دموع .. ورجاء .. وابتسامة رضا



حوارات عمرو خالد " لكل الناس " 

حوار أجراه أ. عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 25/7/2007

 بين مكة وبغداد ومصر .. توزعت خطاه واجتهاداته يؤلف القلوب ويمزج بين المذاهب .. هو الوحيد من بين الأئمة الذي تحدث في ثلاثة مساجد كبيرة في العالم الإسلامي: الحرم المكي، والمسجد الجامع في بغداد ومسجد عمرو بن العاص.

توهجت عبقريته في أحاديثه وفتواه وكتبه .. وخضعت آراؤه لمفاهيم العصر ومستجداته وطبائع الناس في كل بلد نزل فيه. وفي مصر كانت اللحظات الأخيرة والنهاية وهو الذي كان يحلم بالذهاب إلى الهند ليفرض علمه على أهل الأرض .. وفي ليلة النصف من شعبان ودع الدنيا .. لتبكيه مصر كلها. 

دموع .. ورجاء .. وابتسامة رضا:

المشهد الأخير في حياة الشافعي

ما بقى من وقائع في حياة الإمام الشافعي رضي الله عنه يرويها الداعية عمرو خالد.

عـلـى كـرسـي ابـن عـبـاس

قرر الإمام الشافعي الهجرة مرة أخرى إلى مكة، ليجلس للمرة الأولى على كرسي الإفتاء. وكان الشافعي قد عرضت عليه الفتوى. أو الإفتاء. مرتين، مرة وعمره 18 سنة في مكة، ومرة بطلب من الإمام مالك، لكن أمه نصحته بالتريث والانتظار حتى يملك العلم كله، اتجه الشافعي إلى مكة، واتخذ لنفسه مجلساً بالقرب من بئر زمزم، ففي هذا المكان لم يجلس للفتوى إلا شخص واحد هو عبد الله بن عباس، الذي احتضنه النبي وقال: اللهم فقهه، ولم يجرؤ أحد على الجلوس في هذا المكان بعد عبد الله بن عباس إلا الشافعي.

وقبل أن يبدأ الشافعي دروسه يشرب من ماء زمزم ويقول:

شربنا زمزم في الماضي لتعلم العلم فتعلمناه. ولو كنا شربناه للتقوى لكان خيراً لنا. ويمكث الإمام الشافعي تسع سنوات في مكة، من سن 36 سنة وحتى سن 45 سنة، ألف خلالها كتاب " الرسالة " كان يفتي الناس، ويتجمع حوله الآلاف حتى صار أشهر شخصية في العالم العربي يقولون سبق هارون الرشيد في حب الناس له.

قـواعـد الـمـنـهـج الـعـلـمـي لـلـتـفـكـيـر

وكتاب " الرسالة " أودع في طياته علم أصول الفقه، وهي قواعد محددة تحكم كيفية استخراج الأحكام  من القرآن والسنة، وقد انبهر الناس بهذا العلم، لدرجة أن إمام المحدثين في العراق كان يقول: لو كان أصغر لنفهم، ولدرجة أن المزنى. إمام من أئمة المحدثين.قال:

قرأت " الرسالة " مئة مرة، و والله كل مرة أقرؤه أستفيد بشيء جديد.

علم أصول الفقه هو قوانين تبحث في:

1-    مقاصد الشريعة

2-    قواعد اللغة العربية

3-    تجميع كل الآيات القرآنية حول الموضوع

4-    تجميع كل الأحاديث النبوية

5-    إجماع الصحابة

6-    القياس

 

وفي نهاية هذه الخطوات نصدر الحكم من خلال القرآن والسنة. هذا التفكير المنهجي في كتاب الرسالة جعل العلوم الأخرى تحذو حذوه، وتطبقها على نفسها. فعلم الكيمياء نقل منهج التفكير، وكيفية استخراج القواعد، كذلك فعلت باقي العلوم، فحدثت نهضة شاملة في كل بلاد المسلمين، فرأينا جابر بن حيان وابن الهيثم وغيرهما.

يقول أحمد بن حنبل: مازلنا نلعن أصحاب مدرسة العراق ويلعنوننا، حتى جاء الشافعي فمزج بيننا.

الـعـودة إلـى الـعـراق

قضى تسع سنوات في مكة، قرر التوجه إلى العراق مرة أخرى. لأنه حين ألف كتاب الرسالة الذي يجمع بين المدرستين، كان في مكة، لهذا أراد أن يسمعه أهل العراق، فسافر لمدة سنتين إلى العراق، حتى صار عمره 50 عاما. كان خلال هذين العامين مثل حمامة السلام، يحاول توليف القلوب بين المدرستين، فيقول لأهل الحجاز إن أبا حنيفة امتدح مالكاً وقال كذا، وفي العراق يقول إن مالكا امتدح أبا حنيفة وقال عنه كذا، وظل على هذا المنوال حتى صار عمره خمسون سنة، فينظر الشافعي إلى تلميذه " ربيع " ويسأله: ماذا بقى يا ربيع؟ قال ربيع: بقيت مصر والهند. قال الشافعي: نبدأ بمصر إن شاء الله، لعل الله يجمعهم علينا.

في أرض الـكـنـانـة

خلال العامين اللذين قضاهما في العراق، ألف الشافعي مئة وأربعين كتاباً. كأن ثمرة العلم والمعرفة طوال السنين السابقة بدأت تنضج من بين هذه الكتب كتاب كبير اسمه " كتاب الأم "، وقد جاء هذا الكتاب تطبيقاً لقواعد كتاب الرسالة، إذ احتوى على فقه العبادات والزواج والطلاق وغيرها. عبقرية الشافعي أنه وضع القواعد وطبقها وحين وصل إلى مصر، طلبوا منه أن يبدأ في الفتوى ،فقال: لا .. حتى أدرس أهل مصر أولا.

ويمكث سنة في دراسة أهل مصر، وينزل في مصر ضيفاً على واحد من أصحاب الإمام مالك، ثم بدأ في إعطاء درسه بمسجد عمرو بن العاص، وذاع صيته في ذلك الوقت واتسعت شهرته، فهو الوحيد الذي تحدث في ثلاثة مساجد كبيرة في العالم الإسلامي: الحرم المكي، مسجد عمرو بن العاص في مصر – والمسجد الجامع في بغداد.

 

وأصبح الناس ينسخون كتاب الرسالة، والعلماء يقرؤونه، فقد كتبه بأسلوب سهل يفهمه الجميع.

وفي مصر اتخذ الشافعي قراراً جريئاً، وهو أن يعيد كتابة كتاب الأم من جديد وأن يغير ما جاء فيه بالكامل، فيغير ملامح مذهبه، فيقول بناء على ذلك : قال الشافعي في القديم " ما كتبه في العراق " وقال الشافعى في الجديد " ما كتبه في مصر "، ولم يترك من كتابه القديم إلا 20 مسألة في كتابه الجديد. فقد وجد أن البيئة في العراق.

 

مثال لذلك .. كان الشافعي يقول في العراق إن من يقول لزوجته أنت طالق بالثلاثة، تصبح طالقاً بالثلاثة. وحين ذهب إلى مصر، وجد أنه لو طبق هذه الفتوى في مصر فلن تبقى زوجة على ذمة زوجها، فاعتبر أن الرجل الذي يقول لزوجته أنت طالق بالثلاثة، لا تحتسب إلا طلقة واحدة فقط، غامر الشافعي بتاريخه واتخذ طريقاً أكثر مرونة واتساقاً مع واقع البلد الذي ذهب إليه.

والناس لم تفقد الثقة فيه، كانوا على درجة مرونته في تلقي الفقه، كانوا على درجة مرونته في تلقي الفقه الجديد الفقه الجديد، " وما كان الله ليضيع إيمانكم".

بـحـر الـعـلـوم

ويظل الشافعي في مصر أربع سنوات، مرض خلالها بالبواسير وأخذ ينزف، ومع ذلك يبدأ درسه بجامع عمرو بن العاص بعد صلاة الفجر لمدة ساعة، يدخل إليه الذين جاؤوا لدراسة الحديث، ثم يدخل الذين جاؤوا لدراسة الفقه، ثم يدخل طلبة علم التفسير، ثم يدخل الذين جاؤوا لدراسة الشعر. ثم الذين جاؤوا لدراسة الأنساب.

كان يعطي دروساً متصلة من الفجر حتى صلاة الظهر، ثم يعود للتأليف من بعد العصر إلى المغرب وهكذا جمع الله به الناس في مصر. ماتت أمه وعمره خمسون سنة بعد وصوله إلى مصر. وحين صار عمره 54 عاماً اشتد الإعياء به، وكان يقول: أتمنى لو ذهبت إلى الهند، يقول أحد العلماء: لو كتب للشافعي أن يزور الهند، لفرض علمه على الأرض، ولكن الله يأبى إلا أن يبقى الاختلاف في الأمة من أجل مصلحتها. الاختلاف سنة كونية. 

الـرحـيـل

قبل وفاته بسنة، طلب الشافعي من تلميذه ربيع: أريد أن أذهب إلى الاسكندرية. قال:لم؟ قال لأرابط في سبيل الله على ثغور المسلمين أمام الرومان. قال: لم؟قال الشافعي: بذلت في العلم الكثير، وجاهدت بالعلم الكثير، وأحب أن أجاهد في آخر حياتي بالرباط في سبيل الله. ويذهب إلى الاسكندرية . كان يقف أمام البحر كالجندي يقرأ القرآن في ليلته وهو مرابط إلى اليوم التالي .. قبل الوفاة بأيام، يقول ربيع: رآيت في المنام أن آدم عليه السلام يموت. فسألت في تفسيرها، فقيل لي:

سيموت أعلم أهل الأرض .. فقلت: ولم؟ فقال مفسر الأحلام: لأن الله يقول: " وعلم آدم الأسماء كلها"، فموت آدم في الحلم، موت لأعلم أهل الأرض. يقول: فقلت لنفسي: سيموت الشافعي.

وقبيل موته بيومين قال الشافعي بيتاً جميلاً من الشعر:

متعب العيش مرتحلا من بلد إلى بلد

والموت يطلبني في هذا البلد".

أما الليالى الأخيرة قبيل موت الشافعي، دخل عليه ربيع يسأله: كيف تجدك؟

فقال: أجدني ضعيفاً

فقال له ربيع: قوّى الله ضعفك.

ولمح الشافعي ربيع يبكي. فرق لحاله، وقرر أن يضاحكه " يقول له نكتة".

فقال له الشافعي: أتدعو عليّ يا ربيع؟

قال: كيف يا شافعي؟

قال: تقول قوّى الله ضعفي، إذا قوّى ضعفي متّ يا ربيع.

فقال ربيع: والله يا إمام لا أدرى أأبتسم لكلمتك أم أبكي؟

فقال له: اقرأ عليّ القرآن يا ربيع.

( وكان ذلك يوم الوفاة )

فقال: ماذا أقرأ عليك؟

قال: اقرأ عليّ قول الله تبارك وتعالى:

" ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار. ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد. فاستجاب لهم ربهم..".

كان ربيع يقرأ والشافعي يبكي، يقول ربيع: فسمعت له شهيقاً وأنا أكمل الآية الكريمة:

" فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض".

يقول ربيع : فعلا نحيبه وابتسامته ثم قال لي: يا ربيع اذهب إلى فلان" المالكي : فقل له الشافعي يقول للك: ادع له: يقول فقلت له بعد قليل.

قال: اذهب الآن فهو أطيب لقلبه وقلبي. يقول: فقلنا له وهو يحتضر، وكان ذلك عند المغرب: نخرج ونتركك؟ فقال: لا .. حتى تشهدوا خروج روحي ثم قال أبياتاً من الشعر، هي آخر ما قاله:

" ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي

جعلت رجائي نحو عفوك سلما

تعاظمت ذنوبي فلما قارنتها

بعفوك كان عفوك أعظما

فمازلت ذا عفو تجود

عن الذنب وتغفر منه تكرما".

يقولون: فقال هذه الأبيات عن عفو الله ثم فاضت روحه. يقولون: فلما دفناه ليلاً، نظرنا فإذا ليلة النصف من شعبان. وقبره معروف في مصر إلى الآن. يقولون: ما رأينا أهل مصر يبكون أحداً من العظماء، كما بكوا الشافعي وحزنت مصر كلها عليه.