حقوق المرأة السياسية(2)



وللرجال عليهن درجة

قال تعالى: )ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة((10) .

وهذه قاعدة كلية ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل في جميع الحقوق إلا أمرا واحدا عبّر عنه القرآن الكريم بقوله: )وللرجال عليهن درجة(.

وهذه الدرجة فسرها قول الله تعالى: )الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم((11)، وقد أحال في معرفة مالهن وما عليهن على المعروف بين الناس في معاشراتهم ومعاملاتهم في أهليهن. وما يجري عليه عرف الناس هو تابع لشرائعهم وعقائدهم وآدابهم وعاداتهم، فهذه الجملة تعطي الرجل ميزانا يزن به معاملته لزوجه في جميع الشؤون والأحوال، فإذا همّ بمطالبتها بأمر من الأمور يتذكر أنه يجب عليه مثله بإزائه، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: (إنني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي لهذه الآية).

وليس المراد بالمثل المثل لأعيان الأشياء وإنما أراد أن الحقوق بينهما متبادلة وأنهما أكفاء، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلا وللرجل عمل يقابله لها إن لم يكن مثله في شخصه، فهو مثله في جنسه، فهما متـماثلان في الحقوق والأعمال، كما أنهما متـماثلان في الذات والإحساس والشعور والعقل(12).

أما قوله تعالى: وللرجال عليهن درجة فهي درجة الرياسة.

فالحياة الزوجية حياة اجتـماعية ولابد لكل اجتـماع من رئيس لأن المجتـمعين لابد أن تختلف آراؤهم ورغباتهم في بعض الأمور، ولا تقوم مصلحتهم إلا إذا كان لهم رئيس يُرجع إلى رأيه في الخلاف، لئلا يعمل كل منهم ضد الآخر فتنفصم عروة الوحدة الجامعة ويختل النظام، والرجل أحق بالرياسة لأنه أعلم بالمصلحة وأقدر على التنفيذ بقوته وماله، ومن ثم كان هو المطالب شرعا بحماية المرأة والنفقة عليها وكانت هي مطالبة بطاعته في المعروف(13).

رئاسة مودة ورحمة

ورئاسة الرجل للمرأة هي رئاسة حب ومودة وتفاهم. قال تعالى: )ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة((14).

وقدوة الرجال في ذلك نبيهم r إذ يقول:

(خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)(15). وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (كنا معشر قريش نغلب النساء. فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فضجت علي امرأتي فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، قالت: (ولِمَ تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي r ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل .. )(16).

المرأة والشورى

ورئاسة الرجل لزوجه تقوم على الشورى لا الاستبداد.

قال تعالى: )والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر((17).

وقال تعالى: )والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون((18).

وإذا كانت الشورى أساس الحكم.. فهي أيضا سلوك سياسي واجتماعي ينظم الدولة ورئيسها، وينظم الحياة الاجتماعية والأسرة في كل شؤونها.

كانت المرأة المسلمة يستشيرها النبي r.. وتشير عليه، فعندما حزن رسول الله r لعدم تنفيذ المسلمين أمره بالحلق أو التقصير في أعقاب صلح الحديبية دخل على زوجه أم سلمة يستشيرها فأشارت عليه أن يخرج إليهم فيحلق وينحر فإذا رأوه فعل.. فعلوا مثله وهكذا كان..(19).

ويوم رأي الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تغالي الناس في مهور النساء، نهاهم أن يزيدوا فيها على أربعمائة درهم، فاعترضت له امرأة في المسجد فقالت: أما سمعت قوله تعالى: )وآتيتـم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا(.. فقال: اللهم غفرا، كل الناس أفقه من عمر. وفي رواية أنه قال: امرأة أصابت وأخطأ عمر. وصعد المنبر وأعلن رجوعه عن قوله.

عن ابن عمر قال دخلت على حفصة رضي الله عنها فقالت: أعلمت أن أباك غير مستخلف..؟ قلت: ما كان ليفعل. قالت: انه فاعل. قال: فحلفت أن أكلمه في ذلك(20).

كان للمسلمات رأي في اختيار الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقد ورد أن سيدنا عبد الرحمن بن عوف استشار النساء في البيوت.. وكان لهن رأي كذلك في تسديد الحاكم.. كما كان لهن رأي كبير في الفتنة التي أعقبت استشهاد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه.

وفي تراثنا صور رائعة لأدوار سياسية هامة قامت بها المرأة المسلمة عبر العصور.

المرأة تجير على الأمة

ومن حقوق المرأة السياسية في الإسلام أنها إذا أجارت أو أمّنت أحدا من الأعداء المحاربين نفذ ذلك، فقد قالت أم هانئ للنبي r  يوم فتح مكة: إنني أجرت رجلين من أحمائي. فقال صلى الله عليه وسلم: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ". وهذا الحديث صحيح متفق عليه. وفي بعض الروايات أنها أجارت رجلا فأراد أخوها علي كرم الله وجهه قتله فشكته إلى النبي r فأشكاها وأجاز جوارها.

وفي الحديث (أن المرأة لتأخذ للقوم)(21)، ومعناه: أن المرأة تجير على المسلمين، وهذا الأمر هو من أعظم الأمور وأخطرها في حياة الأمم والشعوب وعندما يعطاه للمرأة مثل الرجل معنى ذلـك أن الإسلام رفعها إلى نفس الذروة السامقة التي رفع إليها الرجل (وهو توكيد لثقة الإسلام المطلقة في كفاية الخصائص العالية التي أُهلت بها، وإعلان لكرامة مكانها في الحياة)(22).

ويعدّ قبول رسول الله r لإجارة (أمان) المرأة أحد الأدلة على أهليتها السياسية، ولو كانت المرأة ناقصة الأهلية لما وثق في تقديرها ولما أجيزت تصرفات لها متعلقة بمصلحة الأمة(23).

بقلم د. مصطفى محمد الطحان