ملحوظة:
تم تغيير
الأسماء لخصوصية
الواقعة.
لم أصدق أنني سأخرج من المدرسة ... ليس لأن أسرتي كلها من المتعلمين .... ولكن لأني
كنت أرى في التعليم كل حياتي .. بنيت كل آمالي وأحلامي وطموحاتي على أنني سأحصل على
شهادة جامعية .. أغير بها وجه حياتي وحياة أسرتي .... وكنت أنجح كل عام ... فلماذا
يقرر أبي أن يحرمني من الذهاب للمدرسة ؟؟ اقتربت بعد أن خرج إلى الشارع ليسرح بعربة
الكشري الصغيرة التي تشكل كل رأسماله ومصدر دخل الأسرة .. اقتربت من أمي ... لازلت
أذكر وجهها الحزين حين لمحتني أقف بجوار الباب
-
معلش يا روحية .. غصب عننا يا بنتي ... مفيس فلوس
تكفيك أنت وأخواتك تعليم .. وأنت الكبيرة .. ساعديني في البيت ... وقريباً تتجوزي
وربنا يكرمك
-
أساعدك آه .. أتجوز دلوقتي لا يا أمي .... ده أنا لسه
رايحة سادسة
-
ربنا يستر يا بنتي
كان عمري وقتها عشر سنوات .... ورغم مرور خمسة وعشرين عاماً على هذا الموقف إلا أني
لازلت أذكره كأنه بالأمس .... وارتعاش قلبي من الحزن .. وانهيار عالمي كله
طبعاً لا أستطيع أن أتذكر الآن ..كيف تمالكت وتماسكت .. ولا كيف قررت أن أستمر وأن
أنتصر لحلمي وألا أكلفهم شيئاً .. ولكنني أتذكر أني كنت أحاول كسب المال بكل السبل
.. فكنت أحياناً أساعد الجيران في شراء الحاجيات .. أو مسح البلكونة وكانت القروش
التي أحصل عليها هي كنز أحتفظ به
ونزلت أسرح مع أبي على عربة الكشري وجمعت كل قروش البقشيش القليلة .. وظللت على هذا
الحال لمدة عام كامل ....أما ماذا فعلت بكل ذلك ؟؟؟ بدأت أذاكر مع أخي الأصغر ..
دخل هو الصف السادس ودخلت معه .. واستأمنته على سري حتى لا يغضب أبي ... ولم يخذلني
كان يعود من المدرسة فيقوم بدور المدرس ويشرح لي قدر استطاعته ما فهمه في الحصة ..
وكنت ألتهم كل ما يقول وما لا يقول .... وظللت على هذا الحال إلى أن انتهى العام
... واقترب وقت الامتحان .. فذهبت إلى مدرستي واستقبلتني المشرفة استقبالاً حاراً
لا أنساه حتى الآن ولم تمحه الأيام ... واتفقت معها أن تقدم لي في امتحان
الابتدائية وأعطيتها كل ما معي من مال .... وكان رغم كل التعب قليلاً .. ولكنها
أكرمها الله وبارك لها أكملت المبلغ المطلوب ... وتحججت بصحبة أخي للاطمئنان عليه
وذهبت وامتحنت .. ونجحت ...
ولم أفرح في حياتي لا يوم الماجيستير ولا يوم الدكتوراه حتى كما فرحت يومها .....
وزادني هذا عزماً أن أستمر فيما بدأته .... واستمريت على خططر ... وأديت امتحان
الإعدادية ... ونجحت ... وجاءت المشكلة الكبرى .. أخي لم يحصل على ما يؤهله لدخول
الثانوي العام .. واختار التعليم الصناعي .. أما أنا فقد حصلت على مجموع يؤهلني
للثانوي العام ..... وفي لقطة لا أنساها دخلت على أبي ... يوماً بعد العصر .. ونظرت
إليه في عينيه وقلت له :
هل تأخرت عنك أو عن أمي منذ أن تركت المدرسة؟؟
قال : أبداً ..... ده أنت بركة من عند ربنا يا بنتي
فاستجمعت أنفاسي وقوتي وقلت له .. لقد نجحت في الشهادتين الابتدائية والإعدادية ..
ومجموعي أكبر من محروس .... هل تقبل أن أقدم للحصول على الثانوية العامة من منازلهم
؟؟؟ وسأستمر كما كنت ولن أخذلكما ... استمر هذا الحديث بين شد وجذب وزواجي المستهدف
في القريب من أي واحد ابن حلال .. والمصاريف ... ولكني ضحدت كل شيء .. وبنفس الصبر
والإصرار الذي جعلني أسير في طريق حلمي قاومت .. ووافق أبي أخيراً مع وضع شروط
شديدة القسوة .. على أعمالي في البيت ومساعدته في إعداد الكشري ... و ... و...
ووافقت
ما تغير في حلمي هو أنني كنت أطمح أن أكون طبيبة ولكني غيرت ذلك لأدخل القسم الأدبي
... وتفوقت ودخلت كلية الآداب ... وانتسبت أول سنة رغم أن مجموعي كان يؤهلني
للانتظام .... ولكن في السنة التالية كان أخي قد استقر في عمله بأحد الورش ...
وتحمل مع أبي جزءاً من النفقات .. كما أني حصلت من الجامعة على منحة التفوق التي
كانت ثمانية جنيهات في الشهر ولكنها كانت كنزاً بالنسبة لي .. منها مواصلاتي وطعامي
وملابسي وكان علي أن أدبر الكتب .. إما بنقل بعضها من المكتبة أو من الزملاء
لن أطيل عليكم فقصص الكفاح تصبح سخيفة حين نسردها .. لأن الكفاح والتعب فيه من
الآلام واللذة ما يعجز القلم عن وصفه مهما كان بارعاً
فسردي لمواقف تمنيت أن تنشق الأرض وتبتلعني وقد ارتديت فستاناً بالياً رثاً وأحد
الأساتذة مصمم أن يحدثني عن تفوقي ومستقبلي لن تصل إلى من لم يجربها ... وجوعى
أحياناً واشتياقي للقمة فول واحدة .. مع تصميمي أن أتدب في طعامي لأشتري حذاء لن
يراه أحد إلا من ذاق الجوع
إذاً مرت السنوات الثلاث .. وللأسف لم أحقق ما يؤهلني للتعيين كمعيدة في كليتي ولكن
رب العباد لا يضيع عمل عامل .. فقد افتتح فرع لجامعة القاهرة في الفيوم وتم قبولي
معيدة في هذا الفرع ... وكنت أسافر يومياً .. وتقدمت للماجيستير .. وحصلت عليه ثم
للدكتوراه .. وتم ترشيح رسالتي ليشرف عليها أحد الأساتذة الأجانب في علم الاجتماع
.. وسافرت الى انجلترا .. أنا التي لم تركب سيارة إلا في حلمها ركبت الطائرة إلى
مطار هيثرو .... وأصبحت الأستاذة الدكتورة روحية مجاور عبد المتعال
وتحقق حلمي ,, واشتريت شقة لأسرتي .. وتعاونت مع أخوتي لنفتح محلاً لأبي .. ليستمر
في العمل ولا يشعر أنه عالة على أحد وخرجنا من الحارة التي كنت أحبها ومازلت أزورها
.. وأقضي في بيتنا ساعات أصفو فيها إلى نفسي حين تجتمع مشاكل الحياة فوق رأسي ..
وصرت أنا ... روحية فخر أهلي كلهم ... ولم يعد أحد ينادى أبي أطال الله في عمره
بأبي محروس .. بل أبو الأستاذة