لماذا كان الشافعي سابقاً لعصره؟



حوارات عمرو خالد " لكل الناس " 

حوار أجراه أ. عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 8/8/2007

 في سيرته ومنهاج حياته ما يتميز به عن غيره: صادق النية في التفاف الناس حوله راقياً في حواره .. كارهاً للظلم والظالمين يعرف كيف يكسب القلوب ويدرك متغيرات العصور والبلاد .. وفوق هذا كله .. كان إنساناً متواضعاً .. ذاب مع الكل، وانصهر في نفوس مخالطيه ومؤيديه، فأعطى المثال الحي للتمسك بالهوية.

لماذا كان الشافعي سابقاً لعصره؟!!

الداعية عمرو خالد يواصل تطبيقاته للقواعد العشر التي استخلصها للتعايش مع الآخر، على شخصية ونهج الإمام الشافعي، ورؤيته الحضارية التي اتبعها علماء أوروبا في استنباط نظرياتهم وعلومهم الحديثة.

ضـد الـظـلـم

يقول عمرو خالد:

-          ننتقل إلى النقطة الخامسة في قواعد التعايش مع الآخر وهي:

" لا تظلم مخالفاً لك في الرأي، فتحوله إلى عدو".

الشافعي ذهب إلى اليمن فوجد الزنادقة الذين يخالفونه في الفقه، وهم فاسدو العقيدة، وينكرون السنة، كما وجد نوعيات من المعتزلة والخوارج ووجد أن والي اليمن يمارس ضد هؤلاء ظلماً فادحاً وشديداً، ويقوم بمصادرة أراضيهم وأموالهم، فرفض الشافعي هذا الظلم، رغم أنه إمام من أئمة السنة، وقال للوالي: هذا ظلم لا يرضاه الله، ألم تسمع قول الله: لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى".

وحين ذهب إلى هارون الرشيد قال:

يا أمير المؤمنين فعلت ذلك من أجلك.

قال له: كيف؟

قال: إنك إن ظلمتهم فقدتهم، عاملهم بالحسنى وإن اختلفوا في الرأي.

النقطة السادسة تقول:

" كن صادق النية في  تجميع الناس وإرادة الحق "، الشافعي كان راقياً في حواره وسابقاً لعصره، فالعالم الغربي لم يتحدث فيما تحدث به الشافعي، إلا قبل مائة سنة من الآن.

يقول ابن الشافعي:

ما رأيت أبي يناقش أحداً قط ويرفع صوته، ويقول الإمام الشافعي عن نفسه:

ما ناقشت أحداً إلا ودعوت الله وأنا أناقشه أن يوفق ويسدد ويؤيد من الله. هذا هو الرجل الذي أسس علم أصول الفقه، وقواعد التفكير والاستنباط من القرآن. ويقول الشافعي: ما ناقشت أحداً وأحببت أن يخطئ، وما ناقشت أحداً إلا على نصيحة وما ناقشت أحداً بنية الغلبة، وما ناقشت أحداً وفرق معي أن يظهر الحق على لسانه أو لساني.

جلس الشافعي يناظر تلميذه أحمد بن حنبل فقال ابن حنبل: إن تارك الصلاة كافر. فرد عليه الشافعي: لا ليس بكافر. ثم قال له: يا أحمد أتقول أنه يكفر؟

قال: نعم.

فقال الشافعي: فبم يسلم؟

قال بن حنبل: يسلم بأن يقول لا إله إلا الله فقال الشافعي: هو يقولها .. فبم يسلم؟

قال ابن حنبل: بأن يصلي.

قال الشافعي: صلاة الكافر لا تقبل.

فسكت أحمد بن حنبل فقال الشافعي: يا أحمد ما أردت أن أغلبك ولكن أردت الحق، يقولون فانصرف فإذا  بالشافعي يزور أحمد بن حنبل في بيته.

يقول الشافعي: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. وعندما جاءه الموت قال:

وودت أن هذا العلم انتشر بين الناس ولا ينسب إليّ.

احـتـرام الآخـر

النقطة السابعة:

" إذا أردت التعايش فاحترم الناس تكسب القلوب".

ذات مرة اختلف الشافعي في مسألة مع رجل اسمه يونس، وكان خلافاً شديداً، وافترقا، ثم التقيا بعد سنة .. فأمسك الشافعي بيده، وقال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نختلف في مسألة ونظل متحابين؟

نظر إليه وقال أبو موسى:  والله يا شافعي معك نصف عقل أهل الدنيا.

فعادا متحابين.

كان الشافعي كلما زار بلداً. يبدأ بزيارة قبر العالم الكبير بها، فحين زار مصر توجه لزيارة قبر الليث بن سعد، وحين يزور المدينة يتجه لزيارة قبر مالك، وحين يزور العراق يزور قبر أبي حنيفة النعمان.

وأثناء احتضاره طلب من أحد اتباع المالكية أن يدعو له، فقالوا له: أتتحدث عن المالكية الآن؟ .. قال ذلك تأليفا لقلبي وقلبه.

جـرأة الـتـغـيـيـر

النقطة الثامنة: " كن مرناً "

هل هناك مرونة لدى الشافعي أكثر من تغييره لكل فقهه بعد ذهابه إلى مصر؟

كل ما كتبه في العراق قام بتغييره حين وجد طبيعة أهل مصر مختلفة. النبي – صلى الله عليه وسلم – بعد كل ما فعله أبو سفيان بالمسلمين، قال: " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" لهذا قام الشافعي بتغيير كل ما جاء بكتاب الإمام ما عدا 20 مسألة، وكان يقول: قال الشافعي في القديم .. وقال الشافعي في الجديد.

غامر الشافعي بتاريخه وفعل ذلك وعمره 52 عاماً.

النقطة التاسعة: " كن إنساناً"

ذات مرة ذهبت امرأة إلى الشافعي، وقالت له: أنا وزوجي كنا متحابين، فأوقعت امرأة بيني وبين زوجي وافترقنا، وأنا أبكي ألماً لفراقه، بكى الشافعي ألماً لدى سماعه هذه المرأة، وقال: أتأذنين لي أن أتي فأجمع شملكما؟ عندما جاءته الوفاة أراد أن يوصى ابنه فقال له يا بني لا ترفع سعرك، فيردك الله إلى قيمتك. يا بنى ألا ترى أن من طأطأ للسقف أظله السقف؟ وأن من رفع رأسه في السقف شجه السقف؟

كذلك فإن له أبياتاً من الشعر قالها الصديق له:

" مرض الحبيب فعدته فمرضت من حدبي عليه

آتى الحبيب يزورني

فبرئت من نظري إليه".

النقطة العاشرة والأخيرة:  " التعايش ليس معناه فقد الهوية".

ذهب الشافعي إلى كل المدارس ليدرس بها، ولم يذب في أي منها. كان تلميذ مالك، ومع ذلك ألف كتاباً عنوانه " اختلاف مالك ". وأثناء موته قال: ليس من أحد في الأرض له عليّ منة أعظم من مالك.

وفي كتابه " اختلاف مالك " قال:

مالك الذي علمني العلم. لكنى اختلف معه من أجل الحق.

إمـام الـتـعـايـش

أينما تذهب تجد عند الشافعي علماً وفقهاً وشعراً ولغة ورياضة، هو إمام التعايش وناصر السنة. ومجدد القرن الثاني الهجري. نجح في أن يوجد مع كل أطياف الناس منطقة مشتركة للتفاهم، كان رحمه الله موسوعة للتعايش. لهذا يلتقي الداعية عمرو خالد مع عالم كبير متخصص في فقه الإمام الشافعي هو الدكتور عبد الحميد زيدان، الحاصل على ليسانس في الدراسات الإسلامية – تخصص في الشافعي من جامعة الإمام محمد بن سعود  بالسعودية وهو لبناني الجنسية، وقد حصل على الدكتوراة في إدارة الأعمال والدراسات الحضارية، وهو خبير استشارى في التوجيه الإداري ورئيس مجموعة استشارات دولية.

يسأله عمرو خالد:

 

-          في مذهب الشافعي رفع اليدين أثناء الصلاة في التكبيرات، لكنه حين ذهب إلى العراق وصلى في مسجد أبي حنيفة لم يرفع يديه .. لماذا؟

د. عبد الحميد زيدان:

- حين سئل الشافعي عن ذلك قال: احتراماً لصاحب هذا القبر.

كذلك عند الإمام الشافعي القنوت في الفجر وهذه سنة غير موجودة عند الحنفية، أي الدعاء عند القيام من الركوع الثاني، والإمام الشافعي عندما صلى الفجر في مسجد أبي حنيفة لم يقنت، وحين سألوه قال: أيضاً ذلك من احترام صاحب هذا المقام، والشافعي عنده أولويات، فترك السنن ليس عليه إثم، وفعلها عليه أجر.

وهو قد سن السنن الصالحة في المجتمع كالاحترام والتوقير، وهي سنة أكبر من التعبد الشخصي، لأنها تعطى مثالاً للآخرين، وتعلم الناس على مدى واسع. وهو هنا يرى أنه يخسر أجره عن سنة أصغر ليكسب أجراً عن سنة أكبر، جمع فيها الناس، والتنازل هنا لا يضر بل ينفع.

عمرو خالد:

معنى ذلك أن الإنسان يمكنه أن يقتدي بالمخالف له في الفروع من أجل توحيد الناس. د. عبد الحميد زيدان:

-     المقلد يمكنه أن يقلد في الفروع مع خلاف بين العلماء في قضية التنويع في الاختلاف، أي أن بإمكانه أن يقلد مرة أبا حنيفة ويقلد مرة مالك ويقلد الشافعي في ثالثة، فما بالك بالمجتهد إن فعل ذلك.

الشافعي أراد أن يقول للناس: إنما اجتهد طلباً للحق وليس انتصاراً للرأي.

الاخـتـلاف لا يـمـنع الـود

عمرو خالد:

نحن في مصر نصلي التراويح 8 ركعات، وفي السعودية يصلون التراويح 20 ركعة، ولا أحد يتهم الآخر بأنه على خطأ.

د. زيدان:

الأمام الشافعي لم يترك الأمور بلا ضابط فالتحدي عند أي عالم عندما يناظر الآخر أن يقنعه ، فإذا أقنعه نقله من مكان إلى مكان، أو من رأي إلى رأي، فإذا لم يستطع اقناعه، فإنه يكون لديه مشكلة، إما أنه لا يمتلك الأدلة الكافية، وأنه غير متمكن من عرض أدلته، لكن أحداً لم يقل بفرض الرأي على الآخرين.

وقد قال لصديقه وتلميذه الذي تمثل فيه النبوغ: اكتب لهذه الأمة ما تنظم فيه أدلتها، وهو ما عرف بكتابه الرسالة الذي احتوى على أصول الفقه، أي كيف نستنبط من القرآن الكريم والسنة وفق قواعد مرتبة ومحددة، وهو أول من جمع قواعد أصول الفقه بشكل مكتوب ومرتب. وهذا ما تميز به الإمام الشافعي، لأنه تجول بخلاف باقي الأئمة الذين أقاموا في بيئاتهم ولم يرتحلوا، فالإمام مالك بقي في المدينة، وأبو حنيفة بقي في العراق،و الإمام أحمد من بعد لقيا الإمام الشافعي بدأ يتنقل لكنه قبل ذلك كان مقيماً في بيئته، والشافعي كان مولعاً بالتعرض للتجربة والتعرض للآخر، والتعرض لدى الإمام الشافعي جزء منه كان مقصوداً والجزء الآخر كان بتوفيق إذا جاءته الأشياء دون أن يطلبها.

والتوليفة الفقهية التي استقر عليها الشافعي لم تكن مجرد جمع وتنظيم أفكار فقط، لكن أضاف إليها الاختيار، وهنا برزت نقاط الخلاف مع الأئمة الآخرين، وحاول إقناعهم فدخل في رحلة المناظرات، وكانوا يطلبونه ليذهب إليهم ويناظرهم فحين طلب عبد الرحمن المهدي الرسالة منه أرسلها إليه، والإمام الشافعي كان في بدايته حديث علم باللغة، فكتب الرسالة بلغة جزلة عميقة ومنضبطة.

وكان تعليق عبد الرحمن المهدي: لولا كان أيسر من هذا، أي أن لغة الرسالة صعبة على مثله من العلماء، فطلب عبد الرحمن من الشافعي أن يأتي إلى العراق لشرح الرسالة للناس.

الانـدمـاج لا يـعـنـي الـذوبـان

عمرو خالد:

يروى أن الإمام أحمد بن حنبل كان ماشياً بينما الإمام الشافعي يركب بغلته، فمشى الإمام أحمد على يمين البغلة وقادها، فقال له أحد المارة: ألم تجد غير هذا الحجازي – كانوا في العراق – لتجاور بغلته؟

قال الإمام أحمد: والله لو مشيت إلى الجانب الآخر من البغلة لانتفعت بالشافعي فلما شدد عليه مرة أخرى، قال له الإمام أحمد: والله لو أمسكت بذنبها لأفادتك علماً.

عمرو خالد:

كيف حافظ الشافعي على شخصيته المستقلة ولم يذب في المدارس التي أخذ علمها.

د. زيدان:

- ربما كان المعنى اللغوي لكلمة اندماج يعنى التحول إلى الآخر ومماثلته، فيقع في نفس الناس أن الاندماج معناه الذوبان، لكن المعنى المطلوب من الاندماج هو المخالطة الإيجابية، وفي الحديث النبوي يقول " صلى الله عليه وسلم": " المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم".. " يتبع ". 

www.amrkhaled.net