ما لا يدرك كله



رأيت الكثير من أبناء جيلي وربما بعض الأجيال السابقة الذين دائما ما يقول عنهم أبي .. جيل التبريرفدائما هذا الشخص ما يجد مبررا لتقصيره , عذرا لإخفاقاته , دائما وأبدا تجده يمتلك مبررا يقنع به غيرهوقد كنت قرأت في مجلة العربي الكويتية مقالة تحت عنوان .. كيف تلعب دور الضحية ؟

قرأتها منذ ما يقارب الخمس سنوات أو ربما أكثر ولكن لا أقدر أن أصف مدى استفادتي منها , فهي تعبر عن كثير من المواقف التي نعيشها , فأنا أرى أن المصاب بداء التبرير ولاعب دور الضحية هم في الأصل واحد , فالدور لا يكتمل إلا بسيناريو والسيناريو هنا في دور الضحية هو المبررات.فصاحبنا لاعب الدور مشغول بالبحث عن تبرير , هو في الحقيقة تبرير سخيف , ولكن أنت لا تستطيع دائما أن تزم هذا التبرير , فربما هذا التبرير هو مصدر رزقه , كالطالب الذي يغش في الامتحان أو الموظف الذي يسرق من أموال الوظيفة , فأنت إن حاولت أن تقنعه بسوء تبريره , فأنت تهاجم حياته كلها كما وكيفا.فأنت تنظر إلى حقائق الأمور , تنظر إلى إخفاقاتك على أنها دروس تعليمية , وتقصيرك موجة منخفضة تحاول أن تصعد بها , فأنت ستحاول عدم الوقوع في هذه الحفرة مرة أخرى.

أما عن لاعب دور الضحية فتجده دائما ما يقوم بنفس الأفعال ويسلك نفس الطريق , والغريب في الأمر دائما ما تصدمه النتيجة.

أتذكر مقولة لوالدي : أظن أنه من الغباء أن تسلك نفس الطريق وتقوم بنفس الأفعال وتنتظر نتيجة مغايرة كل مرةتجد لا عب دور الضحية مشغولا بالبحث عن المبررات أثناء قيامه بالعمل وبعد العمل وربما قبل العمل , فهو دائما ما يفترض فشله , فهو دائما يبحث عن مبرر له.أما متحمل المسئولية فتجده مشغول قبل العمل بالتحضير له وإخلاص النية فيه , وأثناء العمل لا يشغله عنه شيء , وبعد العمل فهو يرجو من الله التوفيق , تجده يؤمن بأن مالا يدرك كله لا يترك كله.أما لاعبنا فهو يؤمن أن مالا يدرك كله يترك كله , فهو هكذا يجد مبررا قويا لعدم حضوره , فهو ربما كان نائما واستيقظ متأخرا فهو لديه عذره , لا بل أحيانا يتعمد فيحضر في نهاية العمل حتى يبرر عدم مشاركته فيه بأنه حضر متأخرا.وأخيرا وليس آخرا تجد هذا اللاعب إن كان متمرسا , يحفظ الكثير من الكلمات التي تساعده على كسب القلوب واستعطاف الأفئدة , فتجده يحرص على كلمات.

أنا عبد المأمورليس بيدي شيء !! , لو كان الأمر بيديوبعد كل جملة تجد عنده لازمة تميزه : أصل أنالو أصابك ما أصابني لعرفت , لشعرت بيإنه هو السبب !! زوجي السبب !! , معلمي السبب !! , مديري السبب !! , ماذا فعلت حتى أستحق كل هذا !!!؟؟؟ , علي أن أرضى بنصيبي !! , لا يوجد بالدنيا خير !! , أنت تتكلم هكذا لأنك لم تمر بما مررت بهيمكنك أن تتخيل عبارات أكثر ومصطلحات أشد . تساعدك على كسب المواقفوغالبا إن حاصره محاوره .. تجده قد انفعل وعلى صوته وربما أجهش بالبكاء , ولكن إياك أن تغرك هذه الدموع فهي .. دموع تماسيح.

لماذا داء التبرير دون غيره هو المنتشر ؟؟ هذا لأنه مخدر قوي !! لا يجعلك تشعر بوخز الضمير , ويظهرك في مظهر المجبر المسير الذي لا يقدر على دفع هذا الأمر

وأسوأ ما في الأمر أن يكون لاعب الدور فيه كبر , فيصبح لاعبا لدور الضحية متكبرا , فإذا ما شعر أن الموقف يستدعي منه اعتذار لشخص أخطأ في حقه , فإنه يبدأ في لوم الشخص الآخر ويبرر تصرفاته بالعفوية , وأنه لم يقصد ما فهمه , والأسوأ من هذا كله أنه يتهم الطرف الآخر بسوء النية.

تجد لاعبنا يبرر علاقته بالجنس الآخر , لأن الله خلق الإنسان يميل إلى ذلك , وأيضا الطرف الآخر هو الذي يسعى إليه أما هو .. فلا يسع إليهم أبدا. وتجده يبرر بعده عن زوجته , بأنها لا تهتم به , وأنها دائما مشغولة في البيت , ولو دقق في الأمر لوجد نفسه يخرج قبل استيقاظها ويعود بعد نومها .. ولكن التبرير داء.وأيضا فهو لا ينس أن يذكر أنه كلما حاول مداعبتها والاقتراب منها , آذاه رائحة البصل والأتربة بعد يوم عملها الشاق , وربما نسي وتناسى أن رائحته من آثار التدخين أسوأ من ذلك بل هي رائحة نتنة , فهو يبرر ولا ينس دائما أن يبرر ويتناسى دائما أنهن .. لهن مثل الذي عليهنوالزوجة تبرر بعده عنها بأنه مشغول بغيرها , وأنه يعتبر وظيفته أهم منها , وأنها أضاءت له أصابعها العشر شمعا وهو لا يقدر ذلك , وربما نسيت أبسط حقوقه , ولكن خوفها من أن تصبح هي المتهمة.تجده يبرر بعده عن الله , بمشاغل الحياة وهموم الأسرة وطبيعة الوظيفة , وتناسى أن الله تعالى قال .. إن من أولادكم وأزواجكم عدو لكم فاحذروهم.وهناك من الدول من تميز في فن لعب دور الضحية .. أمثال الدولة الصهيونية , فهم دائما ما يظهروا أنفسهم على أنهم مستضعفين مهزومين حتى يتعاطف معهم العالم , تجدهم دائما ما يذيعون ما فعله بهم هتلر وأنهم شعب مضطهد , حتى الآن فالمسلمون لا يجعلونهم يهنئون بعيشة فهم دائما ينغصون عليهم حياتهم , فهم لا يعرفون لماذا يفعلوا هذا بهم .. مساكين هم اليهود .

ولايزال الدور موجودا لمن أراد لعبه .. ما عليك إلا أن تقرأه جيدا وستشعر حينها براحة عظيمة .. بل ستجد من يواسيك وأنت الجلاد , يشاطرك أحزانك وأنت من أوقع نفسه في هذه البركة , يحنو عليك .. هذا كله لأنك أحسنت .. لعب دور الضحية .. فهنيئا لك.