عمرو خالد ضمير المتدين المصري نشر في جريدة المصري اليوم بتاريخ ٢٩/٩/٢٠٠٧
بقلم منتصر الزيات
حكي لي نفر ممن شاهدوا برنامجا بثته إحدي الفضائيات الجديدة في الليلة الثانية من ليالي رمضان، حضره الداعية المتميز عمرو خالد علي الهواء مباشرة أن الصحفي الكبير طلعت رميح وجه سؤالا لخالد عن علاقته بالمخابرات الأمريكية من عدمها؟ الأمر الذي أغضب الداعية المخلص، نحسبه كذلك ولا نزكي علي الله أحدا، والذي نثق به أن رميح لم يكن لينتظر جوابا محددا علي هذا السؤال الغائر.
والحقيقة لقد استفزني كثيرا هذا السؤال، وأن يصدر عن كاتب مخضرم بحجم طلعت رميح، وهو نفسه تعرض لمظالم من رفاق له في طريق النضال، كان ينبغي أن تتيح له القدرة علي كشف أعراض أمراض القلوب مبكرا أكثر من غيره ممن لم يتعرضوا لمثل ما تعرض له.
أظن، وليس كل الظن إثمًا، أن دعاة كثيرين علي مر التاريخ تعرضوا لمثل هذه المضايقات أو الانتقادات وغيرها من الابتلاءات التي تتنوع سجنا أو اعتقالا أو ادعاء أو إشاعة، لكن خالد يتعرض منذ سنوات لحملة عاتية تسعي للنيل منه، أو التأثير في حجم القطاعات التي يتحرك داخلها.
لقد أحاطت شكوك كثيرة بظروف إقامة خالد خارج الوطن فجأة وتناولت تلك الإقامة التي وصفت بالجبرية حينا، وبالمنفي الاختياري حينا آخر، دون أن يستغل الرجل الموقف فينفخ في جماهيريته، وكم من ناس يستغلون مواقف وهمية للإيهام بحجم الضغوط التي يتعرضون لها، لم يكن مستساغا فكرة قبول سفره المفاجئ وإقامته بالعاصمة البريطانية لندن، للدراسة العليا التي يزمع الانتهاء منها، وإلا لما تنقل للإقامة بين لندن وبيروت.
هي إذا رغبة الداعية في تضييق فجوة الظروف التي أودت بخروجه المؤقت من مصر واستيعابها والتقليل من آثارها، ثم مواصلة طريقه من جديد وهو ما حدث، فقد اجتاز الأزمة أو يكاد بحسن تعامله معها، فالحقيقة هناك من يجهلون كيفية مواجهة الأزمات ويتعاملون معها بهرتلة أو هرجلة دون أن يعلموا أن معالجة الأزمات فن وعلم لا يقدر عليه إلا أولو الألباب.
هناك صنف من الناس ربما هم دائما من الكبراء والملأ يسوؤهم وجود الدعاة المخلصين، ربما لأنهم من بلاط السلطان والحكام، يستعرضون مواهبهم في رجم الطاهرين، ألم يقولوا من قبل (أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) كأن الطهارة جريمة والإيمان خيانة والتحاكم لشريعة الله قضية لقلب نظام الحكم!! ربما أيضا هؤلاء من مهامهم كتابة التقارير وتدبيج الوشايات، وأف لحكام يتولون المنافقين بطانة، وقد تعوذ سلفنا الصالح دوما من الخيانة لأنها بئست البطانة.
لقد نعي بعضهم علي عمرو خالد أن منحته مجلة «تايم» جائزة تعطي لثلة من الذين يؤثرون في مجتمعاتهم، يا سبحان الله، ما لكم كيف تحكمون!! ما لكم لا تستهجنون منح زيد أو عمرو جوائز من مؤسسات أمريكية أو أوروبية، لماذا تصدرون بها الصحف وتدبجون لها المقالات !! إن «التايم» من كبريات الصحف التي تتميز بالمهنية علي مدار العالم كله، والشائع في أوساط بلاط صاحبة الجلالة أن من تتناولهم «التايم» بالنشر قد حازوا الشهرة، فما بالكم لو قدرت أن خالدا بين مائة يؤثرون في مجتمعاتهم!!
وهنا السؤال: هل هو مؤثر فعلا في مجتمعه العربي الإسلامي أم لا؟ والإجابة عن هذا السؤال هي مربط الفرس، وقياس هذا إنما يكون برصد مسيرته وتحركاته ومشروعاته التي يقدمها من خلال برامجه، فهي ليست عواطف يبثها ويمضي، أو ثورة يلقيها بين تلامذته ومريديه ويذرهم يواجهون مصيرا مجهولا، قلت للمحقق يوما وهو يباشر التحقيق معي: لا تسألني بمفردي لا بد أن تسأل قبلي من وضع الثورة في أعماقي دون أن يحدد لي برنامجا للإصلاح أو التغيير !! لقد تم تثوير جيلي بما لم يدع لنا مجالاً غير الاجتهاد في فهم مراميه ولسنا أهلا للاجتهاد، وهكذا وقعت الكوارث في زمن غاب فيه العلماء والدعاة وغابت المؤسسة الرسمية، التي تصدر احتجاجات تَتْري علي من يسمونهم الدعاة الجدد.
ونفس الشيء يوم اختارت بريطانيا عَمْرا بين الدعاة المؤهلين لتغيير مجتمعاتهم بوسائل وآليات معتدلة، ما الذي يرمي عَمْرا بهذه الاختيارات ؟ إنه لم يسع إليها ولم يتأثر بها ولم يعمل وفقا لأجندة أعدائه بقدر ما عمل لقومه وشعبه ومحبيه وللإسلام الذي يحبه ويعتقده وفق قراءته وفهمه، وقد تختلف القراءات والرؤي دون أن يختلف إخلاص أصحابها، فهو تنوع أصحاب المذاهب والمدارس الفقهية والفكرية، وحينما ذهب للدنمارك اختلفنا معه واختلف معه عدد من العلماء والدعاة والمفكرين، لكن تم تجاوز هذا الخلاف، فلا يعني الخلاف في مسألة أن نقطّع أواصر الأخوة بيننا.
آه لو أننا قدرنا ضرورة التنوع وفقهنا إيجابياته لبرعنا ووظفنا كل الإمكانيات والطاقات في جسد الأمة، بما يعيدنا لواجهة المشهد من جديد.
من حق عمرو خالد أن يختط المنهج الذي يراه ملائمًا لنشر دعوته الإصلاحية، فالرجل يصرخ في ضمير الأمة أنه ليس فقيهًا إنما واعظ، إنه صوت المجتمع في ضرورة العودة من جديد بقراءة عصرية، ما ضر خالد لو أنه عالج سقوط شعره طالما أنه يبذل من قوته وجيبه، كنا نحاسبه لو فعلها من خزينة الدولة أو كان مسؤولا كبيرا أو صغيرا، اعتنوا بقراءته وقدرته علي إنفاذ قيم الأمة في عقل وضمير أبنائها قبل فوات الأوان فقد قال خير البشر قديما: «هلك المتنطعون».