أسد إفريقية



أســد إفـريـقـيـة

 إلى أسد إفريقية الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابى.

قد كنت فى تاريخ العرب الحديث نفحة علوية من مجد آبائنا الغر الميامين، وكنت فى ضمير كل عربى صدى للأمانى البعيدة التى لا تزال ترددها دماؤنا فى أبداننا العربية الحية، وكنت قبسا من فضائل أسلافنا يحدث عن نفسه بلسان عربى مبين، وكنت برهانا جديدا لأهل البغى على أن العربى لا يذل أبدا ولا ينام على الضيم يراد به. ثم كتب الله لك بعد عشرين سنة من الأسر أن تعود كما كنت عربيا حرا حمى الأنف ذكى الفؤاد، تأنف لأمتك وعشيرتك أن يروا ميسم ذلهم وهوانهم على جبين أكرمه الله بالنصر مرة، وامتنحه بالأسر تارة أخرى. فعش فى حمى مصر أيها الرجل أميرا على قلوب مليون نسمة من العرب وأربعمئة مليون من المسلمين، وجزاك الله عما قدمت للعرب أكرم جزاء وأوفاه.

كنت يومئذ فى العقد الثانى من عمرى شابا ينبض بين جبينه قلب يتلفت إلى مجد آبائه ويحن إلى تاريخهم حنينا طويلا كأنه لوعة ثكلى على وحيدها، وكانت مصر كلها لا تزال ترسل الصرخة إثر الصرخة طالبة أن تنال فى الحياة حريتها التى استلبها البغاة الطغاة شياطين الأرض، وكانت الدماء فى أبداننا تريد أن تطفىء ظمأ الأرض المصرية بما يجرى على ظهرها من دماء الشهداء حتى تمحو عار الاحتلال عن هذه الأرض المطهرة، ولكن زعماءنا أبو إلا السلم وطمعوا أن تنال حقنا بالمفاوضة، أى بخديعة الغاصب حتى ينخدع فيترك لنا ما سلب.

ثم أصبحنا يوما فإذا بنا نسمع عن " أسد الريف " الذى هب من غابه ونفض نواحيه وزمجر واجتمع للوثبة، وإذا هو يضرب يمينا وشمالا  لا يدع للأسبان متنفسا حتى اضطرهم إلى أقبح مواطن الذل تحت قدميه، وأوردهم شرائع العار شلا وطردا حتى سجدت له تلك الجباه المتغطرسة فى حمأة من الضراعة والذل.

كانوا يريدون أن يسوموا أهل مراكش أن يسجدوا لهم فى مثلهاأ فأبيت إلا أن تعرفهم أقدارهم تحت هاتين القدمين الطاهرتين النبيلتين، فأتم لك الله النصر عليهم كما شاء.

ثم أراد الله يعرفنا ويعرفك أن أنذل من النذل ناصره على نذالته، فهبت إليك تلك الدولة الأخرى المعروفة باسم فرنسا، وهى يومئذ ثانية أمم الأرض فألبت عليك جيوشها وجحافلها " وبيتانها "، وفزعوا إلى نصرة الأسبان المهزومين، وظلوا يستجيشون عليك، أنت الضعيف الفرد، كل ما آتاهم الله من بسطة فى العلم وقوة فى البأس، حتى غلبوك على أمرك، ثم خدعوك، ثم غدروا بك، ثم نفوك على عادتهم من فساد الطوية وحقارة الفعل. فأصبح كل عربى  على ظهر الأرض يحس أنه الأسير المنفى المغدور به، وانطوت قلوبنا على بغض لا ينام لهذه الامم التى لا شرف لها ولاذمة ولا عهد.

ثم تقضت الأعوام وشارفت الأربعين، وإذا أنت حر طليق فى أرضى وبلادى، فما كدت أسمع ذلك حتى انطوت أيامى وعدت كما كنت فى نحو العشرين، شابا يحس دماءه  تغلى لهذا النبأ كأننى انطلقت من الأسر وخرجت من المنفى لأعيش حرا طليقا كما تعيش أنت الآن فى مصر، ومصر هى أم المروءات، فإن ساء ذلك فرنسا أم الغدر والخيانة، فإننا لن نفارق أخلاقنا وأخلاق آبائنا لكى نعينها على آثامها ومساوئها، بل سنرد عليها بغيها مهما لقينا فى ذلك من سوء أخلاقها وقبح فعالها.

ونحن لا نعلم علما يقينا ماذا فعلت بك هذه الأمة الحريصة على ابتذال عرضها بين الأمم، أيام كنت فى منفاها، ولكن كفانا طول الاستقصاء أ، نعلم أنها حرمت على تلك الألسنة العربية الصغيرة فى أبنائك أن تعرف منطق آبائها وأسلافها، فقد اضطرها بجبروتها وقسوتها أن تتجافى عن الكلمة العربية التى تمثل للعربى أمجاد أمته فى ألفاظ من نور هذه اللغة الشريفة. وسيقولون إنك أنت الذى أردت لأبنائك أن ينشأوا على ذلك اللسان الفرنسى، ولكن كذبوا فما من عربى يطيق أن يدع ابناءه  الأحرار فى أسر لغة أخرى غير اللغة الحرة التى عاش عليها آباؤهم وأجدادهم. ولست أشك فى أنهم قد اتخذوا لذلك كل وسيلة حتى لم يدعوا لك حيلة تدفع بها عن قلبك حسرة الأب العربى وهو يرى أبناءه ينشأون غرباء عن لسان أمهاتهم اللاتى أرضعنهم بدر عربى حر آب للضيم طالب للعزة والشرف والنبل.

وقد أراد الله غير ما أرادوا، فها أنت اليوم بين أهلك وعشيرتك من أهل مصر، وهؤلاء أبناؤك هم أهلنا وإخواننا، وهذه مصر بلادهم لهم فيها ما لنا، فعن قليل يهدم اللسان العربى ذلك اللسان الفرنسى، ويرتد العربى ذلك اللسان الفرنسى، ويرتد العربى كما أراد الله له أن يكون، كما ردك الله حرا كما أراد لك أن تكون. وأما فرنسا فقد رد الله غيظها فى صدرها حتى يأكل منها ما بقى مما تستطيل به على الناس.

لا تأس أيها الرجل على ما فات، فإن فى الذى لقيه الناس من بعك لعزاء لك عما لقيت فى منفاك، وأنت الذى أنت فيه اليوم لهو نعمة من الله بها عليك لتحمل مرة أخرى سيف الجهاد فى سبيل أمته التى أنزلت بها فرنسا من بطشها ومظالمها ما لا قبل لأحد بالصبر على مثله. وقد ردك الله إليها لترى رأى العين ماذا فعل بعدك هؤلاء القومبقومك، ولتشهد مصارع الأحرار من أنصارك، ولتملأ قلبك من القوة التى تفل الحديد وتنسف الجبال وتجتاح الجيوش – قوة الإيمان بالله الذى لا يخذل من ينصره ونصر أولياءه بالحق فى يوم الجهاد.

إن فرنسا لم تدع فى تونس والجزائر ومراكش مكانا إلا نفثت فيه سمها، أو ضربت فيه بإبرتها، أو تدسست إليه بغدرها وجهالتها. أنها أمة لم ترع ذمة للإنسانية ولا للمروءة ولا للشرف ولا لشىء مما يصير به الإنسان حيا متميزا من سائر الوحوش والضوارى – أمة تفترى على الناس افتراء مقيتا ثم تتبجح على الناس  باسم الحرية والإخاء والمساواة، أمة من الأذلاء لم يكد الغازى يغزو بلادها فى الحرب الماضية حتى ألقت سلاحها وسجدت على مواطىء قدميه تمسح عنهما غبار الغزو ضارعة متذللة، أم لم تأنف آلاف مؤلفة من أبنائها أن تطلب التجنس بالجنسية الألمانية يوم أصابتها هزيمة واحدة فى اول حرب تهزم فيها، ولم تستنكف نساؤها أن تفتح الأغلاق للغزاة غير متورعات ولا كريمات.

إننا أيها الأمير نبغض هذه الأمة كأشد ما يبغضها دمك الذى يجرى فى عروقك، لأننا أخوة جمعتنا رحم واحدة هى العروبة، ونحن لا نخضها وحدها بهذا البغض، بل نبغض كل أمة على غرارها قد استحلت مرعى البطش واستطابت ثمار البغى والعدوان. فنحن العرب لم نولد لنعيش، بل ولدنا لنعيش أحرارا فى الدنيا، ولنعلم أهل الدنيا معنى الحرية، وكيف تكون الحرية. ولئن قعد بنا اليوم عجز عن تعليم هذه الناس، فعن قريب سوف يأذن الله لنا بأن ناخذ بالأسباب التى تتيح لنا أن نعلمهم ما خلقنا من أجله، وعن قريب تنقشع عن عيون كثيرة ضلالات كثيرة أوهمتها أن العرب أمة متخلفة قد نفض الزمن منها يديه فصارت كلا وعالة على أهل الأرض.

إن العربى من أمثالك هو الذى سيشهد تراب هذه الأرض فى يوم يرونه بعيدا ونراه قريبا، إن الفضائل البشرية كلها لم تزل حية على فطرتها الأولى فى هذه القلوب الزكية المطهرة، قلوب العرب، قلوب العرب، وأن العالم سيكون أسرع تقبلا للمعانى العربية فى الحرية والإخاء والمساواة من تقبله لتلك المعانى الفرنسية التى تلفعت بالجشع والؤم والغدر والخداع، وأن العربى هو وحده الذى يستطيع أن يحقق على هذه الأرض معنى الحرية والأخاء والمساواة لأنه حر بالفطرة لم يألف ذلا قط، ولأنه أخ لمن آخاه لأنه لا يعرف الغدر، ولأن الناس عنده سواء لأنه لا يفتات على أحد ولا يفترى على سواه من الناس.

وأنت أيها الأمير سيف من سيوف الله، ونحن جند من جنود الله فعش بيننا سيفا مصلتا مسلولا على أعناق البغاة والطغاة والظلمة، حتى يأتى اليوم الذى كتب الله لك أن تكون فيه ذبحا لعدونا وعدوك ونصرا لأمتنا وأمتك، ومخرجا لبلادنا وبلادك من ظلمات الأسر إلى نور الحرية.

والسلام عليكم ورحمة الله