حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ. عصام الغازي مع
الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ
27/6/2007
مع الناس وبين
الناس ومن الناس .. بنى الإمام مالك قواعد فقهه وأحكامه .. ابتكر ما يسمى " عرف "
المجتمع، فما يتفق عليه الناس يؤيده ويتبناه، مادام حلالاً ويتفق مع ما تحرص عليه
الشريعة من أهداف أساسها مصلحة الناس أولاً.
لماذا رفض مالك أن
يخلط الدين بالسياسة؟
لم يشأ مالك أن
يزج بنفسه في دهاليز الساسة والحكام .. لم ينافقهم .. ولم يتودد إليهم، فعانى
كثيراً من الظلم والجلد.. ولم يهتز ولم يغير فتواه لصالح حاكم، وظل صامداً على
مبادئه.
فقه مالك وفكره
هو حصاد 40 سنة من الاجتهاد، جمعه في كتاب " الموطأ" الذي يشهد على مدى انفتاح عقله
ورؤيته التنويرية التي جمعت عليه الناس بمختلف أفكارهم..
الداعية عمرو
خالد يتحدث عن مذهب مالك .. والدروس المستفادة من سيرة حياته.
5 أهـداف لـلـشـريـعـة
عاصر الإمام
مالك .. الذي عاش 86 سنة في رواية أخرى .. أربعة عشر خليفة للمسلمين من بينهم تسعة
خلفاء أمويين، وخمسة خلفاء عباسيين. فكيف تعامل معهم؟.
قام مذهب مالك
على فكرة هي: أن الهدف من الشريعة هو مصلحة الناس والتيسير عليهم، فحيث المصلحة
توجد الشريعة، وحيث المصلحة يوجد النص..
وأدرك مالك أن
للشريعة الإسلامية خمسة أهداف:
حفظ الدين، حفظ
العرض، حفظ النفس، حفظ العقل، وحفظ المال. ومقاصد الشريعة الإسلامية هي الحفاظ على
هذه الأهداف. وكل آية وكل حديث يأمر أو ينهى، بدءاً من تحريم الزنا، الذي هو حفظ
للعرض، إلى تحريم القمار لحفظ المال والترغيب في الزواج وتيسيره حفاظاً على النسل.
وأية فتوى
للإمام مالك انطلقت من هاتين الركيزتين. وللتعرف على التيسير نعود إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فمالك شديد الاقتداء بالنبي. " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين
".
وما خُيِّر رسول
الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً أو قطيعة رحم. ولمعرفة النبي
صلى الله عليه وسلم يرجع إلى أهل المدينة، فأهل المدينة يقلدون النبي في كل
سلوكياته، والإمام كان مبدعاً ومفكراً، وهو لم يصبح أحد الأئمة الأربعة إلا لأنه
صاحب فكرة. وابتكر شيئاً اسمه عرف المجتمع، فما يتفق عليه المجتمع ما دام حلالاً
فهو يتبناه ويؤيده.
مـالـك .. لا يـدري!
جاء إلى الإمام
مالك رجل من الأندلس قال له: يا مالك أريد أن أستفتيك في كذا وكذا. قال مالك: لا
أدري.
قال الرجل: يا
إمام هذا سؤال ليس بالصعب.
قال: لا أدري.
قال الرجل: يا
إمام لقد جئتك من الأندلس لأسألك فتقول لا أدري؟
قال: لا أدري.
قال: فماذا أقول للناس؟
قال: قل لهم
مالك لا يدري.
فقال الرجل: لم
كل هذا؟
قال: يا رجل أنا
لا أدري ماذا تفعلون في الأندلس، ولا كيف تعيشون، فكيف أفتي وأنا لا أعرف كيف يعيش
الناس عندكم، اسأل من يعرف الأندلس. هكذا كان العرف مهما بالنسبة لمالك. ولهذا قبل
الناس كلهم " مالك " لأن المنطقة المشتركة بينه وبين الآخرين واسعة جداً، فهو قادر
على عمل دوائر مع المتدين وغير المتدين.
مع المسلم وغير
المسلم. " ما جعل عليكم في الدين من حرج ".. " وإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا
معسرين "..
" يريد الله بكم
اليسر ولا يريد بكم العسر ".. " ويريد الله أن يخفف عنكم " .. " لا ضرر ولا ضرار "
.
هذا هو خط مالك
.. لهذا فإنه " اخترع " مصطلحات لم تكن معروفة حتى لا يستخدم. كلمة حرام. فيقول
مثلاً: لا يصح عندي. أو يقول: لا خير فيه.
40 سـنـة لـتألـيـف كـتاب
وقد جمع الإمام
مالك كل هذا الفكر وكل هذه الفتاوى في كتاب أسماه " الموطأ "، وقد جمع مالك مادة
هذا الكتاب في أربعين سنة".. فكلما كتب شيئاً، ووجد أن مصلحة الناس تستدعي التعديل،
يقوم بتعديل ما كتب .. ولذلك هناك عدة مرويات في المسألة الواحدة بالموطأ، هكذا كان
الانفتاح والتنوير في فكر مالك منذ 1400 عام.
وقد جاء الخليفة
المنصور في المدينة وقال له: لو شئت يا مالك نكتب الموطأ بماء الذهب. فرد مالك: لا
تكتبه بماء الذهب. ولكن اعمل بما فيه.
فـقـه أهـل الـمـديـنـة
كان العلماء إذا
اتفقوا على شيء وخالفهم أحدهم قالوا شذ فلان. إلا " مالك " لم يصفه أحد بذلك أبداً.
فيقولون مثلاً رأيه في الغناء بأنه مباح وليس حراماً، لم يصفه أحد بسبب هذه الآراء
بأنه شذ، لكن يقولون: خالف مالك.
فدوائر التفاهم
بينه وبين الآخرين كثيرة وواسعة.
كان من رأي مالك
أن عمل أهل المدينة هو ما ينبغي أن يعمم بين المسلمين .. وأرسل ذات مرة رسالة إلى
أحد أئمة الحرم المكي يقول له: ما هذه المسائل التي تخالف عمل أهل بلدنا فيها؟
كانت هذه نظرة
مالك في بداية حياته، لكنه أحدث تغييراً عليها فيما بعد. أرسل مالك خطاباً لليث بن
سعد في مصر ينكر عليه الفتوى بغير عمل أهل المدينة يقول فيه:" من مالك بن أنس إلى
الليث بن سعد سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو أما بعد .. عصمنا
الله وإياك بطاعته في السر والعلانية وأعاذنا وإياك من كل مكروه. اعلم رحمك الله
أنه بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة أهل المدينة وأنت في إمامتك
وفضلك ومنزلتك في أهل بلدك، وحاجة الناس إليك ألم تسمع قول الله تعالى:
" والسابقون
الأولون من المهاجرين والأنصار " ألم تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: إن
الإيمان يفر إلى المدينة كما تفر الحية إلى جحرها؟
فكيف تعمل بعمل
غير أهل المدينة؟ ينبغي أن تعلم يا ليث أن الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت
الهجرة وبها نزل القرآن وبها أحل الحلال وحرم الحرام، وبها عاش رسول الله، ومات
رسول الله ونزل الوحي وعاش الصحابة وعاش التابعون وماتت زوجات الرسول وهن أعلم
الناس بحياة النبي صلى الله عليه وسلم .. فانظر رحمك الله فيما كتبت إليك فيه
لنفسك، واعلم أني أرجو ألا يكون دعائي إلى ما كتبت إليك به إلا النصيحة".
العلم بين المدينة ومصر والعراق
ولم ينشر مالك
هذا الخطاب في حياته، ونشر بعد موت مالك والليث بن سعد. وقد رد الليث بن سعد على
مالك قائلاً: " قد بلغني كتابك تذكر فيه من صلاح حالكم الذي يسرني فأدام الله لك
ولأولادك النعمة والعون. وقد بلغك أني أفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس
عندكم وأني يحق عليّ أن أخاف على نفسي.وقد وقع كلامك مني كل موقع وانتصحت بما فيه
واعلم أني لا أشذ في الفتيا، ولكن أعلم أن أتباع رسول الله تفرقوا في البلاد وجاءنا
من العلماء كما عندكم من العلماء .. أما قولك أننا نجمع الصلاتين " المغرب والعشاء
في الليالي الممطرة " فلعلك لا تدري يا مالك أن المطر عندنا غير المطر عندكم في
المدينة فهو كثير فوق قدرتك على التخيل، و والله أنت تأمر بالتيسير ولو جئت ورأيت
الأمطار عندنا في الشتاء لفعلت ما نفعل، وقد فعل ذلك من أصحاب رسول الله عمرو بن
العاص والزبير بن العوام وبلال وأبو الدرداء لأنهم عاشوا عندنا".
وقد قال مالك
قبيل موته:
" العلم شجرة
أصلها بالمدينة وغصنها بالعراق وثمرتها في مصر ".
مـالـك لا يـعـرف الـنـفـاق
عاصر مالك تسعة
خلفاء من الأمويين وخمسة خلفاء من العباسيين، أي أربعة عشر خليفة .. أولهم كان
الوليد بن عبد الملك الذي ولد مالك في عهده، ثم سليمان بن عبد الملك ثم عمر بن عبد
العزيز الذي مات ومالك في التاسعة من عمره، ثم عاصر باقي الأمويين، ثم عاصر من
العباسيين أبا العباس ثم أبا جعفر المنصور ثم المهدي ثم الهادي ثم الرشيد الذي أرسل
إليه ولديه الأمين والمأمون ليتعلما واللذين صارا خليفتين بعد ذلك.. وهؤلاء جميعاً
قبلوا مالك ويكنون له الاحترام ويأخذون بفقهه.
والمدهش أن مالك
لم يكن منافقاً لأحد من الحكام، كما لم يكن صدامياً. كان محايداَ في علاقته بهم
جميعاً .. فهو صاحب مدرسة في الفقه ولا شأن له بالصراع السياسي.
ذات مرة حاول
المغرضون إخراج مالك عن حياده في عهد المنصور، فقد وقعت ثورة في الحجاز بقيادة رجل
اسمه محمد بن الحسن والمعروف بالنفس الزكية.
وكان بين
العباسين من يكره مالك، فذهب بعضهم وسأل مالكاً سؤالاً:
أجبر رجل على
طلاق زوجته، فهل يقع الطلاق؟
فرد مالك: لا
يقع الطلاق لأن طلاق المكره لا يقع. ليس على المكره طلاق. فذهب المغرضون إلى أبي
جعفر المنصور الذي كان قد أجبر الحجاز على مبايعته، وصوروا له أن مالك في فتواه عن
طلاق المكره، كان يقصد تحريض أهل الحجاز على الثورة عليه لأن بيعة المكره كطلاق
المكره، وأنه يساند بهذه الفتوى ثورة محمد بن الحسن " النفس الزكية " .
وكان الأجدر
بالمنصور أن يتمثل الآية الكريمة: " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ
فتبينوا ".
لكن المنصور
انزلق إلى الوقيعة ولم يتبين.
جـلـد مـالـك
غضب الخليفة
المنصور وصدق الوشاة بينما مالك بريء من هذه التهمة، فقد جاء مالكاً سؤال عن الطلاق
فأجاب عليه. أرسل المنصور إلى مالك يطالبه بتغيير الفتوى، فقال مالك: والله لا أفعل
أبداً .. فلما وجد إصرار مالك، قال له: اخرج بين الناس وقل لهم أنك لا تقصدني
بالفتوى، فقال مالك هذا يخرجني عن حيادي.
وأصر على عدم
تغيير فتواه أو تأويلها لصالح المنصور.
قال المنصور:
إذاً تجلد.
قال مالك: افعل
ما شئت.
وتم جلد مالك
بما يزيد على مئة سوط حتى خلعت كتفه. وعجز مالك بعد ذلك عن رفع ذراعيه أثناء
الصلاة. ولم يحاول مالك تحريض مريديه ضد المنصور رغم قدرته على إحداث ثورة أقوى من
ثورة محمد بن الحسن.
قال مالك في
تفسير ذلك:
لا .. إنما ضربت
أنا، وظلمت أنا، ومهمتي أن أحقن دماء المسلمين. وظل يصف المنصور في أحاديثه بأمير
المؤمنين.
اعـتـذار الـخـلـيـفـة
وعندما أدرك
المنصور أنه تعرض للخديعة من حاشيته ، فعاد يتودد إلى مالك. ثم أرسل يقول له: ما
رأيك في أن نجمع الناس جميعاً على كتاب الموطأ، ونجعل فقهك هو الفقه الوحيد في بلاد
المسلمين؟
فرفض مالك لأنه
يحترم عقل وفكر الآخرين.
وقام المنصور
بزيارة للمدينة، وقرر أن يبدأ الزيارة بزيارة بيت مالك فكان رد اعتبار واعتذار له.
سأل المنصور مالك خلال زيارته له في بيته: ما تأمرني؟
قال له مالك:
آمرك بأن تخرج الآن تطرق أبواب بيوت المسلمين، فهم المهاجرون والأنصار، وتأمر بعطاء
مالي لكل عائلة
وبعد أن انتهى
المنصور من فعل ذلك، ابتسم مالك. فقال المنصور:
يا مالك نريد أن
نأمر لك بعطاء.
قال: عندي ما
يكفيني يا أمير المؤمنين.
فقال المنصور:
يا مالك عندك ما يكفي؟
ألست أنت الذي
عندما تجوع ابنتك فتبكي، تحرك الطحين حتى يغطي على صوتها فلا يسمع الجيران، أنكم
تحتاجون المال؟
فقال مالك: كيف
عرفت؟ والله لا يعلم ذلك إلا الله؟
فرد المنصور:
واجبي أن أتفقد رعيتي.
بعد ذلك قبل
مالك هدايا الخلفاء.
وحين لامه الناس
على ذلك قال: ألست أنصحهم؟ ألست عزيزاً؟ ألست أقول الحق؟ فلم لا أقبل؟
ثم جاءه رجل
يسأله؟
هل يجوز قبول
هدايا الخلفاء؟
قال: لا يجوز.
سأله: كيف لا
يجوز وأنت تقبلها؟
قال: أنا أعلم
ما أفعل، أما أنت أرأيت إن كنتُ آثماً أتريد أن تبوء بإثمي وإثمك؟ لا تفعل.
قالوا له: لماذا
تقبل مقابلة السلاطين؟
قال: فمن يعلمهم
سنة رسول الله ومن ينصحهم، ومن يأمرهم بالحق إن لم أفعل أنا؟
والله إن لم
أقابلهم وأدخل عليهم لأزاحوا سنة رسول الله عن المدينة.
بـكـاء الـمـديـنـة
قبل أن يموت
مالك عن حوالي 86-92 عاماً سأل تلميذه مطرق: ماذا يقول الناس عني؟
فقال: إما صديق
يثني وإما عدو يقع.
فقال مالك:
الحمد لله.
فقال له: لم؟
قال: مازال الناس هكذا بين عدو وصديق، اللهم إني أعوذ بك من تتابع الألسنة. فقال له
مطرق: كيف، أرأيت إن كانوا كلهم أصدقاء ما يضيرك؟
قال: إذاً
يقتلونني بالعجب.
قال: أرأيت إن
كانوا كلهم أعداء؟
قال: إذاً، يصدق
قولهم فيّ عند الله.
وعند احتضاره
سألوه: يا أبا عبد الله كيف أنت؟
قال: والله ما
أدري ما أقول لكم، ولكن ستعاينون من عفو الله عز وجل ما أراه الآن، وعندما تعاينون
ذلك ستحبون الله حباً شديداً.
يقولون: فظل
يبتسم ويردد: يا عفو يا عفو يا عفو.
يقولون ظل
يرددها المرات والمرات حتى أغمضنا عينيه.
وترك مالك ابنة
وثلاثة أبناء، وثلاثة آلاف درهم.
وما بكت المدينة
بكاء، كبكائها يوم مالك إلا عندما مات الخلفاء الراشدون.
يقولون: مات
مالك فتذكرنا وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. ودفن في البقيع إلى جوار قبر ابراهيم
ابن النبي صلى الله عليه وسلم.
www.amrkhaled.net