من قريب .. جريدة الاهرام المصرية



نشر في جريدة الاهرام المصرية بتاريخ 24 مايو 2007 

من قريب ...
بقلم : سلامة أحمد سلامة

 

تحث المجتمعات المتقدمة دائما عن عوامل التجديد والتغيير التي تعيد تشكيل العقول والحياة فيها‏,‏ كما تبحث عن الأشخاص الذين يملكون من الأفكار والمبادرات ما يصنع تيارا واسعا من التأثير في حركة المجتمع وتوجهاته‏..‏

وعندما أصدرت مجلة تايم الأمريكية أخيرا عددا خاصا عن المائة شخصية الأكثر تأثيرا في العالم‏,‏ ذهبت إلي أركان العالم في الشرق والغرب والشمال والجنوب‏,‏ واختارت نماذج مختلفة من فئات متباينة‏,‏ ضمت ثوارا وقادة‏,‏ وفنانين ومبدعين‏,‏ علماء ومفكرين‏,‏ أبطالا ورياضيين‏.‏ ولم يكن معيار الاختيار أن يكون الشخص هو الأكثر قوة وسلطانا‏,‏ ولكن الأكثر تأثيرا ونفوذا‏..‏ بما يملكه من موهبة وتميز‏,‏ وبما يقدمه من أفكار تغير حياة الناس وعصرهم وعالمهم‏.‏

هناك بالطبع حكام وطغاة يستطيعون تغيير العالم بالقوة والقمع‏,‏ ولكن التغيير الذي يتحقق في هذه الحالات سرعان ما يذهب هباء‏,‏ أشبه بالفقاقيع الطافية فوق مياه نهر يتدفق‏,‏ لاتترك وراءها أثرا‏,‏ بل ربما أحدثت فراغا وموتا يصعب إحياؤه‏.‏

وقد كان اختيار التايم للشاب المصري عمرو خالد من بين مائة يغيرون وجه العالم‏,‏ مثار دهشة واستغراب وتساؤل‏.‏ بل ربما انقلبت الدهشة إلي قدر كبير من الاستهانة والعداء‏.‏ فلم تكن الأسباب التي من أجلها احتل عمرو خالد الترتيب‏13‏ في قائمة المائة ـ بسبب شهرته كداعية يستقطب بأفكاره وبخطابه العصري ملايين الشباب في العالم الاسلامي‏,‏ وما يمثله من اعتدال وتسامح ودعوة للحوار بين الأديان ـ كافية من وجهة نظر الذين اعتادوا أن يتبعوا ما تقدمه لهم أجهزة الدعاية الرسمية من نماذج ومثل يرفعونها ويقدسونها‏.‏ ففي المجتمعات المغلقة التي يغلفها الجمود وتغيب عنها الحرية‏,‏ يصعب أن تبرز من غير صفوف النخبة المهيمنة شخصيات متميزة تخترق الحواجز والقيود‏.‏ فلا صوت يعلو علي صوت الزعيم‏.‏ ولا نجم يسطع إلي جواره‏.‏ ولا فكر يستحق الاشادة غير فكره‏.‏

تسود هذه النظرة في المجتمعات العربية والاسلامية بصفة عامة‏.‏ فتحجز وسائل الاعلام مكان الصدارة والقمة للرؤساء وكبار المسئولين وعائلاتهم ومحاسيبهم‏,‏ وتسلط عليهم أضواء الدعاية لايتزحزحون عنها ولايسمحون لغيرهم بالاقتراب منها‏.‏

وربما لهذا السبب جاء في حيثيات اختيار عمرو خالد أنه نجح من خلال برنامجه صناع الحياة في تشجيع الشباب المسلم علي تنفيذ أفكار ومشروعات تغير حياتهم من خلال سلوكيات تصالح بين الدين والحياة‏..‏ وهو ما عجزت عن تحقيقه بدرجة ملحوظة المنابر الرسمية الدينية والأجهزة الحكومية‏.‏ بل إن الملاحظ في حالة عمرو خالد بالذات قيام تحالف بين مشايخ الأزهر وأجهزة الأمن ــ لإبعاده عن مجالات التأثير علي الشباب‏,‏ وتضييق الخناق عليه في الإعلام الحكومي‏.‏

وبينما يفتشون في الغرب عن الشخصيات المؤثرة التي تعيد صياغة المجتمعات وتحديثها‏..‏ فنحن في العالم العربي نسعي إلي عكس ذلك تماما‏.‏ بل إن قوي الهدم والتدمير الذاتي في مجتمعاتنا القلقة المتخمة بالمشكلات والأحقاد وعبادة الذات‏,‏ لم تستطع أن تستوعب شخصيات ذات وزن دولي مثل أحمد زويل أو محمد مصطفي البرادعي‏,‏ مع أن لدينا نبعا لا ينضب من المواهب والرموز في مجالات متعددة‏,‏ ممن قدموا أفكارا ومبادرات أسهمت في صناعة الحلم وضرب المثل والرغبة في التغيير أمام أجيال الشباب والحالمين بالمستقبل‏.