أحمد بن حنبل .. إمام التيسير



حوارات عمرو خالد " لكل الناس "

 حوار أجراه أ. عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ15/8/2007

 عامة الناس يتصورون أن الإمام أحمد بن حنبل هو إمام التشدد بدليل أنهم يقولون على أي شيء متزمت أنه " حنبلي " بمعنى غير متساهل .. ولكن الحقيقة التي يكتشفها من يقرأ سيرة حياة وفكر ابن حنبل يدرك .. كما يؤكد الداعية عمرو خالد أنه على العكس، يبدأ الداعية عمرو خالد حلقاته عن الإمام أحمد بن حنبل رابع الأئمة الأربعة.

على عكس ما يردده الناس:

أحـمـد بـن حـنـبـل .. إمـام الـتـيـسـيـر

في بداية حديثه عن سيرة وفكر الإمام ابن حنبل هو الوحيد الذي لم يرصد عيوباً في المدارس الأخرى، فلا توجد له كلمة معيبة في الإمام أبي حنيفة رغم أنه لا يوافق على مدرسة أبي حنيفة، فقد كان عفيف اللسان، شديد الصلابة في المبدأ، لم يحدث أن ذم يوماً الإمام مالك أو الإمام الشافعي، وكان دائماً يتحدث عن الأئمة الثلاثة الذين سبقوه باعتبار أنه تعلم منهم مثلاً .. يقول أحمد بن حنبل عن أبي حنيفة أن  أول من تعلم على يديه هو أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة، وأنه أخذ منه مسائل كثيرة دقيقة، لا يعلمها إلا أبو يوسف، رغم أنه يختلف مع مدرسة أبي حنيفة .. لكنه يبحث عن مساحات ومناطق للتعايش مع الآخر.

ويقول ابن حنبل أنه افتقد مالك، وكان يتمنى أن يكون ممن عاصروه في حياته ويقول: لقد أخلفني الله بسفيان بن عيينه لينقل إليّ فقه الشافعي فما يقوله الشافعي أنا معه فيه.

إمـام الـسـنـة

كان أحمد بن حنبل يرى أن المشكلة بين مدرسة الحجاز ومدرسة العراق لم يحلها الإمام الشافعي حين وضع قواعد للمزج بين المدرستين، لكن المشكلة أن كلتا المدرستين لم تستحوذا على كل أحاديث النبي " صلى الله عليه وسلم " .. وخلال القرنين الأول والثاني الهجري كان الجميع يسعى لتجميع كل أحاديث النبي.

ويرى ابن حنبل أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن بعض علماء العراق يفتون على الرغم من أن كل أحاديث النبي لم تتوافر لديهم وكان أحد أسباب الاختلاف أن أبا حنيفة قد يفتي في أمر وهو لم يطلع على أحاديث للرسول وكانت موجودة لدى مالك في الحجاز، وكان حين يصله الحديث يقوم من فوره بتعديل فتواه.

لهذا نذر أحمد بن حنبل عمره لتقليل مساحة الاختلاف بين المسلمين، كان الحل الذي اهتدى إليه الإمام أحمد بن حنبل هو تجميع كل الأحاديث النبوية الشريفة من كل أنحاء العالم الإسلامي، فقد أمر عمر بن الخطاب الصحابة بالانتشار في البلاد، وانتشرت معهم أحاديث النبي، وقد جمع الإمام أحمد بن حنبل أحاديث النبي في كتاب أسماه

" مسند الإمام أحمد ". وكان دقيقاً في جمع الأحاديث. سأله ابنه: يا أبت لمَ لم تؤلف كتاباً في الفقه؟

قال: يا بني جعلت هذا الكتاب إماماً إذا اختلف المسلمون رجعوا إليه فلا يختلفون. من هنا كان الإمام أحمد بن حنبل هو أول من جمع السنة، لهذا هو إمام السنة، وبدأ الإمام أحمد يرد على مدرسة الرأي فيقول لهم: أحاديث النبي فيها الكفاية. وقد ساعد الإمام أحمد بجمعه للأحاديث البخاري، فمهد له الطريق. وأحمد بن حنبل مهد له الطريق الإمام مالك بكتابة الموطأ، فهى سلسلة من التعايش بين الأجيال.

مـحـنـة " خـلـق الـقـرآن "

حين نقول أحمد بن حنبل يقفز إلى أذهاننا شيئان:

1-      أنه الذي جمع الأحاديث من صدور الرجال في العالم الإسلامي،

2-   الثبات عند المحنة، فهو بغدادي المولد والنشأة والحياة والممات. هو ابن بغداد حيث الترجمة والثقافات الأخرى والأفكار اليونانية والفارسية، وبعض الأفكار الواردة من الخارج تريد أن تدس في الإسلام سموماً تفسد نسيج الإسلام السهل، فظهر المعتزلة الذين يريدون إشاعة أن الإسلام دين معقد، بينما النبي " صلى الله عليه وسلم " يقول: إنما بعثت بالحنفية السمحة.

وبدأ المعتزلة يتوددون إلى الحكام، حتى أصبحوا جزءاً من الوزارة، فظهرت محنة " خلق القرآن " هل القرآن مخلوق أم أزلي؟

 فيتصدى الإمام أحمد بن حنبل لهذه الأفكار وحده، لابد أن يبقى الإسلام بسيطاً عفوياً، إله واحد لا شريك له، أرسل الأنبياء يكلمون بعضهم بعضاً في الدعوة لعبادة الإله الواحد.

وذهب المعتزلة إلى الجحيم، وبقى الإسلام عقيدة جميلة وسهلة بفضل ذلك الرجل وحده، الذي جمع السنة، وحافظ على تبسيط العقيدة.

أخـلاق بـنـي شيـبـان

كيف واجه أحمد بن حنبل المحنة وقد وقف الخلفاء ضده بكل ما يملكون من قهر وحديد ودماء وسياط وتعذيب؟

عاش الإمام أحمد بن حنبل من عام 164 هجرية، أي أنه عاش 77 سنة وهو تقريباً نفس عمر الإمام أبي حنيفة، وهو ينتمي إلى قبيلة عربية أصيلة، يروى أنها أتت إلى النبي من العراق واسمها قبيلة بني شيبان، ومن أجداده المثنى بن حارثة، وقد طلب النبي " صلى الله عليه وسلم " من هذه القبيلة الحماية.

يقول ابن الأثير عن قبيلة بنى شيبان: هم الأعز جاراً والأقوى منعة والأكثر ناساً، وعندما ذهب أبو بكر الصديق مع النبي إلى بنى شيبان قال: يا رسول الله هؤلاء بنو  شيبان! حينها رد زعماء بني شيبان على النبي بأنهم لا يستطيعون مساعدته لأنهم على حدود الفرس.

وعاد النبي وهو يقول لهم: جزاكم الله خيراً إذ أفصحتم بالصدق. ثم مال على أبي بكر قائلاً:أي أخلاق في الجاهلية هذه؟ وكان النبي " صلى الله عليه وسلم " يرى أن الآخر ليس كله سيئاً، وقد أثنى على بني شيبان رغم أنهم لم يساعدوه، ثم طلع من بينهم المثنى بن حارثة أول من هاجم دولة الفرس في الفتوحات الإسلامية.

هذه هي القبيلة التي انحدر منها أحمد بن حنبل لكنه كان فقيراً جداً، وظل هكذا حتى نهاية حياته، ومع ذلك اتسمت شخصيته بالصلابة الشديدة والزهد، تأتيه الدنيا ثلاث مرات ويردها، هو نسيج متفرد من الرجال. 

فـضـل أم ابـن حـنـبـل

حين صار عمره ثلاث سنوات، مات أبوه ومات جده في نفس السنة، يقول: ولدت فلم أر أبي، ولم أر جدي، وربتني أمي وهو بهذا قريب في ظروفه من الإمام الشافعي، وقد مات أبوه وهو لم يزل في الثلاثين من عمره. وكانت أمه تقريباً في الخامسة والعشرين من عمرها، ونذرت نفسها لتعليم هذا الفتى العلم والورع والإيمان والدين. حفظت أمه القرآن وتعلمت القراءة والكتابة، واهتمت الأم بتنمية بعض مهارات الابن كأن يكون خطه جميلاً في الكتابة.

وحفظ القرآن الكريم وأجاد القراءة والكتابة كانت الأم حنوناً معه إلى أقصى حد، كان أحمد بن حنبل نهماً في تلقيه للعلم، وكان يحب النزول للمسجد قبل صلاة الفجر ليحجز لنفسه مكاناً في الصف الأول في مواجهة المعلم الذي يعطي الدروس بعد صلاة الفجر، وذات ليلة موحشة وباردة نهض للخروج مبكراً كعادته، فأمسكت أمه بثيابه وقالت له: ابق حتى يؤذن للناس .. يقول: فأقاوم نهمي طاعة لأمي.

في ديـوان الـخـلـيـفـة

ذات مرة أتى فقيه اسمه جرير بن عبد الرحمن إلى بغداد لإعطاء الدروس، فنزل في الشاطئ الشرقي لدجلة، فهرول الناس لعبور دجلة، لكن تصادف حدوث ارتفاع في منسوب مياه دجلة ، لدرجة أن والي بغداد أمر بعدم عبور النهر، لكن الفقهاء تجاسروا وعبروا وكان لابن حنبل صديق قال له: ألا تأتي معنا؟ فقال: قالت لي أمي لا تذهب، ولا أريد لقلبها أن يتغير علّ.  كان عمره حينئذ 17 سنة .. وكان لكيلا يغضبها يذهب إلى بعض الدروس دون أن يخبرها بذلك. 

يحكي ابن حنبل فيقول: خرجت مرة إلى الكوفة لأتعلم العلم دون أن أستأذنها، وكان عمري 16 عاما، فأصابتني في الطريق الحمى،  فعدت إلى أمي معتذراً إلى ربي. وفهمت أمه من ذلك الحادث أنها لابد أن تترك له الحرية ليذهب أينما شاء، فانطلق الإمام أحمد، وكان عمره 14 عاماً، واهتمت الأم بتنشئته على العبادات.

يقول أحد العلماء واسمه إبراهيم بن شماس: والله كنت أرى بعيني أحمد بن حنبل وهو غلام يقوم الليل يحيي الليل حتى الفجر، أمه تدفعه لذلك، فقلت لنفسي: إذا عاش هذا الغلام فسيكون عالم العصر.

حين بلغ الرابعة عشرة، كان له عم يعمل في ديوان الخليفة المنصور، ومهمته كتابة الرسائل الواردة وردود المنصور عليها، واقترح عمه على رئيس البريد مساعدة أحمد له حين يكون العم مريضاً أو متعباً، فأتيح لأحمد بن حنبل أن يرى عالماً لم يكن بإمكانه الإطلاع عليه لولا أن أتته هذه الفرصة التي هيأها له عمه.

التحق ابن حنبل بديوان الخليفة وبدأ في كتابة الرسائل، يقولون: ما رأينا أعجب منه، كان يقرأ فإذا وجد شيئاً حراماً، يرفض أن يكتبه، فكانوا يتعجبون لورعه، يقول: أنا لا أكتب هذا، أعطِ غيري في الديوان من يكتبه " خاصة ما يتعلق بالمكائد والوقيعة والقتل والجواري ". وفهم ابن حنبل كيف تسير أمور الحكم والحكام.

وحين كان يعترض ابن حنبل على كتابة رسالة يسأله رئيس الديوان: لم؟

يقول: مر غيرى يكتبه فأنا لا أكتب هذا الكلام.

يقول رئيس الديوان: انظروا إلى هذا الغلام ورع لله فكيف نحن؟ وكان يقول: والله إني لآتي بمؤدبين لتأديب أولادي فلا يفلحون، أما هذا الغلام اليتيم فقد بلغ من التقوى والورع ما يجعلنى أقول سيكون له شأن.

بـدء الـمـسـيـرة الـعـلـمـيـة

وبدأ الإمام أحمد بن حنبل بعد ذلك ينسخ الكتب ويتقاضى أجراً عن ذلك. وكان يأبى أن يساعده أحد مادياً، حتى ولو كان من يريد مساعدته من الأقارب المقربين، كان مبالغاً في تعففه، صار عمره 16 سنة، وبدأ يتلقى العلم على يد أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة النعمان، ولم تعجبه مدرسة الرأي، وبعد أن استوعب علم أبي يوسف كله تركه ولمعت في خياله فكرة السفر والطواف ببلاد المسلمين لجمع أحاديث النبي من علماء الأمة الذين لا يلتقون معاً، ووضعها جميعاً في كتاب يكون إماماً لعلماء الأمة إذا اختلفوا، فيرجعون إليه، واقتنع بأنه لو تحقق له ذلك يكون قد أدى خدمة عظيمة لسنة النبي " صلى الله عليه وسلم ".

وعاش أحمد بن حنبل لهذا الهدف منذ أن صار عمره ستة عشر عاماً. يقول بن حنبل: فانتقلت إلى أكبر عالم في بغداد بعد أبي يوسف واسمه هشيم بن هشام، فجمعت منه ثلاثة آلاف حديث نبوي شريف.

www.amrkhaled.net