لم يتحدث التاريخ عن أمجاد أمة من الأمم في العصور الوسطى كما تحدث عن أمجاد الأمة العربية ، ولم يحوِ تاريخ أمة من العظماء والقادة كما يحوي تاريخ المسلمين، ونور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، هو واحد من العظماء المسلمين، وأحد بناة الأمجاد العربية الإسلامية الخالدة في القرن السادس الهجري.
ولد نور الدين عام 511 للهجرة ، ونشأ نشأة عسكرية كأبيه، إلا أنه كان يفوق أباه تقى وورعاً، والمؤرخون المسلمون المعاصرون له يتحدثون كثيراً عن تدينه وزهده وتمسكه بالشعائر الإسلامية، حتى ليُظن أنه أقرب إلى رجل الدين منه إلى رجل الحرب والكفاح ، ولكن الواقع أن نور الدين إلى جانب تقاه وحرصه على حكم بلاده بالقرآن والسنة كان أيضاً رجل حرب وقتال، فهو يحمل القرآن في صدره ويعمل بأحكامه، ويشرع السيف في يمينه يجاهد به الصليبيين بالشام، ويسترد بجيوشه البلاد التي سلبوها من أصحابها المسلمين، علاوة على أنه كان رجل سياسة، يعرف كيف يحكم دولته واسعة الأرجاء، التي كانت تمتد من الموصل شرقاً إلى القاهرة غرباً، حكماً مستنيراً حكيماً لا يزال صداه يطرق أسماع التاريخ.
وكان عماد الدين والد نور الدين آخر من ولي إمارة الموصل، كأمير من أمراء السلاجقة سنة 521 ، وكان عند عماد الدين من الطموح ما أهله لأن يكون منشئ دولة عرفت باسمه ، وإن كان عماد الدين لم يمهله الأجل حتى يمد أطرافها إلى الحدود التي كان يقدرها لها إلا أن ابنه نور الدين حمل على عاتقه استكمال ما انتهى إليه أبوه، حتى أصبحت الدولة الزنكية – أو الدولة الأتابكية- تشمل الموصل والجزيرة العراقية، والشام، ومصر، واليمن، بعد أن كانت تشمل الموصل، والجزيرة، وبعض بلاد الشام فقط في عهد عماد الدين.
توفي عماد الدين والد نور الدين عام 541 هـ بعد أن ترك وراءه سيرة جليلة جديرة بالدراسة،وبموت عماد الدين انتقل عبء مجاهدة الصليبيين، واستكمال عملية التوحيد إلى ابنه الثاني نور الدين دون ابنه الأكبر سيف الدين غازي ؛ ذلك لأن الدولة انقسمت بوفاة عماد الدين إلى قسمين: الغربي منها كان من نصيب سيف الدين غازي وقاعدته الموصل، والشرقي كان من نصيب نور الدين وقاعدته حلب، وهو القسم الذي يدخل في صميم المجال الصليبي، فكان طبيعياً أن يقع على عاتق نور الدين أمر مجاهدتهم، وذلك لبعد سيف الدين عن هذا المجال.
وأجلّ أعمال نور الدين تبرز في الأمور الثلاثة الآتية:
1ـ جهاده للصليبيين.
2 ـ استكمال تكوين الدولة الزنكية.
3 ـ النهضة الإصلاحية في عهده.
ما كاد الصليبيون يعلمون بوفاة عدوهم الأكبر عماد الدين حتى شملهم الفرح وداخلهم الاطمئنان، استهانوا بنور الدين، وأملوا في استرجاع ما استخلصه أبوه منهم من البلاد، فأشبوا قرنهم واستبسلوا، فأغار صاحب أنطاكية الصليبي على حلب وحماة، فردّهم عنها جيش نور الدين. واستولى جوسلين على الرها في غفلة من الأخوين نور الدين وسيف الدين، ولكن سرعان ما خرج إليه نور الدين بجيشه، فأطلق جوسلين ساقيه للريح هارباً، فدخل نور الدين الرها واستردها، وحطم آخر أمل للصليبيين في استعادتها، وعندئذ فطن الصليبيون إلى أن الخطر عليهم لا يزال قائماً، وإذا كان عماد الدين قد مات فإنه ترك من بعده من لا يقل عنه قوة وخطراً.
كان حادث الرها أول لقاء بين نور الدين وبين الصليبيين وجهاً لوجه، ثم تعددت اللقاءات بعد ذلك وكثر، فدارت المعارك بينه وبينهم مدة الثلاثين عاماً التي عاشها، كان النصر في مجموعها حليف نور الدين.
ولا يعد هذا العمل ضيئلاً، فقد كانت هذه المواضع كلها مواضع حصينة خطيرة وخروجها من يد الصليبيين أثر في قوتهم وأضعفهم إلى حد كبير، فقد حرمهم نور الدين من قواعد حربية ممتازة كانت تحيط بالبلاد الإسلامية المجاروة لها، وكان الصليبيون يشنون منها الغارات على المسلمين، فكان المسلمون بسببها في ضيق شديد وخوف دائم، فاستيلاء نور الدين عليها قد حمى البلاد التي تجاورها، وأصبح أهلها في أمن واطمئنان.
وقد حاول نور الدين الاستيلاء فعلاً على أنطاكية وطرابلس ، ولكن الظروف لم تواته، بل إنه وضع استرداد بيت المقدس نصب عينيه، وكان يأمل أملاً كبيراً في استرداده، حتى إنه أمر بصنع منبر للمسجد الأقصى في حلب، ولكن الموت لم يمهله حتى يقدم للمسلمين بيتَ المقدس هدية ثمينة كانوا يتوقون إليها منذ أن استولى عليه الصليبيون سنة 492 هـ.
ضرب نور الدين الصليبيين ضربتين عنيفتين لا يقل أثرهما –إن لم يزد- عن أثر سقوط الرها، وذلك باستيلائه على دمشق ومصر، اللتين كانتا مطمح أنظار الصليبيين، وكان من أكبر أهدافهم الاستيلاء عليهما، فكثيراً ما حاصروا دمشق ، وشنوا الغارات العديدة عليها بقصد الاستيلاء عليها، ولكنهم فشلوا لقوة صاحب دمشق أحياناً، ولإرضائهم بالمال أحياناً أخرى، حتى جاء الوقت الذي بلغ فيه صاحب دمشق حداً كبيراً من الضعف، فخشي نور الدين عليها من السقوط في أيديهم، فاستولى عليها سنة 549 هـ.
وكانت نتيجة هذا الاستيلاء أن أصبح الصليبيون محاصرين على الساحل، وأصبح الطريق إلى مصر مفتوحاً أمام المسلمين، واستطاع نور الدين فعلاً أن يستولي على مصر سنة 564 هـ.
وما يقال عن دمشق يقال عن مصر أيضاً، فقد كان الصليبيون يتحرقون إلى الاستيلاء عليها تحرّقهم إلى الاستيلاء على دمشق ، ذلك أن استيلاءهم على مصر ذات المركز الاستراتيجي الممتاز يسهل عليهم الاتصال بالغرب الذي أخذ على عاتقه إمدادهم بالمقاتلة والمؤن والسلاح، فطريق مصر ييسر لهم هذا الاتصال ، وييسر لهم وصول ما يحتاجون إليه، فضلاً عما تمتاز به مصر من الثروة والرخاء وكثرة الأموال ، بل لعلهم عن طريق مصر يستطيعون استرداد ما فقدوه من بلاد الشام، فالطريق من مصر إلى الشام براً يصبح سهلاً وميسوراً لهم.
والعمل البارز الثاني لنور الدين هو جمع الموصل والجزيرة العراقية والشام ومصر واليمن في دولة واحدة، تحمل اسم الدولة الزنكية- أو الدولة الأتابكية.
وكان والده عماد الدين يتوق إلى أن يتم التوحيد بين الموصل والجزيرة والشام على عهده، وهو وإن كان استولى على كثير من بلاد الشام إلا أنه كان يحرص على ضم دمشق إلى دولته ؛ ليجعل منها قاعدة في وسط البلاد التي بيد الصليبيين، فيجاهدهم من الشمال أي من حلب، ومن الجنوب أي من دمشق، ولكن الظروف لم تسعفه لتحقيق هذه الأمنية.
فلما مات عماد الدين وخلفه ابنه نور الدين استطاع نور الدين بحذقه ومهارته السياسية أن يستولي عليها سنة 549، وباستيلائه عليها حقق ما كان يصبو إليه والده من التوحيد بين الموصل والجزيرة والشام ، بل لم يكتفِ نور الدين بذلك فهو يعلم أن مصر هدف الصليبيين منذ أن وطئت أقدامهم أرض الشام، ويعلم أيضاً أن مصر أصبحت في حالة من الضعف بحيث أصبح الصليبيون يتدخلون في شؤونها الداخلية، فعزم على إنقاذها من أيديهم، ولكن الصليبيين سبقوه إليها واستولوا على بلبيس وحاصروا القاهرة، فأرسل نور الدين قائده أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين بن أيوب بجيش فحررها من الصليبيين وطردهم منها سنة 564 هـ.
وظل شيركوه في مصر يعمل وزيراً للخليفة الفاطمي في الظاهر ، وباسم نور الدين في الباطن حتى إذا مات شيركوه خلفه في الوزارة ابنُ أخيه صلاح الدين، فأسقط الخطبة للفاطميين، وخطب للخليفة العباسي ولنور الدين، وبهذه الخطبة كان إعلان دخول مصر في الوحدة الشامية الموصلية، وصيرورتها جزءاً هاماً من الدولة الزنكية الموحدة ، ثم لم يلبث صلاح الدين أن انتهز فرصة اضطراب الأمور في اليمن فاستولى عليها باسم نور الدين ، وضمها إلى الدولة الفتية، فأصبح اسم نور الدين يردد على منابر الموصل، ودمشق، ومصر، واليمن.
وإذا كان نور الدين امتاز بالبراعة السياسية والحربية فإنه كان إلى جانب ذلك مصلحاً اجتماعياً كبيراً، وصاحب نهضة رائعة تدين له الدولة بالكثير من الإصلاحات في جميع النواحي.
فإذا اتجهنا إلى اهتمامه بمصالح رعيته، وجدناه يعمل على راحتهم وطمأنينتهم على معايشهم وتيسير سبل الحياة الطيبة لهم.وجد نور الدين أن الخمور منتشرة في بلاده، والخمر أس البلاء وأم الكبائر، فأصدر أمره بمنع دخولها في جميع أنحاء مملكته، وكان يحدّ شاربها الحدّ الشرعي، لا فرق إن كان شاربها غنياً أو فقيراً، كبيراً أو صغيراً، فالكل عنده سواء.
وكان يريد للناس صفاء العقيدة، والإيمان الحقيقي، لا يضللهم مضلل أو يفسدهم مبتدع. فكان يضرب على يد كل مبتدع يعمل على إفساد عقائد الناس، وينفيه بعيداً يلقى جزاء ضلاله.
أما تخفيفه على الناس معايشهم، فإنه أسقط جميع المكوس والعشور من بلاده ، ولم يسْتبْقِِ سوى الخراج والجزية، على كثرة ما كان يجمع من هذه المكوس والعشور.
ومنع عن رعاياه ظلم قواده وأمرائه ، ولما رأى نور الدين أن الشكوى قد كثرت من أتباع قائده أسد الدين شيركوه أمر بإنشاء دار العدل لمحاكمة الظالمين، فلما علم أسد الدين بذلك، أمر أتباعه برد المظالم إلى أهلها ، وشدد عليهم في ذلك؛ خوفاً من أن يحمله نور الدين مسؤولية ظلم أتباعه، فيطلبه إلى المحاكمة العلنية ؛ فتضيع هيبته وتضعف مكانته عند الناس، فنفذ أتباعه ما أمرهم به، وردوا إلى الناس حقوقهم. ولما تم بناء دار العدل، كان نور الدين يجلس فيها يومين في الأسبوع للفصل في الخصومات بحضوره.
ومنع نور الدين تعدّي الجند والعسكر على أحد من الناس ،ووجه نور الدين اهتماماً كبيراً إلى الناحية الصحية ، فأنشأ البيمارستانات في بلاده، وأشهرها البيمارستان النوري بدمشق، وجعله للناس كافة فقراء وأغنياء، أما اهتمامه بالتعليم ونشره في بلاده وبين رعاياه، فقد سار فيه شوطاً بعيداً، فأكثر من إنشاء المدارس في جميع أنحاء مملكته، وأحضر إليها كبار المدرسين، واهتم بدمشق بصفة خاصة، فبنى فيها دار الحديث خصيصاً للعالم المؤرخ الكبير الحافظ ابن عساكر ،
كذلك اهتم اهتماماً كبيراً بالجوامع والمساجد، فبنى منها الكثير ؛ تيسيراً على المسلمين لأداء فريضة الصلاة، واعتنى بحسن هندستها وبنائها، خاصة الجامع الذي بناه بالموصل،واعتنى نور الدين بتأمين المسافرين والتجار على أرواحهم وأموالهم من اللصوص وقطاع الطريق، فبنى الخانات الكثيرة في الطرق ".
أما مناقب نور الدين الشخصية فهي بارزة وعديدة ، فقد اهتم نور الدين بتثقيف نفسه ثقافة دينية، فدرس الفقه على مذهب أبي حنيفة، وسمع الحديث حتى أجاده، وكان يعقد حلقات الدرس والبحث، فيجمع حوله العلماء يتدارسون ويبحثون ، وكان يشاركهم الدراسة والبحث عن علم وفهم وكذلك كان مع العلماء، فكان "يفعل بالعلماء من التعظيم والتوقير والاحترام ، ويجمعهم عنده للبحث والنظر، فقصدوه من البلاد الشاسعة من خراسان وغيرها ، فكان أهل الدين عنده في أعلى المنازل وأعظمها".
وسلك نور الدين في حياته الخاصة سبيل الزهد والعبادة، فقد زهد في الدنيا فلم يتمتع بمباهجها، وقد استفتى الفقهاء في المقدار الذي يحل له أخذه من بيت المال، فلم يتعد هذا المقدار طيلة حياته. وقد حدث أن شكت زوجتُه قلة النفقة عليها، وطلبت منه الزيادة في النفقة فغضب منها، وقال لها : إن المال مال المسلمين وهو خازنهم عليها ، فلا يخونهم ويدخل جهنم بسببها، وبعد كل هذا يبرز نور الدين كمحارب شجاع، يخوض المعارك بنفسه، ويتقدم على الجند أثناء القتال ، وكان قوي الثقة بنفسه، لا تضعفه هزيمة، ولا يبطره انتصار، حتى انتصاره في الحروب لا ينسبه لنفسه أو لمهارته وشجاعته، وإنما ينسبه إلى الله، وكان يشغل وقت فراغه، أو وقت راحته من مهام الدولة، إما بين العلماء باحثاً ودارساً، وإما في ميدان الفروسية يلعب بالكرة.
بقلم الأستاذ / عبد القادر طليمات