حوارات عمرو خالد "
لكل الناس "
حوار أجراه أ.
عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ
18/7/2007
هي لحظة ..
قلبت حياته من النقيض إلى النقيض ..
قال فيها قولة الحق والصدق وبات المتهم فارساً .. كشف زيف المنافقين من الولاة..
وأعلنها صريحة في وجه الحاكم: العدل .. العدل.
فانقلب الاتهام إلى إعجاب، ونجا الشافعي من سيف الإعدام.
ساقوه إلى الخليفة مكبلًا بالحديد
كيف نجا الشافعي من الإعدام؟!
مع الشافعي نتواصل مع عمرو خالد .. يقول:
قام فكر الإمام الشافعي على تقليل حجم الفجوة في الصراع وتقليل دائرة الخلاف مع
توسيع دائرة الاتفاق.
وقد تعلم هذه الفلسفة من أمه.
شـمـس الـدنـيـا
هناك ثلاثة من الأئمة الأربعة صنعتهم أمهاتهم: مالك والشافعي وأحمد بن حنبل..
لكن الشافعي مات صغيراً بعد أن كرس حياته لتجميع الناس. يقول أحمد بن حنبل الذي
تعلم على يد الشافعي: إني أبيت 40 سنة أدعو للشافعي مع أبي وأمي، فسأله ابنه: يا
أبت لمَ تدعو للشافعي كل هذا الدعاء؟
قال ابن حنبل لابنه: يا بني كان الشافعي للناس مثل الشمس للدنيا، ومثل العافية
للبدن، جمع الله به الناس، ويقول أحمد بن حنبل:
ليس هناك إنسان يعيش هذا الزمان أو الزمن القادم، في يده محبرة وقلم إلا وفي رقبته
للشافعي فضل. كل علماء عصره استفادوا من علمه، فقد كان موسوعة عصره. يقول بن حنبل:
جاء اسحق بن رهاويه – أحد كبار العلماء – فقلت له تعال أريك رجلاً لم تر عيناك مثله
من قبل.
يقول بن رهاويه: فجلسنا في مجلس الشافعي دون أن يدري، فتكلم في الفقه، فقال ما لم
أسمعه من قبل، فقلت هذا أعلم الناس في الفقه، فتكلم في الحديث، فقلت هذا أعلم الناس
في الحديث، فتكلم في التفسير، فقلت هذا أعلم الناس في التفسير، فتكلم في الشعر فقلت
هذا أعلم الناس في الشعر، فتكلم في اللغة العربية، فقلت هذا أعلم الناس في اللغة،
فتكلم في الرياضة فنظرت إلى أحمد بن حنبل وقلت له: من هذا؟ .. ما ظننت أن الله خلق
مثل هذا، والله لم تر عيناي مثله.
نـبـوءة الـنـبـي
والشافعي قرشي الأصل، أي أنه من نسب النبي " صلى الله عليه وسلم" ويلتقي مع النبي
في الجد التاسع، ولذلك هناك حديث للنبي تنبأ فيه بالشافعي. يقول النبي " صلى الله
عليه وسلم ": اللهم اهدِ قريشاً فإن عالمها سيملأ الأرض علماً، وهناك حديث للنبي "
صلى الله عليه وسلم " يقول: يبعث الله على رأس كل مئة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر
دينها. في المئة سنة الأولى بعد الإسلام كان عمر بن عبد العزيز، أما مجدد القرن
الثاني فهو الشافعي، واتفق على ذلك العلماء.
عمر بن عبد العزيز لأنه ملأ الأرض عدلاً صار مجدد القرن الأول، أما الشافعي فلأنه
نجح في تجميع الناس صار مجدد القرن الثاني، وأنقذ الأمة من صراع شديد فقد هاجر
الشافعي خلال حياته – 54 سنة – عشر مرات، ذهب إلى مصر واليمن والعراق وفلسطين ومكة
والمدينة، فكان سفيراً للتعايش وحمامة سلام في زمن مات فيه الصحابة والتابعون، وحين
يختلف الناس كانوا لا يعرفون إلى من يذهبون.
يقول الإمام أحمد بن حنبل:
مازلنا نلعن مدرسة العراق ويلعنوننا حتى جاء الشافعي فمزج بيننا، وأصبح كل فريق –
مدرسة الحجاز ومدرسة العراق يقول: ما أنصفنا إلا الشافعي، وضع لنا ضوابط كيف نفكر،
وفريق مدرسة الحديث قالوا: كنا نضيق الفكر فجاء الشافعي فأيقظنا من رقادنا
فاستيقظنا.
بـيـن مـدرسـتـيـن لـلفـقـه
ماذا فعل الشافعي في مسألة اختلاف الناس في الفقه؟
- عاش الشافعي عمره
بين المدرستين وتتلمذ عليهما، يظل تلميذاً عند كل مدرسة حتى يستوعب علمها كاملاً،
ثم يؤلف ويبتكر اختراعاً جديداً، فقد ابتكر علم أصول الفقه، بمعنى كيف تستنبط من
القرآن والسنة ومن خلال قواعد محدودة. كل العلم قبل الشافعي كان بلا قوانين،
الشافعي وضع القواعد وأسس القوانين وظل عاكفاً على وضع أساس هذا العلم فترة تسع
سنوات، فوضع قوانين التفكير، مثله مثل أرسطو، وبهذا وضع حداً لنزاع فكري رهيب.
والغرب استفاد من
الشافعي، لأن أوروبا لم تكن تملك قواعد لأي علم من العلوم، حتى نقل ابن رشد فكر
الشافعي للأندلس فوصل لأوروبا و هكذا صارت علاقات الحضارات " وجعلناكم شعوباً
وقبائل لتعارفوا ".. " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة " علم الشافعي وصل
لإسبانيا ومنها لأوروبا فكانت النهضة الأوروبية. وجاء جابر بن حيان فوضع قواعد
الكيمياء، وجاء البيروني وجاء ابن هيثم والمسعودي.
الـمـقـاصـد الـخـمـسـة
كيف وضع الشافعي
قواعد الاستنباط؟
قال الشافعي:
أولاً: علينا توضيح
مقاصد الشريعة، فشريعة الإسلام لها خمسة أهداف وأي آية في القرآن فيها حرام أو حلال
تبغي الحفاظ على:
1-
حفظ النفس.
2-
حفظ العقل.
3-
حفظ النسل والعرض.
4-
حفظ الدين.
5-
حفظ المال.
ثانياً وضع القواعد الأصلية للغة العربية حتى لا يتم التلاعب بالألفاظ.
ثالثاً: تجميع الآيات التي لها علاقة بالموضوع،ثم الأحاديث النبوية، ثم أقوال
الصحابة ثم الإجماع ثم القياس " كقياس المخدرات على الخمر لأنها تذهب العقل".
وبعد أن وضع القواعد، ذهب لمدرسة الرأي في العراق فوافقوا عليها. ثم ذهب إلى مكة
والمدينة وعرض عليهم الضوابط والقواعد فوافقوه عليها، يقول أحمد بن حنبل:
مازلنا نلعن أصحاب مدرسة الرأي ويلعنوننا حتى جاء الشافعي فمزج بيننا، ثم قام
الشافعي بتأليف كتاب " الرسالة "، ووضع فيه آراء المدرستين وقال إن القواعد التي
توصل إليها تجمع بين المدرستين.
واكتشفت المدرستان الفقهيتان في المدينة والعراق أن كلاً منهما تكمل الآخرى، ولا
مجال للخصومة بينها.
أول بـعـثـة دراسـيـة
نعود إلى سيرة حياة الإمام الشافعي من حيث توقفنا في الحلقة الماضية: هو الآن عمره
13 سنة، يجيء إمام مصر العظيم الليث بن سعد إلى مكة لإعطاء دروس في الفقه، فيرى
صبياً يافعاً يزاحم الكبار وبين يديه أوراق وقلم يسجل كل ما يسمعه في مجلس الليث،
ويسمع الليث بن سعد يقول: إن من أسباب افتراق الناس اختلافهم على اللغة، فهل من رجل
يتعلم اللغة على أصولها ويجمع التفسير والحديث، فيجمع الله به هذه الأمة؟
ثم يستطرد الليث بن سعد: وهذا موجود فقط في قبيلة هذيل، ويرجع الشافعي لأمه يحكي
لها ما قاله الليث، فتقول له: عليك بالسفر إلى هذيل.
ويذهب الشافعي في أول بعثة علمية في الصحراء. دون راتب ودون راحة، ويمكث هناك أربع
سنوات ليتعلم اللغة العربية. قبيل سفره قال لأمه أأتركك؟
قال: ستأتيني من حين لآخر، ولكن الأمر أعز. ويعيش الشافعي في قبيلة هذيل من سن 14
سنة حتى 18 سنة، ويعود عندئذ ومعه قرآن وحديث وتفسير، ويتعلم هناك ثلاثة أشياء
جديدة، عشرة آلاف بيت من الشعر، وإجادة فائقة للغة العربية. لدرجة أن ابن هشام مؤلف
السيرة يقول: عاشرت الشافعي عشر سنوات فلم يخطئ مرة في النحو، وتعلم أنساب العرب،
فكان مثل الجوازات الحالية، وتعلم رياضة الرمي فكان يصيب الأهداف جميعاً، يعود
الشافعي إلى مكة، فيقول له علماء مكة: آن لك أن تفتي.
ويعود إلى أمه فتقول له: لا تجلس للفتوى الآن إن أفتيت الآن صرت طرفاً. أي ستكون
داخل الصراع الدائر، فعليك أن تتعلم كل العلم، ثم تنظر بعد ذلك بشمولية فتفتي فتوى
صحيحة.
في حـضـن مـالـك
ويقرر الشافعي أن يذهب إلى الإمام مالك، وترهن أمه البيت الذي لا يملكون سواه،
ليعيش الشافعي إلى جوار الإمام مالك وينفق من رهن البيت فترة تسع سنوات" من سن 20
سنة إلى سن 29 سنة". فيستوعب علم الإمام مالك، لدرجة أن الإمام مالك استأذنه
الشافعي ذات مرة للسفر إلى العراق للتعرف على علم أبي حنيفة، فيأذن له الإمام مالك
بالسفر لتعلم فكر المدرسة الأخرى. ويقول الشافعي لمالك : لكن ليس معي مال أسافر به.
فيرد عليه مالك: سأعطيك المال، ويذهب الشافعي إلى البصرة ويقضى في العراق ثلاثة
أشهر، ويتعرف على تلميذ" أبي حنيفة " محمد بن الحسن، ويعجب محمد بن الحسن بانفتاح
الشافعي، ويعود الشافعي من العراق، وكان الإمام مالك جالساً يعطى درسه فدخل عليه
الشافعي، وخجل أن يقطع الدرس لمصافحة مالك، فجلس في الصف الخلفي دون أن يلحظ مالك
وجوده، وسأل مالك تلاميذه: من يجيب عليّ في تلك المسألة؟.. فلم يجبه أحد، فأعاد
سؤاله، وهنا قال الشافعي لمن يجلس إلى جواره، قل له كذا وكذا، فاندهش مالك من صواب
الإجابة، ثم سأل مالك تلاميذه في مسألة أخرى، فكرر الشافعي ما فعل، فقال مالك
لتلميذه: من أين لك بهذا العلم؟ قال: من الذي بجواري، فرآه مالك، فنهض من كرسيه
ونزل بين التلاميذ واتجه إلى الشافعي وعانقه، وقال له: آن لك أن تجلس على هذا
الكرسي لتفتي مكاني.
فقال الشافعي: لا يا إمام حتى أستكمل علم العراق. فقال الإمام مالك: يكون إن شاء
الله، ويموت مالك.
الـمـؤامـرة
ويضطر الشافعي إلى العمل للحصول على المال حتى يسافر إلى العراق، فيذهب إلى اليمن
ليعمل، وفي الطريق يتعلم فكر الشيعة ويأخذ علمهم وهو مختلف معهم، ليعرف كيف يتحاور
معهم، ويجد منطقة مشتركة بينه وبينهم.
ثـمـن كـلـمـة الـحـق
يدرس الشافعي في اليمن علم الفراسة ويحدث أن والي اليمن التابع للخلافة العباسية
يمارس القهر والظلم ضد الشيعة والزنادقة والخوارج، فرفض الشافعي هذه الممارسات اللا
إنسانية، واعترض على ذلك للوالي قائلا: أنا منكم لكني أخالفكم في ظلم الناس، فوالله
إن الظلم سيؤدي لمزيد من الكراهية للعباسيين، فيضمر والي اليمن شراً للشافعي ويرسل
برسالة إلى هارون الرشيد: عندى رجل هاهنا مع تسعة آخرين من الزنادقة فعلاً، قال
هارون الرشيد للوالي: أرسلهم إليّ مكبلين بالحديد، فأرسله الوالي وعمره حينئذ 32
عاماً مع التسعة المارقين إلى العراق، يستقبلهم هارون الرشيد، ويسألهم واحداً
واحداً فيتأكد أنهم من الخوارج، فيقتلهم واحداً بعد الآخر، وجاء الدور على الشافعي.
يقول الشافعي: فلم أجد قبل أن أدخل عليه إلا اسم الله اللطيف، فظللت أقول: يا لطيف
الطف بي يا لطيف الطف بي.
يقول الشافعي: فوقفت بين يدى هارون الرشيد فقال لى: أأنت قلبت الناس عليّ وقلت كذا
وكذا، فقلت له: كيف أؤلبهم عليك وأنا ابن عمك؟ فقال له: من أنت؟
قال: محمد بن إدريس بن شافع بن سائب القرشي.
فقال هارون الرشيد: ولماذا تؤلب الناس عليّ؟
قال: يا أمير المؤمنين فعلت ذلك خوفاً عليك وليس حقداً عليك، قال كيف؟ قال: يا أمير
المؤمنين الظلم يزيد الناس كراهية، والعدل يزيد الناس إنصافاً، وإني مختلف معهم
وأرفض ما يقولون ولكننا بذلك نؤجج الصراع بيننا وبينهم. فقال هارون الرشيد: إن لك
لعقلاً، فمن يدريني أنك صادق؟
فلمح الشافعي إلى جوار هارون الرشيد محمد بن الحسن فقال لهارون الرشيد: اسأل
العالم، فنظر هارون إلى محمد بن الحسن وسأله: أتعرفه؟
قال محمد بن الحسن: يا أمير المؤنين هذا الرجل سيكون عالم الأرض.
فقال هارون الرشيد: أسيكون أعلم منك؟
قال : نعم.
فقال هارون الرشيد:
إذن خذ 50 ألف دينار، أنفق بها على حياتك. وعاش الشافعي بهذا المال في العراق وأرسل
لأمه لتأتي من مكة لتعيش، ويتزوج ويبنى بيتاً، وينجب ولدين، ويمكث في العراق مدة
سنتين حتى يصل عمره 36 سنة، ويتعلم كل علم أبي حنيفة من محمد بن الحسن.
فيمتلك بهذا كل علم المدرستين، ثم يهاجر إلى مكة ليجلس لأول مرة للفتوى.
www.amrkhaled.net