المبادئ العشرة للتعايش مع الآخر!



حوارات عمرو خالد " لكل الناس " 

حوار أجراه أ. عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 1/8/2007

 في حياته ومنهجه .. وطريقة تفكيره وفتاواه .. وأحكامه .. وحتى في تعامله مع الناس .. كان هناك دائماً شيء مختلف. قارب بين المذاهب .. أحب الكل وأجمعوا عليه .. أنصف المرأة وقدرها .. التف حوله الشباب بعد ما أحسوا بأنه قريب منهم. نموذج متفرد للإمام العالم والفقيه المجدد .. وباختصار، تجلت فيه كل قواعد التعايش مع الآخر.

تجلت في سلوك الشافعي ومنهجه المبادئ العشرة للتعايش مع الآخر!

هـكـذا كـان الشافعي

يطبق الداعية عمرو خالد في هذه الحلقة قواعد التعايش العشر مع الآخر، على سيرة حياة الإمام الشافعي.

- القاعدة الأولى للتعايش تقول: اجتهد حتى تجد المنطقة المشتركة مع الآخرين. أول لقطة كانت مع أم الشافعي. فهو نتاج أمه. فحين ذهبا إلى مكة قالت له أمه: يا بني .. مات أبوك، وإننا فقراء وليس لدينا مال، وإني لن أتزوج من أجلك، وقد نذرتك للعلم، لعل الله يجمع بك شمل هذه الأمة. كانت فترة حياة الشافعي ونشأته، فترة صراع فكري رهيب بين مدرسة الحجاز ومدرسة العراق والزنادقة الذين ينكرون السنة والمعتزلة، والسنة والشيعة، وهناك دولة مترامية الأطراف، وثراء فاحش ورفاهية نشأت عن هذا الثراء، وجيل من الشباب مترف، نسي التدين. وصراع بين سلوك الأبناء ومفاهيم الآباء الذين تربوا على أيدي الصحابة والتابعين، هناك مشكلة كبرى في عام 150 هجرية. صحيح أن الدولة العباسية مسيطرة، لكن هناك ناراً تحت الرماد، هناك صراع ينتظر ضعف الدولة العباسية لتتحول بغداد إلى حمام دم، كما هي الآن.

أرسلته أمه إلى الكتاب ليتعلم القراءة والكتابة، ويحفظ القرآن ويجيد التجويد. من سن 3 سنوات إلى 7 سنوات، يمكث الشافعي في ذلك الكتاب. في البداية يهمله المعلم لفقره، ولأنه لا يدفع ثمن تعليمه، يذهب الشافعي إلى أمه حزينا يبكي ويقول لها: لا أرغب في الذهاب إلى ذلك الكتاب. فتقول له أمه: يا بني اذهب وتحايل على المعلم.

سألها: كيف؟ قالت: إذا وجدت المعلم يعلم أبناء الأغنياء فاجلس بجوار الغني، واستمع دون أن تشعر المعلم بأنك تضيق عليه، يقول الشافعي: ففعلتها مرة واثنتين وثلاثاً، أدخل بأدب فلا يشعر بي المعلم، وأستمع له حتى أجدت ما يقوله. فكان المعلم إذا قام، أحل محله وأشرح لهم، فيأتونني ويقولون يا شافعي اشرح لنا هذه وكان عمره خمس سنوات. فيأتي المعلم فينظر فيجد أنه يعلم التلاميذ.

ووجد المعلم أن المنطقة المشتركة أصبحت موجودة، فهذا الفتى يساعده في تعليم الأولاد ويتيح له بعض الراحة مقابل أنه لا يأخذ منه مالاً مقابل تعليمه.

يقول الشافعي: فعدت إلى أمي أقول لها: يا أماه تعلمت الذل للعلم والأدب للمعلم. وتصبح هذه طريقة تفكير الشافعي حتى يصل عمره إلى خمسين سنة. والنبي صلى الله عليه وسلم أول من طبق هذا المبدأ. فليس هناك دستور من دساتير العالم نص قبل الإسلام على " وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا".

النبي صلى الله عليه وسلم في ذروة الأزمة مع قريش، يبحث عن المنطقة المشتركة فيقول: " لو دعتني قريش إلى حلف الفضول لأجبت ".

الـبـحـث عـن الـعـلـم

قبل أن يذهب الشافعي لمقابلة محمد بن الحسن أستاذ مدرسة العراق وتلميذ أبي حنيفة اشترى بكل ما يملك من مال ( 50 دينارا " كل كتب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وقرأها حتى يستعد لذلك اللقاء، وليبحث عن المناطق المشتركة بينهما. والقرآن الكريم يتحدث عن المنطقة المشتركة فتقول الآية الكريمة :

" قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً. ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دون الله).

النقطة الثانية في قواعد التعايش تقول: ابحث عن كل علم يساعدك في أن تجد المنطقة المشتركة مع الآخر. والشافعي سمع الليث بن سعد إمام مصر العظيم يقول في مكة " إن من أسباب فرقة الأمة واختلاف العلماء اللغة فلو قام رجل فجمع اللغة مع القرآن والحديث يجمع الله به هذه الأمة ".

فذهب الشافعي في بعثة لمدة أربع سنوات. من سن 14 إلى 18 سنة. لدى قبيلة هذيل في الصحراء، لأنها أفضل قبيلة حافظت على اللغة العربية، فتعلم الشعر لديهم وتعلم أنساب العرب. حتى صار يحفظ عشرة آلاف بيت من الشعر، فأجاد اللغة، وأنت كلما زاد علمك واكتسبت مهارات ازادت المناطق المشتركة بينك وبين الناس.

والشافعي أتقن علوم : حفظ القرآن. علم اللغة. علم الأنساب. الشعر الرمي بالسهام – علم الفراسة – علم الحجاز " مالك ". فقه أبي حنيفة. وسافر إلى عشرة بلاد لكي يكتسب هذه العلوم، والشافعي اندمج في المجتمع ولم ينعزل عن الناس، وتحدث بلغتهم المتداولة.

عندما ذهب إلى الصحراء ليعيش فيها أربع سنوات مع قبيلة هذيل، قالت له أمه: يا بني إنك ستبقى هناك سنوات، وإني أخشى عليك أن تسأم، ولذلك أوصيك بالرياضة، حتى لا تسأم، وحتى لا تختلف عن أقرانك.

يقول: فلما ذهبت كان همي في أمرين: الرمي وتعلم العلم. فحفظت عشرة آلاف بيت من الشعر، وكنت في الرمي أصيب الأهداف جميعاً. قام الشافعي بتأليف 140 كتاباً، منها كتاب عنوانه: رياضة الرمي. 

مـع الـنـاس

النقطة الثالثة: الاندماج في المجتمع.

الشافعي عندما أتى إلى مصر، لم يقبل أن يعطي الدروس والفتوى إلا بعد أن درس خصائص أهل مصر، فوجد شيئين: أن المصريين يقدرون السيدة نفيسة حفيدة الحسن بن علي بن أبي طالب، فذهب لتلقى العلم على يدي السيدة نفيسة. فأحبه المصريون قبل أن يتكلم.

وأيضا حين أتى مصر وجد أن أهلها يحبون النكات، ووجد بعض العيوب في صفات بعض المصريين، منها الاستهانة ببعض الأشخاص من محدودي العقل، وذات مرة عندما كان جالساً في درسه، قال: أحكي لكم قصة تعجبون لها، ثم روى نكتة تقول: كنت أنا ومجموعة من العلماء نجلس حول مائدة في الصحراء لنأكل، ووضعنا عليها دجاجتين، ثم أذن لصلاة العشاء فنهضوا ليصلوا، فجاء ثعلب وخطف دجاجة وجرى بها. بعد انتهاء الصلاة نظروا على بعد فوجدوا الثعلب يقف وفي فمه الدجاجة، ثم تركها على الأرض وهرب، فتركنا المائدة وعدونا لنأخذ الدجاجة التي تركها الثعلب فإذا بها قطعة من الليف على شكل دجاجة، فعدنا إلى المائدة فإذا بالثعلب قد خطف الدجاجة الثانية وفر هارباً، فضحك المصريون وسكت الشافعي ثم قال: يا أهل مصر .. لا تستهينوا بأى ثعلب يأخذ منكم دجاجة. كونوا على حذر.

مكث الشافعي في مصر أربع سنوات، وما بكت مصر لفراق أحد، كما بكت لفراق الشافعي عندما مات. جاءها وعمره 50 سنة، ومات وعمره 54 سنة. 

فـتـاوى عـاطـفـيـة

قال العلماء: كان الشافعي يكلمنا بلغة نقول ما أعظم هذه اللغة إنها تستعصي علينا. فإذا جلس إلى العامة في درسه أو كتب في كتابه قام بتبسيط اللغة لكي يفهمها الناس . وكان الشباب في مصر يحبون الشافعي كثيراً، لأنه يلعب الرياضة.

وكان العشاق من الشباب يستشيرونه في مشاكلهم العاطفية. جاءه شاب وقد كتب له رسالة يقول فيها:

" سل الفتى المكي من آل هاشم إذا اشتد وجد المرء كيف يصنع ". فرد عليه الإمام الشافعي بالشعر أيضا:

" يداوي هواه بالتقى .

ثم يكتم حبه ويصبر

حتى يأتي الله بالفرج"

وهكذا أوجد الشافعي منطقة مشتركة مع الشباب المترف.

عـلـوم مـرفـوضـة

النقطة الرابعة: لا ترفض أي فكرة بشكل مطلق.

كانت هناك مشكلة كبرى في الدولة العباسية إذ كان هناك ثلاثة علوم مرفوضة من علماء الدين: الشعر .. لأن الشعراء يكتبون في المجون والترف واللهو والحب.

فيقول علماء الدين إن هذا الشعر حرام، مثلما يقال عن الفن والتمثيل في عصرنا الحالي. والشعراء يرفضون منطق رجال الدين لأن هذه موهبة فنية وأدبية طاغية. ورفض الشعراء الانصياع لرأي رجال الدين بعدم الكتابة إلا في الشعر الديني.

بدأ الشعراء يذهبون إلى الشافعي لتعلم الشعر الذي أتقنه. وكان الأصمعي أشهر أديب في الدولة العباسية وأحد المقربين من هارون الرشيد، هو أحد تلاميذ الشافعي. يقول الأصمعي صححت شعر الهذيليين على يد شاب في مكة، يقال له محمد بن إدريس الشافعي أول من استخدم الشعر في تفسير آيات القرآن الكريم ذات المعاني الصعبة.

وبدأ الناس يدركون أن للشعر فوائد وكتب الشافعي شعراً اجتماعياً لم يكن موجوداً من قبله. وبدأ الشعراء يقلدونه فتركوا شعر المجون واتجهوا إلى الشعر الاجتماعي الهادف. وهنا لم تعد هناك حجة لعلماء الدين لرفض الشعر.

يقول الشافعي:

" نعيب زماننا والعيب فينا

وما لزماننا عيب سوانا

ونهجو دهرنا من غير جرم

ولو نطق الزمان بنا هجانا"

ويقول في شعره أيضاً:

" سافر تجد عوضاً عمن تفارقه

وانصب فإن لذيذ العيش في النصب

إني رأيت وقوف الماء يفسده

إن سال طاب وإن لم يسل لم يجر.

والأسد لولا فراق الغاب ما افترست.

والسهم لولا فراق القوس لم يصب".

ويقول الشافعي في شعره:

" يخاطبنى السفيه بكل قبح

فأكره أن أكون له مجيبا

فيزداد سفاهة وأزيد حلما

كعود زاده الإحراق طيبا

إذا نطق السفيه فلا تجبه

فخير من إجابته السكوت

فإن كلمته فرجت عنه

وإن خليته كمداً يموت"

كذلك كان علم الأنساب مرفوضاً بسبب تباهي الناس بآبائهم وأجدادهم، والشجار على من هو أكرم نسباً. فحرم رجال الدين هذا العلم ودخلوا في سجال مع علماء الأنساب.

وجاء الشافعي فاقترح التحدث في أنساب النساء. فالمرأة خارج الصراع حول النسب. هنا قال ابن هشام للشافعى: دع عنك أنساب الرجال فهذه يجيدها الناس جميعاً، ولكن تعال نتكلم في أنساب النساء.

فقال بن هشام: تكلم.

قال الشافعي: فلانة العظيمة أبوها كذا وجدها كذا. وأحست النساء بأن الشافعي يكرمهن فأحببنه. 

WWW.AMRKHALED.NET