الإيجابية حياة الأفراد والمجتمعات(1)



الحمد الله وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى لاسيما محمد عبده الرسول المصطفى والنبي المجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

ثم أما بعد:

فمن المعلوم يقينًا أن النواميس الكونية لا تتغير ولا تتبدل، وليس فيها محاباة أو مجاملة لأحد.

فالأمة التي تأخذ بأسباب التقدم والرقي أمة بلا شك متقدمة راقية، والأمة التي تتجاهل النواميس الكونية وتسير نحو الوراء أمة متخلفة في كل مجالات الحياة؛ لأنها لم تأخذ بأسباب الريادة، وتجاهلت أسباب السيادة.

والأمة الإسلامية على مدى تاريخها الطويل مرت بمراحل متباينة: فمرة كانت قوية فتية، ومرة كانت هزيلة ضعيفة، وهذا بلا شك خاضع للقوانين الربانية والنواميس الكونية.

والمستعرض للتاريخ يرى كم من مرة كبا جواد هذه الأمة، ثم انتفض بعد ذلك وتابع مسيره؛ لأن أمة الإسلام قد تضعف أو يصيبها الفتور والخور إلى أمد قد يطول أو يقصر لكنها –أبدًا- لا تموت؛ لأنها أمة شاهدة لا مشهود عليها ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾[البقرة: 143].

وإذا كانت الأمة الإسلامية اليوم تعيش فترة من أشد الفترات التي مرت بها اضطهادًا وتمزقًا وتشرذمًا، إلا أن النواميس الكونية والسنن الربانية قد بينت أن خلف كل محنة منحة، وأن أشد فترات الليل ظلمة هي تلك التي يعقبها نور الفجر الساطع الذي يبدد ظلامها، ويسحق دياجيرها بأنواره الساطعة، لكن النجاح يحتاج إلى عمل دءوب، وصبر تام حتى يتحقق، يقول الشاعر:

إِن تكن للعُلى والمجدِ منتظِرًا
وادفعْ بعزمك للأهوالِ محتقِرًا

 

فاضربْ بزِنْدِك صَلْدًا يقدحِ الشَّررا
لا يمتطي المجدَ من لَمْ يركب الخطرا

 

ولا ينال العُلى من قَدَّم الحذرا

ما بالهُوَيْنا ينالُ المجدَ آملُهُ
لا يدركُ المجدَ من لانتْ مآكله

 

منيعةٌ صَعْبة المَرْقَى مَنازلُهُ
لا تحسبِ المجدَ تَمْرًا أنت آكله

 

لن تبلغَ المجد حَتَّى تَلْعَق الصَّبِرا([1])

والأمة مجموعة من المجتمعات، والمجتمع مجموعة من الأسر، والأسرة مجموعة من الأفراد؛ إذن الفرد هو العمود الفقري للأمة، فإن سلم هذا الفرد من الآفات وكان قويًّا فتيًّا إيجابيًّا كانت أمته كذلك بلا شك، وإن كان على العكس فمجتمعه سيكون بالمثل.

والمجتمع الذي لا يعرف أفراده الإيجابية ولا يعملون لها ومن أجلها مجتمع متفكك متأخر متشرذم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الأبيات لأبي الصوفي.

محمد فتحي النادي

باحث في الفكر الإسلامي