 القيادة هي معرفة توجيه الناس و هم يحبونك 1
سبب اختيار الأستاذ عمرو خالد لهذا العمل وتكريس له وقته وجهده... ما هو مفهوم القيادة؟ وما هي الصفات والخصائص التي يجب أن يتحلى بها القائد القدوة؟ وما هي أنواع القيادة؟ وأيهم أنفع وأكثر تأثيراً وأنجح في الحياة؟
وأخيراً كيف تصف العلاقة بين القادة والتابعين؟ كل هذه الأسئلة يجيب عنها الأستاذ عمرو خالد في حوار أجرته معه الآنسة رانية الصباغ من لبنان شهر مايو 2003
وهذا هو نص الحوار:
مقابلة مع السيد عمرو خالد، أجريت في بيروت – لبنان، في الثاني عشر من شهر أيار/ مايو لجامعة الأمم المتحدة أكاديمية القيادة الدولية. أجرتها معه الآنسة رانية الصباغ
بالنيابة عن جامعة الأمم المتحدة أكاديمية القيادة الدولية، أشكر حضورك سيد عمرو خالد و تشريفك لنا في هذه المقابلة لبرنامج القيادة الشابة الذي سيتم إطلاقه قريباً في الأردن و الذي يهدف لأن يمتد إلى بقية الدول المجاورة في الشرق الأوسط. كما نعلم سيد عمرو حضرتك درست و تمتهن المحاسبة واخترت أن تخاطب الشباب و تحدثهم عن الأخلاق التي دعا إليها الإسلام و تخلّق بها الرسول (صلى الله عليه وسلم).
لماذا اخترت هذا العمل؟ ما الذي يحفزك لتكريس جزء لا بأس به من وقتك للمحاضرات العامة و الحوار الأسبوعي على موقعك على الإنترنت؟
(في البداية أشكركم على هذه الإستضافة و هذه الدعوة، شرف لي أن أكون معكم في هذه المقابلة. الذي جعلني أتجه لهذا العمل هو الإحساس الذي في داخلي و هو إحساس متفجر بمسؤولية علي تحملها، عندما كنت صغيراً كنت أرى أموراً لا تعجبني في الناس سواء كانت أخطاء أو أمور أخلاقية أو إيمانية أو أناس لا تقوم بعملها كما يجب فيتولد في داخلي بركان، أقول لنفسي يا ليت هنالك من يحدثهم بحديث يؤثر فيهم و يغيرهم، و لم يكن في بالي أن أكون من أحد القائمين بهذه المهمة و لكن في داخلي طاقة ورغبة وغيرة على الأمة و على الناس و على الإسلام و بذلك بدأت تتفجر في داخلي طاقات بأن أحدثهم، فلاقى هذا الكلام قبولاً لدى الناس فشاء ربنا تبارك و تعالي برحمته و تدبيره هو أن يوسع لي القاعدة التي ينتطلق منها حديثي و بدأت الناس تسمع و بدأت أحس إن المسؤولية تزداد و بدأت أحس إني أتحمل دوراً أكبر. فلا تستطيعين القول بأني رتبت أن أقوم بهذا الدور منذ كنت طفلاً و لكن يبدو إن الغيرة و الإحساس بمسؤولية ما تؤديان إلى نجاح المرء في الأمور التي يغار عليها.
كيف تعرّف مفهوم القيادة من منظور التحديات التي تواجه القيادة في المجتمع العربي المسلم ؟ و ما هي الصفات و الخصائص التي يجب أن يتحلى بها القائد القدوة في هذه المجتمعات؟
إذا أردت أن أعرّف القيادة بقدراتي المتواضعة فإني أقول أن القيادة هي معرفة توجيه الناس و هم يحبونك، أن تعرف كيف تقول للناس أن تفعل كذا و كذا و كذا والناس تحبك و لكي يحصل هذا فإنه يحتاج لتوافر الكثير من الأمور. أولاً، يحتاج ذلك لأن يثق الناس بك ويحتاج أن يجدك الناس قدوة و يحتاج إلى الكثير من العلم و المعرفة فهو يحتاج أن يقرأ القائد كثيراُ، لأن يقرأ في تخصصات الإدارة و فهمها إلى جانب أن يتعمق جداً في تخصصه. هنالك فرق بين القائد الذي لديه إلمام بالشركة التي يقودها أو في المجال الذي يقود فيه، فقائد الفريق الرياضي في الملعب هو قائد أيضاُ و من الأمثلة على القادة أيضاُ المخرج، كل هؤلاء و غيرهم من القادة في أي من المجالات عليهم الإلمام بمجال عملهم فجزء كبير من القيادة هو الفهم، أن يفهم القائد كيف تتم هذه الجزئية أو تلك في مجال عمله، فيبدأ الناس يثقون بالقادة و يبدأ القائد بتحصيل أدوات القيادة التي يقود بها. يوجد قول جميل جداً للإمام الشافعي: " إذا سُوِّدَ الحدث، فاته خيرٌ كثير"، عندما يكون القائد شخص صغير في السن غير ملم بخبرات الحياة يفوته الكثير من الخير فلا يعرف أن يقود فخبرات الحياة و دعكة الحياة و التجارب العملية و الإحتكاك في الحياة هي من أهم ادوات القيادة. فنحن نجد مثلاً أن فلان من الناس صاحب شركة كبيرة فيوعز بتحضير مكتب لابنه و يجعله في مجلس الإدارة و يصبح رئيس مجلس الإدارة. و الناس قبلت بهذا لأنه صاحب المال و لكن بعد أن يتوفى صاحب الشركة سيفقد هذا الولد الشركة بالكامل. لكن هنالك نموذج آخر، فلان صاحب الشركة أحضر ابنه و في البداية جعله يعمل مع الفرّاشين و بعد ذلك جعله يحمل على ظهرة الطوب والحجر الذي تبنى به العمارة و بعد ذلك نقله للمكاتب بالتدريج بعد أن تأكد أنه فهم كيف تحدث كل صغيرة و كبيرة في الشركة و طبقها تطبيقاُ عملياً فأصبح هذا الفتى قائد. إذاً أجمل صفات القائد مرة أخرى: أن يثق بك الناس، أن تمثل قدوة للناس، أن تتعلم، أن تكتسب خبرات عميقة في المجال الذي تقود فيه، و رابعاً أن تتحلّى بالأخلاق النبيلة و بالذات التواضع فيحبك الناس و تحقق نتائج.
يوجد نوعين من القيادة:
1. أن تقود بما تملك من سلطة و بما تملك من أدوات
2. أن تقود بالحب
يا ترى من الذي يحقق نتائج أسرع و أحسن و معدلاتها أعلى؟
من الممكن أن تحقق في النوعين نتائج و ممكن أن تكون نتائج سريعة و لكن الذي سيقود بالحب فإن الناس ستبذل (و هذا أمر لا أحد يستطيع التحكم به) مجهوداً و طاقة و تبرز إبداعات فكرية أكبر و تختلف عن الذي يعمل و هو يكره مديره. لو كل مدير شركة، لو كل صاحب عمل، لو كل واحد يقود مجموعة من الناس قرر أن يقودهم بالحب... و لذلك كان هذا محور أساسي في قيادة النبي (صلى الله عليه وسلم) "فبما رحمةٍ من الله لنت لهم و لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعفُ عنهم" يعني ربنا يدل النبي على أدوات القيادة "فاعفُ عنهم و استغفر لهم و شاورهم في الأمر". فمن مقومات نجاح القيادة أن تكون لديها القدرة على أن تجعل الناس تحبها. كيف أستطيع أن أجعل الناس تحبني؟ بالمعاملة، بالرحمة، بالود، بعدم القسوة، باللطف في المعاملة، بالسؤال على الناس، بالتواضع الشديد، أأكل معاهم و أسأل عليهم و أبارك لهم في مناسباتهم و أزورهم في أعيادهم وأشاورهم. أحسن قائد هو الذي يجمع عقول الآخرين و يضيف عليها عقله و يتحرك بمحصلة القوى و التى هي عبارة عن مجموع كل العقول. حتى لو كانت هذه العقول صغيرة و خبرتها ما تزال قليلة، فإنها بالتأكيد ستبرز جانب لم تبرزه أنت (كقائد). و لكن القائد الذي يقول "أنا أقول" و الذي يأمر بفعل كذا بناءً على رأيه الشخصي من دون أن يسمع للآخرين هو بالتأكيد قائد غير ناجح. لذلك لدينا سورة في القرآن اسمها سورة الشورى، يحدث الله سبحانه و تعالي فيها النبي (صلى الله عليه و سلم) مع أن النبي (صلى الله عليه وسلم) يملك الكثير من المعلومات و العلم والخبرة و مع ذلك يأمره الله سبحانه وتعالى بالشورى. يوجد مثال جيد عن الشورى للنبي (صلى الله عليه و سلم)، ففي يوم غزوة أحد شاور النبي الصحابة فكان رأي الصحابة الخروج للحرب و كان رأي النبي المكوث في المدينة، لكن الغالبية أرادت الخروج فخرج النبي( صلى الله عليه و سلم) فكانت النتيجة انكسار الجيش في أحد و موت 70 صحابي. و عندما عاد النبي للمدينة تنزل الآية "و شاورهم في الأمر". حتى لو كانت النتيجة هزيمة فإن الشورى تحقق نتائج أفضل.
فهذا مجمل للصفات الواجب توافرها في القائد ونضيف عليها بعد كل هذا الموهبة الشخصية. يعني هو لديه موهبة قيادة الناس فلو تواجدت فيه هذه الموهبة يكون قائد فذ. لو لم تتوافر فيه الموهبة ولكنه يملك كل تلك الأدوات فإنه يكون قائد ناجح جداً و تأتي الموهبة بمرور الوقت.
كيف تصف العلاقة بين القادة و التابعين أو الأتباع؟
(تقريباً نكاد نكون ذكرنا ذلك، علاقة الحب هي أجمل علاقة. علاقة الحب و علاقة الثقة هما أكثر العلاقات التي تحقق نتائج. علاقة الثقة تعني إن الكلام الذي يقوله القائد هو الكلام الصحيح. أما بالحب فأنا أقول أنا لا يعجبني كلامه و لكن سأنفذه لأني أحبه. بالمناسبة، تلاحظين في شركات كثيرة لدينا أن معدلات دوران العمالة و خروج الموظفين معدلات عالية جداً مع إن مرتباتها عالية، لأن الموظف أول ما تتاح له فرصة أفضل يترك العمل. في نفس الوقت تجدين شركات أخرى المرتبات فيها أقل بكثير لكن الناس لا ترضى أن تترك الشركة لأنهم يحبون المدير، وعندما يتغير المدير تجدين معدلات دوران العمالة بدأت تصبح مثل الشركات الأخرى. فعلاقة الحب تنتج نماذج جيدة جداً جداً. فأحلى علاقتين بين قادة و تابعين، لكني لا أريد أن أقول كلمة تابعين، أريد أن أقول قادة ومشاركين، هما علاقتي الثقة و الحب من جانب القائد. و لكن من جانب المشاركين، مطلوب منهم الصبر و الإصرار على النجاح لكي يعتمد عليهم القائد و يمنحهم ثقته. فالقائد عندما يجد فلان لا يريد أن يعمل فإنه لا يعطيه الثقة. و لكن إذا كان فلان يريد أن ينجح فإنه يحصل على ثقة القائد و على مشورة القائد. يبدأ القائد بأخذ مشورته و رأيه.
| |
|