دعــــــوة
للتعـــــــايش
(2)
حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ.
عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 11/4/2007
ما أشبه الليلة بالبارحة
الزمان هو الزمان ..
والناس هم الناس ..
كانت الدولة الأموية تودع مجدها ..
إيذاناً بميلاد دولة العباسيين .. وفي تلك الفترة كان الانفتاح على " الآخر " جزءاً
من حياة المجتمع الإسلامي
وجاء الأئمة الأربعة يؤكدون هذا المبدأ .. ويقومون بتنقية " شوائب " الغرب وغزواتهم
الثقافية فحافظوا على الدين والثقافة دون انغلاق أو عزلة أو اختلاف يمزق الصفوف.
كلهم كانوا أساتذة .. وفي فقه الشريعة والحياة اختلفوا .. كل واحد له فكره وطريقته
.. لكن الحب كان يجمعهم فالهدف واحد .. وهو دعوتهم إلى التعايش.
الداعية عمرو خالد يغوص في أعماق مذاهبنا ورموزنا الدينية يستخرج لآلىء أفكارهم ..
ويؤكد نبل دعوتهم في زمن شهد غزوات ثقافية من اليونانيين والرومانيين والفرس
واجهوها دون أن يذوبوا فيها.
اختلفوا .. لكن
الهدف واحد:
سر نجاح الأئمة
الأربعة
يقول عمرو خالد:
حين أقمت تصوري للتعايش لم أجد أفضل من سيرة حياة الأئمة الأربعة، فهم جزء غال
ومحوري من تاريخنا. وهم أئمة التعايش في تاريخ المسلمين والبشرية. لأنهم أئمة
الحوار والتفاهم والحضارة في تاريخ البشرية.
وقد تواجد الأئمة في زمان يتسم بالانفتاح والتجديد، في عصر الدولة العباسية وأواخر
الدولة الأموية. عصر كله ازدهار علمي وفكري في شتى الميادين.
كما أنهم وجدوا في عصر تعرضت فيه الأمة لغزوات هائلة في ثقافات أخرى. صحيح أن
الإسلام كان قوياً جداً في تلك الحقبة، ولم يعد هناك من يستطيع مواجهته بقوة
السلاح، لكنهم حاولوا غزونا بالثقافات اليونانية والرومانية والفارسية، واستطاع
الأئمة الأربعة مواجهة هذه الثقافات دون أن يذوبوا فيها. وحافظوا رغم ذلك على دين
الأمة وثقافتها دون انغلاق أو عزلة.
وقد سبقت هذه الحقبة أزمة الفتنة التي هبت بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي
سفيان، والحرب التي دارت بين المسلمين أيامها. كان صراعها مشابهاً كما نحن فيه الآن
في العراق وفلسطين ولبنان ودارفور. كيف تعامل الأئمة مع هذه المحنة؟
وماذا قالوا عن علي بن أبي طالب؟ وماذا قالوا عن أبي بكر وعمر وعثمان؟
وكيف كانوا يتصرفون والناس تتطاحن؟
حل مشاكل الناس
.. بالفقه
المدهش أن الأئمة الأربعة كانوا مختلفين فيما بينهم، فقد تواجدوا في بداية تشكيل
الفقه الإسلامي، حيث أن النبي، قد مات وترك لنا القرآن والسنة، أي آيات وأحاديث
عددها محدود، لكن الأحداث التي ستمر بها حياتنا حتى يوم القيامة عددها غير محدود.
فكيف تستخرج من الآيات المحدودة حلولاً لمشكلات غير محدودة؟ هذا هو الفقه. فالفقه
من أعظم العلوم الإنسانية، لأنه يحل كل مشكلات الناس في الحياة.
والأئمة الأربعة هم أول من فكر في حل مشكلات الحياة على أساس من القرآن والسنة،
ولكل واحد منهم فكرة وطريقة. وكان اختلافهم في قضايا كبيرة وليس في شكليات هامشية
.. ومع ذلك كان يحب بعضهم بعضاً. ويحترم كل منهم الآخر، ومع ذلك يدعي الغرب أن من
أسباب جمود المسلمين أن فقه أئمتهم الأوائل كان متحجرا.
من هنا قررت أن أرد على الغرب بتقديم نموذج الأئمة الأربعة الرائع في التعايش
والحوار والاستماع وقبول وجود الآخر.
وبدءاً من الأسبوع القادم سأتحدث عن " أبي حنيفة " وقصة حياته وفكره وتعامله مع
الحكام وتعامله مع غير المسلمين وكيف التف الناس حوله 30 عاماً.
لماذا نجحوا؟
من أسباب نجاح الأئمة الأربعة أنهم تعايشوا مع الجيل الذي تلاهم، وقاموا بتوريث
علمهم للجيل الجديد، فنبغ لهم تلاميذ استمروا في أداء الرسالة.
الإمام أبو حنيفة أتى بأربعة تلاميذ توسم فيهم الذكاء والنبوغ، وكانوا فقراء، فقدم
لهم منحاً مالية كما تفعل الجامعات حالياً، فتفرغوا للعلم، وكان من هؤلاء الأربعة
أبو يوسف الذي صار قاضي القضاة للمسلمين كلهم في حين أن هناك علماء آخرين مثل الليث
بن سعد عاش في مصر لم يصلوا إلى هذه المنزلة، رغم أن الإمام الشافعي يقول أن الليث
بن سعد أفقه من مالك غير أن أصحابه ضيعوه، فلم يورثوا علمه لأحد.
من هنا نجد أن من أسباب نجاح الأئمة الأربعة أنهم نجحوا في توريث علمهم وهذا تعايش
ومرونة. كذلك من أسباب نجاحهم كثرة أسفارهم، وإقامتهم في مدن رئيسية حيث يحتكون
بالناس. فالمنعزل لا ينجح. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه ".
منهج الشافعي
الأئمة الأربعة لم يصطدموا بالحكام حتى ولو لم يوافقوا على ما يفعله هؤلاء الحكام
وهم أيضاً لم يداهنوهم. ولهذا لم يتم تهميشهم وبهذا استطاعوا توصيل أفكارهم دون أن
تمنع هذه الأفكار. وهم جميعاً أصحاب أفكار جديدة.
الإمام الشافعي مثلاً تأثرت به أوروبا، لأنه نادى بأن أي علم في الدنيا لابد أن
تكون له قواعد لاستنباط القوانين من القرآن والسنة، وحدد هذه القواعد ووضعها في
كتاب.
بهذا وضع الإمام الشافعي طريقة للتفكير المنطقي، أخذها عنه ابن رشد في الأندلس
وأخذت أوروبا من ابن رشد ما أخذه عن الشافعي. إذن الشافعي هو الذي وضع مناهج
التفكير ، وعلمنا كيف نفكر بشكل مرتب ومتسلسل. وكيف نضع قواعد للتفكير.
أستاذية ابن حنبل
أحياناً أفكر كيف أن الإمام أحمد بن حنبل يحضر إليه من خمسة آلاف إلى عشرة آلاف
طالب في ذلك الزمان في بغداد لمدة عشر سنوات .. كيف استمر ابن حنبل في أستاذيته
بهذه الكفاءة المتواصلة على مدى عشر سنوات؟
من المؤكد أنه امتلك قدرات غير عادية في التآلف مع الناس وتجميعهم. كيف يموت الإمام
وعمره 78 عاماً وتظل حلقته منعقدة مدة 60 عاماً متواصلة، ويأتيه الناس من أسبانيا.
أي أن تلاميذه يأتون إليه من ثلاث قارات، ويعاصر ثلاثة أجيال. فقد بدأت مدرسته
وعمره 17 عاماً ومات وعمره 78 عاماً.
أساتذة وتلاميذ
سنقدم بطاقة تعارف بالأئمة الأربعة.
أولاً: المولد: اثنان ولدا في العراق واثنان ولدا في الحجاز. وجميعهم خرجوا من مدن
كبرى .أبو حنيفة والإمام أحمد بن حنبل، الأول ولد بالكوفة مقر الخلافة الإسلامية في
زمن على بن أبى طالب.
والثاني ولد في بغداد . أما الإمام مالك فمولود بالمدينة المنورة والشافعي مولود
بفلسطين "غزة"، لكنه ذهب إلى مكة وعمره ثلاث سنوات.
اثنان إذن يمثلان مدرسة الحجاز. واثنان يمثلان مدرسة العراق.اثنان من الأئمة أصلهما
عربي واثنان من أصل غير عربي: الشافعي من أصل عربي وهو من نسب النبي . لأنه قرشي.
وأحمد بن حنبل من بني شيبان وهي قبيلة كبيرة ينتمى إليها المثنى بن حارثة أول من
حارب الفرس في الفتوحات الإسلامية أما الاثنان اللذان من أصول غير عربية فهما: أبو
حنيفة الفارسي الأصل. والإمام مالك وأجداده من العبيد الذين تم عتقهم. وهذه نقطة
خطيرة في التعايش كيف قبل المجتمع أناساً ليسوا من أصل عربي لقيادة العرب في الفقه؟
التسلسل الزمني للأئمة الأربعة هو:
1-
أبو حنيفة النعمان الذي ولد سنة 80 هجرية.
2-
الإمام مالك.
3-
الإمام الشافعي
4-
الإمام أحمد بن حنبل.
المدهش أنهم تتلمذوا على أيدي بعضهم البعض. رغم أنهم يختلفون في الفكر. لكنهم
يدركون أن التعايش ليس ذوباناً وفقدانا للهوية. أحمد بن حنبل كان تلميذاً للشافعي.
والشافعي كان تلميذا لمالك. والشافعي وأحمد بن حنبل تتلمذا على تلاميذ أبي حنيفة.
الفقراء .. أعز
الناس!
كيف كان الوضع الاقتصادي والاجتماعي لهم؟
اثنان من الأغنياء ، واثنان من الفقراء. أبو حنيفة كان تاجراً غنياً. وكان يرتدي
عباءة ثمنها 1500 درهم .. ومع ذلك كان يجلس بين الفقراء فلا يظنونه من الأغنياء.
وكان مالك محبا للأناقة. والأربعة كانوا طوال القامة. اثنان منهما سمر البشرة
واثنان بيض البشرة. مالك كان أشقر البشرة وأزرق العينين والشافعي كان أسمر البشرة
وسيماً وكان الفقراء في حلقة " أبو حنيفة " أعز الناس.
وأحمد بن حنبل كان فقيراً وكذلك الشافعي لكن يتودد إليهما الملوك والامراء. ثلاثة
من الأئمة ألفوا كتباً، وواحد لم يؤلف. الشافعي ألف كتاب " الرسالة " وابن حنبل ألف
" مسند الإمام أحمد بن حنبل " ومالك ألف " الموطأ " أما أبو حنيفة فلم يؤلف كتباً،
لكنه ألف رجالاً كتبوا ما قاله لهم. والغريب أن نصف فقه الإمام أبو حنيفة لم يوافق
عليه. كيف؟
لأنه اتفق مع رجاله على تشكيل فريق العمل يصبح فقه أي فقه جماعي أو أكاديمية وقد
أوصاهم بعدم كتابة رأيه الشخصي، ويكتبون فقط ما يتم الاتفاق عليه.
يقول النبي: " المؤمنون أمة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم". متوسط
عمر الأئمة كان فوق السبعين:
-
أبو حنيفة عاش 77 سنة
-
مالك عاش 86 سنة
-
ابن حنبل عاش 77 سنة
-
الشافعي عاش 54 سنة
درس الحلاق!
ولم يحدث أن انفض الناس عنهم رغم أعمارهم المديدة " فيما عدا الإمام الشافعي الذي
مات صغيراً نسبياً " فقد كانت أفكارهم متجددة ولا تنضب. ربما كانت الكاريزما سبباً
في ارتباط الناس بهم. وربما كانت قدرتهم على التعايش.
سأروي قصة عجيبة عن الإمام أبي حنيفة :
ذهب أبو حنيفة للحج وأثناء المناسك ذهب إلى الحلاق ليحلق شعره، ثم سأل الحلاق: كم
ستأخذ ثمناً للحلاقة؟
فقال له الحلاق: لا يصح في النسك أن نتشارط على المال، فنظر إليه أبو حنيفة يتعلم
من حلاق.
ثم جلس أبو حنيفة بعد أن كتب عبارة الحلاق وكان وجهه متجهاً بعيداً عن الكعبة، فقال
له الحلاق: أدر وجهك واتجه إلى القبلة لأنه نسك، حتى تأخذ ثواباً أكثر. ووضعها أبو
حنيفة في فقهه. للمرة الثانية يتعلم من الحلاق.
يومها قال أبو حنيفة: تعلمت من الحلاق خمس مسائل في الفقه لم أكن أعلمها من قبل. ثم
بدأ الحلاق يحلق له وأبو حنيفة صامت كعادة الناس عندما يحلقون فقال له الحلاق: كبر
وهلل إنها نسك.
فأخذ أبو حنيفة يكبر ويهلل ليكسب ثواباً أكثر وسجلها في فقهه.
الإمام مالك مات كما ذكرنا وعمره 77 عاماً، وقد بدأ حلقته وعمره 17 عاماً، أي أنه
ظل يتحدث في روضة النبي لألوف من الناس 60 عاماً، لدرجة أنه اضطر إلى الاستعانة
بأناس ينظمون له الحلقة الدراسية، فينادون مثلاً: ليدخل أهل الحجاز ليدخل أهل
الشام، ليدخل أهل مصر وهكذا.
تسامح بدون ضعف
والإمام الشافعي أينما كان ذهب يتجمع حوله عشرات الألوف. يقولون: لم يشتهر في تاريخ
المسلمين بعد الخلفاء الراشدين أحد مثل الشافعي وأحمد بن حنبل .. كانت لهم قدرة
هائلة على التعايش هناك قاعدة تقول: لو هناك ألف شخص يحبونك بينهم شخص واحد غاضب
منك، اذهب إلى الغاضب وصالحه.
ليس معنى التسامح أن تكون منافقاً .. الأئمة الأربعة لقوا الكثير من الإيذاء وقيدوا
بالسلاسل الحديدية، هم يتعايشون دون التفريط في المبدأ.
عندما سجن الإمام أحمد بن حنبل كان يقول لسجانيه: بيننا وبينكم الجنائز ..
وقد مشى في جنازته عشرات الألوف من الناس لدرجة أن الخليفة لم يستطع المشي في
جنازته من ازدحامها.
أما الذين سجنوه وعملوا الفتنة ضده فلم يمش في جنازاتهم أحد.
الإمام أبو حنيفة كان متعايشاً مع الخليفة العباسي رغم اختلافه معه. إلى أن قال له
الخليفة: أريد أن أعينك قاضي القضاة فاعتذر له عن عدم قبول المنصب.
وكان الخليفة المنصور يتدخل في شؤون القضاء ولا يترك العدل يأخذ مجراه، فظل المنصور
يضرب أبا حنيفة ويعذبه وهو يصر على عدم قبول منصب قاضي القضاة وقالت له أمه: اقبل.
فقال لها: يا أمي لو قبلت فإنني أخسر الدنيا والآخرة .. ولو كانت كلمتي ستسمع كقاض
لقبلت لكنها لن تسمع.
ومع ذلك يقول لتلميذه أبي يوسف: أراك ستكون قاضياً وسيتغير الزمن.
قال: كيف أقبل القضاء وقد رفضته؟
قال: وهل زمانك مثل زماني؟
القضاء عظيم لكن ما أنا فيه هو الذي منعني.
أمي العزيزة ..
شكرا
هذا هو التعايش في حياة الأئمة الأربعة الذين لم يفرطوا في المبدأ ولا داهنوا
الحاكم. ولقد لعبت المرأة دوراً عظيماً في حياة الأئمة الأربعة: دور الأم في حياتهم
كان خطيراً.
-
أحمد بن حنبل .. مات أبوه وترك أمه شابة عمرها 25 عاماً لم تتزوج بعده لتتفرغ
لتربية ابنها.
-
الإمام الشافعي .. قالت له أمه: قد نذرتك للعلم لعل الله يجمع بك الأمة. وتتلمذ على
يد السيدة نفيسة بنت الحسن بن علي.
-
الإمام مالك . . حولت أمه مساره ليصبح على ما صار فيه. أما ابنته فكانت تجلس وراء
الجدار أثناء إلقاء الدرس لتصحح للتلاميذ أخطاءهم في دراسة " الموطأ " وقد تعلم
مالك على يد امرأة هى عائشة بنت سعد بن أبي وقاص فاتح العراق.
-
أبو حنيفة كان يتشاور مع النساء في الفتاوى هؤلاء هم الأئمة الذين عرفوا التعايش.
www.amrkhaled.net