. لقد ماتت هذه الكلمة ولم يعد أحد يتحدث عن هذه النهضة، ولكن بلادنا لا تستحق أن تموت بها هذه الكلمة، فلابد أن يتحرك أحدهم قائلاً: "نريد أن نصنع نهضة لبلادنا"، ولكي نصنع هذه النهضة فيجب أن نعلم أن البنية التحتية لأي تنمية أو نهضة في تاريخ البشرية هي القيم والأخلاق. تخيل معي لو أن البنية التحتية للمشروعات الاقتصادية هي: المواصلات والمياة والكهرباء والطرق...إلخ، فإن البنية التحتية للنهضة هي القيم والأخلاق، ولذلك أول ما بدأ الإسلام، بدأ بقيم وأخلاق، ولذلك نحن هنا نكمل ذلك. هل تذكرون عندما بدأنا ببرنامج "دعوة للقيم" واستكملناه ببرنامج "الجنة في بيوتنا"؟ وذلك لكي نقول إننا في حاجة للحفاظ على قيمنا، وهذه هي نيتنا في هذا البرنامج متوجهين بهذا الكلام للشباب قائلين لهم إننا يجب أن نتمسك بقيمنا وأخلاقنا وخاصة قيم الأسرة لأن هذه القيم تعد ميزان الصواب والخطأ، وبالتالي بناءً على القيم التي سوف نتعلمها ونتفق عليها في أسرنا، سيتبين لنا هل قبلنا بالرشوة بعد ذلك أم لا؟ هل أتقن كل منا عمله أم لا؟ هل قمنا بمشروعات مفيدة لبلادنا أم لا؟ هل تسببنا بالغش في المِلاط (الأسمنت) أم لا؟ كل ما سوف يقام في بلادنا بعد ذلك هو قائم على مجموعة من القيم الأسرية الناتجة من البيت والتي يُتَفَق عليها داخله، والتي يربي عليها الأب والأم أولادهم، ويتغذى عليها الشباب والتي تذاب لهم مع كوب اللبن قبل النوم، ويتربون عليها وسط العائلة. تلك هي البنية التحتية وميزان الخطأ والصواب، فهل تُصنع النهضة بعد ذلك أم لا؟
إن برنامج "الجنة في بيوتنا" هام للغاية لذلك؛ فنحن نستكمله بعد شهر رمضان، فبجانب أن هذه القيم هي ما نتربى عليه في بيوتنا، وأنها البنية التحتية وميزان الخطأ والصواب، فهي أيضا ملامح وجوهنا ووجوه شبابنا. فملامح وجهك ما هي إلا بعض القيم التي أنشأك عليها أباك وأمك. تخيل أن يستيقظ أحدهم وينظر لوجهه في المرآة فلا يجد في وجهه أي ملامح من عينين أو فم أو أنف وإذا به مطموساً وقد مُسِخت ملامحه، من هنا جاءت تسمية "المسيخ الدجال"؛ لأن نصفه ممسوخا، أي بلا ملامح. أخشى أنه بعد عشرين عاما من اليوم لا يجد الشباب والبنات ملامحَ لهم؛ ففي سن المراهقة يكون الشباب والبنات أشبه بلوحة بيضاء جميلة، ولانعدام القيم الواضحة نخدش نحن هذه اللوحة فننتهي بلوحة بها ما يقرب من 60 خدشا؛ من خدش إعلام، وخدش النادي، وخدش أصدقاء السوء، وقد يكون هناك رسما جيدا، ولكن لا يظهر بوضوح وسط هذا الخدش فينتج عن ذلك لوحة بها الكثير من الخدش. هل تتذكرون ما قلناه في شهر رمضان؟ كنا نقول: قواعد التآلف الأسري: الأب الصديق، ولغة العاطفة قبل لغة العقل...إلخ. فلنكمل سويا بعد شهر رمضان ولنحافظ على قيمنا.
دائما ما أقول: إذا كان العالم متفوقا علينا في كثير من الأشياء مثل: التكنولوجيا والاقتصاد إلخ.. فمازلنا نحن متفوقين في بعض الأشياء. ما هي تلك الأشياء التي نتفوق فيها؟ أنا لا أجد الكثير ولكنني على يقين أنه مازلنا متفوقين عن العالم بدفء العلاقات الأسرية والأسرة. تقول الآية:(...وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا...)(الحجرات: 13) أي لتتبادلوا المنافع، فإن ما نستطيع تقديمه للعالم هي بعض تلك القيم، وأننا نملك قيما قوية تسمى "بيوتنا"، و"أسرنا" وبالتالي، إن أردنا الاحترام لأنفسنا أمام العالم، وأن نقول إننا كما نأخذ التكنولوجيا من العالم فإننا نبادل بها شيئا آخر، فيكون هذا الشيء هو القيم الاجتماعية، الأسرة، العلاقات الأسرية، بيوتنا، كي نحترم أنفسنا بامتلاكنا شيئا قويا، وبأننا لسنا في انهيار تام في كل شيء. هل علمتم لماذا استكملت هذا البرنامج بعد رمضان؟ هذه هي حلقة المقدمة.
كان يجب الإدلاء لكم بهذا الكلام وأن أقول لكم فيها نقطتين حتى الآن:
1. إننا نستكمل البرنامج بعد شهر رمضان. هذا ليس برنامجا رمضانيا -مستمرين بذلك في الجانب الاجتماعي-.
2. إننا نستكمل البرنامج بعد شهر رمضان؛ لأن القيم الأسرية في حاجة إلى حراسة، وإلى أن ننتبه جميعا وأن نقول إننا سوف نحافظ عليها، وينتج عن ذلك كله هذا البرنامج ومسلسلاً إذاعيا آخر، وموضوعات على الإنترنت، وفيلما، وأغنية تقول إننا نريد أن نتغير ونريد أن نحافظ على قيمنا يا شباب...إلخ.
3. بالرغم من أن القيم مستمدة من ديننا وإسلامنا أصلاً، وأن الإسلام وديننا هو الإطار الأساسي لهذه القيم إلا أن هذه القيم أشبه بالعجين؛ أي أنه مخلوطا بها الكثير من الأشياء. إن الدين هو الأساس، وهو الإطار الأساسي، ولكن هناك "عرف الناس"، وأعراف الناس تتغير من زمان إلى زمان. أقول لكم هذا الكلام لترفقوا الأعذار للشباب، وأعني بذلك أن عرف المجتمع يتغير والأجيال القديمة تختلف عن الأجيال الجديدة، وأحيانا نطلب من شبابنا ما لا يستطيعون القيام به؛ فينتج عن ذلك ارتباكا ويشعر الشباب أنهم مرتبكون قائلين: من قال إن هذه هي القيم؟! من قال إننا موافقون عليها؟! الدنيا اختلفت! ففي الحلقات القادمة أوجه كلامي للكبار وللشباب وأقول لهم: هلا نبحث عن منطقة مشتركة؟ –هل تتذكرون برنامج "دعوة للتعايش" عندما كنا ندعو لإيجاد منطقة مشتركة بين طرفين مختلفين؟- هلا في برنامج "الجنة في بيوتنا" في الجزء القادم نستمع إلى شبابنا وبناتنا قليلاً؟ نحن متفقون أن الإطار العام الذي نريد الحفاظ عليه هو قيمنا المستمدة من ديننا، ولكن هناك أعراف وجزئيات تتغير في المجتمع، فلابد من إعطاء مساحة للشباب، ولابد أن نستمع إليهم ونشعر بهم، فهذا الجزء الثاني من البرنامج يركز تركيزا كبيرا على الشباب، وعلى سماعهم، ويتفاعل معهم ويرفق لهم الأعذار، ويقبل منهم جزءًا من أخطائهم -التي نراها نحن أخطاءً لهم- كما يحدثنا عن كيفية الإصلاح وعن الوصول إلى منطقة مشتركة.
4. المعنى الرابع، هو ما الذي تم إنجازه في "الجنة في بيوتنا" منذ أن بدأ وحتى اليوم؟ في شهر رمضان، كنا نتحدث عن الصواب وليس عن الخطأ؛ أي أننا كنا نتحدث عن الأسرة المثالية ولعلِّي لم أذكر هذا لكم في البرنامج. فقد كنا نتحدث عن "كيف يجب أن تكون الأسرة؟" هل تتذكرون؟ "ثلاثون قاعدة للتآلف الأسري" ومعنى قاعدة أي "الأصل" أو "الصواب".
كل يوم كنا نذكر قاعدة مثل "الأب الصديق"، و"كيف توجه أبناءك؟"، و"الاحترام والتقدير"، و"العقوبة آخر البدائل"، و"الأصل في العلاقات بين الزوجين"، و"الحب سلوك وأفعال"، و "جمع شمل عائلتك"، فذلك كان الصواب، أو الشكل المثالي، ولكننا لم نتطرق إلى واقع المشكلات، وقد ذكرت ذلك فى أول حلقة في شهر رمضان؛ وهو أننا لن نتطرق وقتئذ في تفاصيل المشكلات؛ ولأن رمضان لم يكن وقتا مناسبا لنتطرق فيه لتلك التفاصيل. هذا ما قمنا به في شهر رمضان؛ وهو أننا وضعنا الشكل المثالي أو الثلاثين قاعدة، حتى نبدأ بعد رمضان ومن الحلقة القادمة إن شاء الله في التوغل في المشكلات، حتى إذا هممنا بحل مشكلةٍ ما نتذكر مثلاً القاعدة رقم(3): "تعامل برحمة"، فمثلاً أيها الأب وأيتها الأم إذا قام ابنك بتدخين المخدرات فلا يكمن الحل في الضرب والإهانة والإيذاء..إلخ، إنما نبحث عن طريقة أخرى، ونربط بين ما تحدثنا عنه في رمضان (القواعد) وبين المشكلة والدخول في تفاصيلها وكيفية وقوعها. هل أدركتم ما سوف نفعله؟ وكأن رمضان كان الشكل المثالي، وبعد رمضان هو المشكلات الحقيقية.
لننتقل إلى الواقع..
ولكن أشكال وأنواع المشكلات كثيرة، فبماذا أبدأ تحديدا؟ سوف نبدأ بمشاكل الشباب. كل الحلقات القادمة تتكلم عن مشاكل الشباب. سوف نتوجه بالكلام للشباب والبنات وندعوهم للتفاعل سويا على الإنترنت ونستمع إلى مشاكلهم حتى نقوم بحلها في الحلقة التالية، كما نتوجه بالكلام إلى الأباء والأمهات وندعوهم إلى سماع أولادهم وإلى تقريب قيمنا من بعضها البعض. هذا هو ما قمنا به في رمضان وما سوف نقوم به من الآن.
حتى الآن، استعرضنا ما قمنا به في برنامج "الجنة في بيوتنا" في رمضان: تحدثنا عن "الصواب"، وعن الأسرة المثالية، وأنه قد آن الأوان للانتقال إلى الواقع وللتحدث عن المشكلات الموجودة في الواقع، ولكن على الرغم من ذلك فإننا لم نفرغ من الحديث عن الأسرة المثالية -أي أننا بصراحة شديدة إننا تناولنا 10% فقط مما يجب أن تكون عليه الأسرة-. أقول ذلك لأن هناك جوانب كبيرة لم نتعرض لها. فمثلاً، قد تحدثنا عن الأم العظيمة ودور الأم، ولكننا لم نتحدث عن الزوجة التي لم تنجب، وقد غضب بعض النساء منا في رمضان بسبب ذلك قائلين "لم تتناولوا تلك النقطة، وجعلتمونا نشعر أن الأم ثوابها عظيم، فأين نحن من هذا؟!" أنتن بصبركن هذا لكن ثواب عظيم ومراتبكن عند الله عظيمة جدا، ولكننا لم نتعرض لهذة النقطة، كما أننا لم نتحدث عن شكل الأسرة المثالية في الخطوبة، لم نتحدث عن كتب الكتاب والشكل المثالي له، لم نتحدث عن الأزواج والزوجات وعن طريقة معينة تكسبين بها قلب زوجك وطريقة معينة أخرى تكسب بها قلب زوجتك كشكل مثالي للأسرة. لم نتناول تلك الموضوعات، فقد استعرضنا حوالي 10% فقط من داخل الأسرة المثالية، ولذلك ينتظرنا الكثير من العمل في البرنامج فموضوعه ذو شأن كبير حيث إن الجانب الاجتماعي والقيم الأسرية الغالية تلك، والتي سوف تحدد نهضة أمتنا يحتاج إلى سنوات من العمل. ولكن في الحقيقة أنه بعد أن وضعنا "جزءا" من الشكل المثالي في رمضان-،لأنني قلت لكم إن الموضوع له شأن كبير ويحتاج إلى الكثير من العمل- قررنا أن ننتقل بالكلام إلى الشكل الواقع ونتحدث عن الواقع ونعيش به.
دورة حياة الأسرة:
قبل أن نتكلم عن الواقع، يجب أن أقول لكم أننا سوف نتعامل مع الأسرة بطريقة تسمى "دورة حياة الأسرة" حيث إن للأسرة دورة حياة. فمثلاً: كان هو "شابا" ثم تأتي المرحلة التالية، وهي "البحث عن زوجة"، ثم المربع التالي في دورة حياة الأسرة وهو "الخطوبة"، ثم المربع الثالث وهو "عقد القران"، ثم المربع التالي وهو "سنة أولى زواج"، ثم المربع التالي وهو "الطفل الأول"، ثم المربع التالي وهو "تربية الأولاد"، ثم المربع التالي "العلاقات الزوجية بعد خمس سنوات من الزواج"، وهذه وحدها قصة أخرى، ثم يكبر ابنك ويصبح مراهقا، ونتعرض لمشكلات التعامل مع الشباب، وبذلك نعود مرة أخرى إلى مربع "البحث عن زوجة".
هل رأيت كيف تكون هذه الدائرة؟ وبالتالي، فإن أمامنا الكثير من العمل. ولكننا الآن، سوف نبدأ في الواقع، وأستطيع أن أقول في هذه الحلقة إنه إن شاء الله – وبتواضع شديد وبإخلاص شديد- إنني على علم جيد جدا بالواقع. لماذا أقول هذا؟ لأنه منذ خمس سنوات مضت عندما كنت أتحدث عن الإيمانيات فقط، أو التنمية فقط في "صناع الحياة"، وقبل أن يدخل الضلع الثالث في عملنا، وهو الجانب الاجتماعي، عندئذ كنت أتلقى على موقع عمرو خالد دوت نت، وكنت أفاجأ بورود آلاف الإيميلات التي تستفسر عن الموضوع الاجتماعي، وكأنني كنت أتكلم عن جانب، ومشكلات الناس على الجانب الآخر.
اكتساب خبرة:
البيوت بها مشكلات أخرى. فمازلت أتلقى يوميا ألف إيميل في باب الأسئلة على مدار خمس سنوات، منهم 90% عن المشاكل الاجتماعية. ونظرا لقربي الشديد من الشباب، فكانوا عادة ما يروون لي ويقولون لي كل ما في قلوبهم، وكنت أجد أن الوقت الذي أقضيه في تسجيل البرامج والندوات يأخذ 10% من وقتي، وكان 90% من وقتي لهؤلاء الشباب لحل المشكلات الاجتماعية وذلك قبل أن أبدأ "الجنة في بيوتنا"؛ ولأننا كنا نجاوب على مشكلات الشباب، بدأ يتربي عندي خبرة رهيبة عن مثلاً: البنات والزواج العرفي، وكيف بدأت في مساعدة هؤلاء البنات؟ وكيف أننا في هذا الوقت قمنا بالاستعانة بخبراء اجتماعيين لمعرفة كيفية التعامل مع هؤلاء البنات؟ وبذلك بدأنا في اكتساب خبرة يوما بعد يوم، ومثلاً: المشكلات عن الآباء الذين اعترضوا زيجات أولادهم بسبب قائمة المفروشات، أو لتصادم الآباء وعنادهم مع بعضهم البعض، فارتكب الأبناء خطأً كبيرا، ثم تم إلقاء اللوم عليهم لارتكابهم هذا الخطأ ويسألون "ماذا كان عسانا أن نفعل؟!" ومثلاً: كنا ننصح من لديها مشكلة مع زوجها أن تفعل كذا، وأن يحاول هو معها في كذا، ومن لديه مشكلة مع ابنه أن يفعل كذا، وبدأنا بعمل هذه الخطوات. ولأنها كانت خمس سنوات كنت عادةً ما أنصح الناس بأن يحاولوا عمل شيئا، ما ثم يعودون لي مرة أخرى، ثم أراهم معا بعد ذلك بحوالي سنتين، فأسألهم: ماذا حدث؟ فيروون لي آخر القصة فأعلم أنه كان من المفروض تطبيق هذا الحل في بادىء الأمر، فتراكمت لدي خبرة رهيبة.
إن هاتفي هذا الذي أحمله معي عبارة عن كم كبير من المشكلات الاجتماعية بها الكثير من الفضفضة، فتعلمت الكثير وحتى يكون الكلام كلاما منهجيا صحيحا، قمنا بتكوين فريق من الخبراء واجتمعت معهم في جميع المشكلات التي كانت ترد إليّ وقلت لهم: ألا نحلهم سويا؟ وبذلك، وصلت لتوليفة أو خليط بين خبرتي مع الشباب، وبين رأي العلماء حتى تكون الخبرة والأمور العلمية الدقيقة متوفرة. ومن هنا، أستطيع القول بأنني على دراية كبيرة بالواقع وجئت هنا على استعداد للتكلم عن الواقع، كما أستطيع القول بأنني أصبحت أشعر بالشباب بدرجة عالية جدا، أشعر بدموعهم. لا تتخيلون كم المشكلات التي كانت ترد عليها يوميا في شهر رمضان الماضي - من بنات يبكين وهم يرسلون لي الإيميل- وكأنني أرى دموعهن عن علاقة هذه بأبيها، أو عن التفرقة في المعاملة التي تقوم بها الأم بين تلك الفتاة وأختها، أو كيف أنه انخرط في تعاطي المخدرات نتيجة انفصال أمه وأبيه ومعاملة كل منهما للآخر معاملة سيئة فأراد بذلك الهروب من الواقع...إلخ، ومثل ذلك الكثير من القضايا والمشكلات.
البدء بمشكلات الشباب..
في رمضان الماضي كنت أتحدث عن الجزء السهل: "المثالي" وقد انتهينا منه، وسوف نبدأ الجزء الصعب: "المشكلات داخل بيوتنا". ولكن للمشكلات أشكال، وأنواع كثيرة فكما قلت لكم إن شأن الأسرة شأن يحتاج إلى سنوات، فبماذا أبدأ تحديدا؟ سوف أبدأ بالشباب، أي أنني سوف أركز على مشكلات الشباب التي لها علاقة بالأسرة، وسوف نعيش مع الشباب في الفترة القادمة، ثم يتوقف "الجنة في بيوتنا-الجزء الثاني" مع انتهاء مشكلات الشباب، ونبدأ "الجنة في بيوتنا- الجزء الثالث" مع الأزواج وهكذا. فأولاً، قمنا بوضع الشكل المثالي لنحدد ما نريد أن نهدف إليه. هذه هي المنهجية التي نتبعها، رمضان شهر جميل؛ فنتكلم فيه عن الأهداف القوية وما نريد أن نفعله، ثم بعد رمضان نتكلم عن الواقع، ونحدد فيه كيف نخرج من الواقع (نقطة ب) إلى المثالي (نقطة أ)؟ فنحن نريد أن نرسم خطًّا من نقطة ب إلى نقطة أ.
بالتأكيد سوف أبدأ بمشكلات الشباب جميعها. سوف نعيش الواقع ومشكلاته، و نتحدث عن المخدرات، ومشكلات العلاقات الخاطئة، والزواج العرفي، والصحوبية، والبحث عن شريكة الحياة، والبطالة، والتطرف، وعلاقة الأسرة في وصول الشاب إلى التطرف، الهوس الإلكتروني والشات، وملازمة الكمبيوتر حتى يتحول الشخص إلى كائن إلكتروني لا يعرف عن الواقع شيئا إلا من خلاله...إلخ، أليست هذه مشكلات الشباب؟ سوف نتطرق إلى هذه الموضوعات، ومنها الشاب المنعزل نتيجة ابتعاد أهله عن بعضهم البعض. سوف نتطرق إلى كل مشكلات الشباب بمنتهى الوضوح.
دائما ما يكون هناك منطقة، أو هدف نريد أن نصل إليه. ما الذي نريد أن نصل إليه عند حديثنا عن مشاكل الشباب؟ "يجب أن نتغير". نقول للشباب رسالة: "يجب أن تتغير وتستطيع أنت ذلك" ونساعدهم على التغيير، ونقول في الوقت نفسه للمجتمع أجمع بصوت عالٍ: "يجب أن تتحلوا بالصبر على الشباب ليتغيروا على مهل"، فأمل كل شاب أن يُغَيِّر من حاله، بداخله إرادة التغيير، يُحَدِّث حاله "أريد أن أتغير ولكنني لا أستطيع لأنني جزء من المجتمع وقد يسوء حالي مجددا بعد التغيير"، ولكننا نقول للشاب هنا أنك سوف تتمكن من التغيير. ونقول للأب والأم، والإعلام والصحافة، والمدرسة والجامعة، والنادي وأولياء الأمور، وكبراء بلادنا أن يتحلوا بالصبر على الشباب "يا مجتمع، اصبروا على الشباب وامهلوهم". هذا هو محور رسالتنا في الفترة القادمة.
فلدينا نقطتان نتحدث عنهما عند تناولنا للمشكلات وتركيزنا على الأسرة المثالية، وهما: يا مجتمع، إن وجدتم شابا تطلقون عليه أنه "مستهتر" فأنتم لا تعلمون ما بداخله من بركان؛ لأنه يريد أن ينجح، ولكنكم تقولون إنه تافه ومستهتر، فإن وجدتم فيه بادرة خير، مدوا أيديكم إليه، مد يديك إليه أيها المجتمع، فإن المجتمع الصحي هو المجتمع الذي إذا وجد لحظة خير ينميها والمجتمع المريض هو الذي كلما يجد بادرة خير ينظر إلى المساوىء ويقول "إنه منافق وغير جاد، انظر للمساوىء، إلخ". المجتمع الصحي يختلف عن المجتمع المريض.
نحن جئنا هنا لنقول إن الشباب يستطيع التغيير، وأن نروي الحديث الجميل الذي يصف فيه النبي حالة مجتمعٍ ما، في هذا الحديث يتكلم النبي عن رجل من بني إسرائيل يريد أن يتصدق. يقول: (قال رجل : لأتصدقن الليلة بصدقة . فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية . فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية .قال: اللهم !لك الحمد على زانية. لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني. فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني. قال: اللهم ! لك الحمد على غني . لأتصدقن بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق. فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق. فقال: اللهم! لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق. فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت. أما الزانية فلعلها تستعف بها عن زناها، ولعل الغنى يعتبر فينفق مما أعطاه الله. ولعل السارق يستعف بها عن سرقته)، فما حدث هو أنه ذهب ليتصدق فأعطى الصدقة لامرأة وكانت زانية، ولم يكن يعلم هو ذلك فسخروا منه: هل يتصدق أحد على زانية؟ هذا كان فعل المجتمع معه، سخر منه الناس فحزن الرجل، وفي اليوم التالي، خرج بصدقته فوجد رجلاً فتصدق عليه وكان هذا الرجل سارقاً، فخرج المجتمع في اليوم التالي يقولون: تصَدق على سارق! فحزن الرجل أكثر، وخرج في اليوم الثالث، وأصبح يتحرى الدقة ووجد رجلاً آخر وأعطاه صدقته فضحك عليه الناس في اليوم الثالث، وقالوا: تَصَدقَ على غني! زانية وسارق وغني! فبات مغموما، وظن أن صدقته لم تقبل، ولكن أوحى الله إليه أن صدقتك على الزانية فلعلها تتوب وتعف نفسها بما فعلت معها، وأما صدقتك على السارق فلعله يستحي من الله فيعلم أن الرزق ملك الله سبحانه وتعالى فلا يسرق، وأما صدقتك على الغني فلعله يخجل من نفسه فيجد من تصدق عليه فيتصدق هو على الناس، صلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم. هذا المجتمع هو المجتمع الذي كلما يجد بادرة خير يهوي بها إلى الأسفل ويسخر منها والمجتمع الذي يبتغيه النبي هو مجتمع صحي كلما يجد بادرة تغيير ينميها ويفرح بها.
ذهب "الطفيل بن عمرو الدوسي" وأصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشتكون من كفر قبيلتهم "دوس" وانتشار الزنا والربا بها ويطلبون من النبي أن يدعو عليها فقالوا: يا رسول الله، إن دوسا عصت وأبت ، فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس، قال: (اللهم اهد دوسا وأت بهم)، بعد أن ظنوا أن القبيلة قد هلكت بدعاء النبي عليها رفع النبي يديه إلى السماء ودعا لها، وقال له (عُد يا طفيل وامكث في قومك واصبر عليهم واحلُم عليهم وسيأتي الله بهم)، يقول: "فصبرت عليهم عشر سنين حتى أسلموا فجئت بهم إلى النبي فقال: (ألم أقل لك يا طفيل؟) صلى الله عليك يا رسول الله.
المجتمع الصحي:
أيها المجتمع، إن الجزء الثاني من برنامج "الجنة في بيوتنا" ينص على أن المجتمع الصحي هو المجتمع الذي يصبر على الشباب، وكلما يحدث بادرة تغيير يفرح بها وينتقل بها. لكي ننتقل من الواقع إلى المثالي يجب أن نصبر على الشباب ونفرح بكل بادرة تغيير. إن المجتمع الصحي هو الذي إذا وجد إنسانا وقد خرج عن الاستقامة لا يلفظه وإنما يمد إليه يده، ويقول له: مد إلي يديك وسوف اصبر عليك. هذا هو برنامج "الجنة في بيوتنا-الجزء الثاني". سوف نتكلم عن الشباب بهذه الطريقة.
لو خاطبنا الشباب وحدهم في هذا البرنامج فسوف نكون قد أوقعنا ظلما عليهم، أي إذا طلبنا من الشباب وحدهم التغيير- حيث إن المفتاح هو أننا نريد أن نغير من الشباب- ومنعنا عنهم المخدرات والعلاقات الخاطئة... إلخ، فإذا طلبنا منهم وحدهم كل هذا فقد ظلمناهم. من غير الصحيح أن نضع الشباب وحدهم في قفص الاتهام فيصبحون هم الجناة. من غير الصحيح أن يكون هناك أناس خارج قفص الاتهام ثم نحكم على الشباب وحدهم أنهم هم المسيئون وهم التائهون. فهناك أناس آخرون من المفروض أن تدخل قفص الاتهام. من المفروض أن نُخْرِج الشباب من قفص الاتهام ونُدخِل هؤلاء الناس قفص الاتهام، هؤلاء الناس هم منا بداخل المجتمع، وبالتالي ففي برنامج "الجنة في بيوتنا- الجزء الثاني" لا أستطيع أن أُحَمِّل الشباب كل المسئولية، أنا مضطر أن أُحَمِّل نفسي كصاحب دعوة ومضطر أن أُحَمِّل الآباء والأمهات، والإعلام، وبلادنا كلها، فيجب أن ندخل كلنا قفص الاتهام فالشباب مجني عليه وليس جانيا، وحرامٌ علينا أن يكون المجني عليه هو الجاني. ففي هذا البرنامج نقول هذا الكلام ليحدث تغييرا؛ فمثلاً في قضية مثل قضية البطالة: حرام علي أن أقول للشباب "أنكم أنتم الخائبون! اذهبوا، فخذوا دورات لتنجحوا، وتدربوا أنفسكم!..." في حين إن عدد الشباب الباحثين عن عمل 15 مليون شابا وعدد الوظائف 5 ملايين وظيفة فقط! فيجب أن نخاطب المجتمع كله ورجال الأعمال والناس جميعا. هل أدركتم تلك الفكرة؟
الختام..
يتبقى لنا نقطة أخيرة أختم بها وهي أننا سوف نستكمل البرنامج على الإنترنت، ونحدث تفاعلاً رهيبا ونضع مائة فكرة للشباب، ونطلب منهم الدخول على الإنترنت بعد الحلقة مباشرة وأدخل معهم – كما أن الآباء والأمهات مرحب بهم- لاستكمال الحوار بعد الحلقة، فيكون هناك الحلقة أما الباقي فهو حوار مفتوح بيني وبين الشباب لنصل إلى كيفية حل المشكلات، ونضع أفكارا جديدة. أولاً: سوف نطلب منهم أن من لديه مشكلة يرسلها لنا، ثم أقوم أنا، وفريق البحث الذي لدينا بالرد على الأسئلة. سوف يسألني أحدكم: إذا أرسل الشباب المشكلات، سوف تتلقون في اليوم الواحد حوالي ألف سؤال، فكيف سوف تقومون بالرد على كل تلك المشكلات؟ ومن هنا بدأنا في وضع أفكار أخرى سوف تجدونها على الإنترنت بدءا من الأسابيع القادمة مثل: أن نضع موقفا دراميا: لو حدث ...، فماذا يكون تصرفك الصحيح؟ 1...، 2...،3...، أو 4...، ونضع لكم أربعة اختيارات. ونطلب من الشباب أن يختاروا من بينهم، ونقوم بمعركة على الإنترنت، ثم أدخل أنا وأحيانا أتبنى رأيا منهم، وأُربك لهم الأمور، ثم في النهاية أقول لهم: يا شباب، الصواب أن نفعل، فتكون هذه طريقة بها تفاعل.
قد نقوم أحيانا بدورة تدريبية للشباب على الإنترنت مثل "دورة لكيفية اختيار شريكة حياتك"، دورة "للمخطوبين والمخطوبات في كيفية بناء بيتكم"، "دورة للآباء" ذلك؛ لأن هناك من الناس من يقول: إن ما قلته في برنامج "الجنة في بيوتنا" في رمضان كانت محاضرات، وأن هذا الموضوع يحتاج إلى تدريب، ولذلك سوف نقوم بإضافة دورات تدريبية على الإنترنت من حين إلى آخر. قد نقوم بإضافة مشكلة لأحد الشباب على الإنترنت ثم نتساءل عمن مر بالمشكلة نفسها من الشباب والبنات لتقديم الحل له، أي أن الذي مر بالتجربة يقدم الحل الصحيح لها، فمثلاً، تقول إحداهن: إياك والصحوبية مع شاب لأنني مررت بكذا، أو إياك والزواج العرفي، ثم نقدم نحن ست أو سبع بنات على الإنترنت لتحكين ما مر بهن-حيث إن على الإنترنت لا أحد يعلم عن الآخر شيئا- ثم أضيف أنا التعليق في نهاية الأمر، فبذلك يتحول موقع عمرو خالد دوت نت إلى خلية نحل تفاعلية، فنعمل على مدار الأسبوع في كيفية التعامل مع هذه المشكلة، ليس في الحلقة فقط.
لقد بدأنا منذ حوالي سنة ونصف السنة "دعوة للقيم"، وها نحن نعمل عليه وأملنا في النهاية أن نكون قد شاركنا في نهضة بلادنا، وأن يكون هذا الجانب مثل جانب "صناع الحياة"، ومثل جانب الإيمانيات والقرب من الله، فيشكل هذا مثلثا يشارك به الواحد منا على قدر إمكاناته في عمره القصير في النهضة لبلاده. ساعدونا أيها الناس وادخلوا معنا يا شباب على الإنترنت وشاهدوا هذه الحلقة وما بعدها، وهيا بنا لإصلاح بلدنا وإصلاح بيوتنا. يا رب، أن يصنع هذا الكلام الكثير من الخير، كما رأينا في شهر رمضان الماضي حيث تجمعت الكثير من الأسر مع بعضها البعض وكان هناك لم لشملهم.

Amrkhaled.net© جميع حقوق النشر محفوظة
يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كانت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخري فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية مسبقة من إدارة الموقع