حكاية العمر كله(الحلقة الثالثة)



"..وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.."
الإحسان.. في اللغة.. فعل "أحسن".. فعلٌ متعدٍ.. لا بد له من مفعول.. يتعدى به.. و بيكون التعدي بـ "إلى".. لو فتحت أي معجم.. و بحثت عن فعل "أحسن".. ستجد مكتوباً :" يُقال أحْسنَ إليه"..
إنما في القرآن.. الإحسان إلى الوالدين تكرر كثيراً جداً.. و معه حرف ثانٍ غير حرف الجر "على".. معه حرف الباء.. "بـ" الوالدين إحساناً..
أي إحساناً بالوالدين..
برضه نقطة عجيبة جداً.. تبين روعة القرآن..
الباء.. تفيد الإلصاق.. يعني الإحسان إلى الوالدين لا يُقبل إلا إذا كان شخصياً و بالذات من ابنهم.. مش عن طريق التليفون.. ولا عن طريق واسطة.. ولا عن طريق رسالة.. لابد أن تذهب إليهم بنفسك.. وتخدمهم بنفسك.. إذا كنت مستطيعاً طبعاً.. يعني مقيماً معهم في نفس البلد..

بالوالدين إحساناً...
تعالوا كده نقف شوية مع المعنى ده.. مع الإحسان إلى الوالدين..
هذا المعنى.. الذي لا يقف عند حد الذوق العام و الأخلاق والآداب.. بل يصل إلى حد الجهاد..
عارف إصرار وعزيمة المجاهد في سبيل الله.. ومدى تمسكه برسالته وإيمانه بها؟..
لازم نفسية البار بوالديه تجاه قضية البر والإحسان بالوالدين.. تبقى بذات الشكل..
هل أنا أبالغ؟..
إذن اسمع..
جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ .
فَقَالَ: صلى الله عليه وسلم أَحَيٌّ وَالِدَاكَ ؟
قَالَ: نَعَمْ .
قَالَ : فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ
فيهما فجاهد.. أحسن إليهما..
ده جهادك..
ده استشهادك..
و عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قال :
"
إَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَلَقَدْ تَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ .
فقَالَ: صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا "
يا الله..
لهذه الدرجة الحرص على مشاعر و قلوب الوالدين؟
لأن النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلم مدى رقة هذه القلوب و مدى تعلقها بالأبناء.. التعلق الذي قد ينفطر القلب بسببه و ينشق الكبد..
بكاء الوالدين .. من عقوقهما..
من أبكى والديه.. فقد عقهما.. فقد ارتكب كبيرة من أكبر الكبائر..
و دموع القلب أحياناً.. أشد من دموع العين..
كسر الخاطر...
ولو لأبسط سبب..
أم.. نفسها تطبخ حاجة جديدة للأولاد.. صنف جديد من الحلويات مثلاً..
فجابت كتاب.. و دورت فيه على حاجة جديدة تجربها.. وعملت الصنف..
عارف مدى الحماس و الإثارة التي يحس بها الإنسان وهو مقدم على تجربة جديدة؟.. ده إحساسها.. لأن دي مملكتها.. وده عالمها و المجال الذي تبدع فيه..
تخيل بعد اللي عملته ده كله و نيتها الطيبة من الأصل.. أنها ما أقدمت على هذا العمل إلا لتدخل السرور على البيت.. بشيء بسيط.. أكلة جديدة..
و بعد ده كله.. يقابل الجهد ده.. بالتجاهل.. أو بالتريقة.. "إيه اللي أنتِ عاملاه ده.. أنتِ بتجربي فينا؟"..  
أو يقابل بأنه شيء عادي.. ماتستحقش حتى تُشكر عليه..
ده مايكسرش الخاطر؟..
ده مايحزنش القلب؟..
أو أب أحب أن يدخل السرور على ابنه.. فجلب له هدية.. هدوم جديدة مثلاً.. و ذوقها ماعجبش الابن.. يقوم يتريق عليه.. أو برضه يقابلها بالتجاهل..
دي ماتكسرش الخاطر؟
مشكلة كبيرة قوي.. لما ننسى أن أهالينا بشر.. و لهم مشاعر.. بل قلوبهم تجرحها النسمة.. حتى ولو كانوا أمام عينينا متماسكين و أقوياء..
من الحاجات الأساسية للإنسان.. الشعور بالتقدير.. أنك تحس أن الناس سعداء و يقدرون ما تعمله.. و أنك لك لازمة في الدنيا.. وأنك تحدث أثراً طيباً في الآخرين..
هما يا ما أدوك التقدير ده.. من أول ما كنت لسه بتتعلم الكلام.. كان يعني لما تنطق كلمة.. يبقى يا سلام.. كأنك أنت اللي فتحت القسطنطينية..  
وألا يوم ما تعلمت تمشي.. كان يوم عيد..  
و هما.. هما مالهمش غيرك.. أنت لك دنيا تانية كبيرة.. أصحاب.. و أحباب.. و دراسة.. وشغل..
لكن هما مالهمش ابن غيرك.. مين اللي يحسسهم بالتقدير تجاه دورهم كأب و أم.. إن ماكانش أنت؟
شيء بسيط جداً.. ممكن يتحقق بكلمات بسيطة.. بس تكون صادقة ومن القلب.. ولكن بالرغم من ده بننساها..
لأننا بننسى أنهم بشر.. ولهم مشاعر.. ولهم احتياجات..
جاء رجلٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال : " يا رسول الله شَهِدُّتُ أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، وصلَّيت الخمس ، وأدَّيت زكاة مالي ، وصُمت رمضان ، ما ليَ من الأجر؟
فقال عليه الصلاة والسلام : مَن مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا ، وشابك بين أصابعه ، ما لم يعقَّ والديه .
ما لم يعق والديه..
شيء خطير جداً.. قبول عملك كله.. بما فيه صلاتك.. متوقف على بر الوالدين..
فمن عق والديه.. لا هاتنفعه صلاته.. ولا صيامه.. ولا حجه.. ولا زكاته.. ولا حتى شهادته..
و قال صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كل الذنوب يؤخِّر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة .إلا عقوق الوالدين فإن الله سبحانه وتعالى يعجِّله لصاحبه في الحياة قبل الممات " .
و قال صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا مِنْ ذَنْبٍ أَحْرَى أَنْ يُعَجِّلَ بِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ مَعَ مَا يُؤَخَّرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ بَغْيٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ قَالَ وَكِيعٌ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ وَقَالَ يَزِيدُ يُعَجِّلُ اللَّهُ وَقَالَ مَعَ مَا يُدَّخَرُ لَهُ)) .
يعني الذنبين اللي يعاقب عليهم الإنسان في الدنيا قبل الآخرة.. الظلم.. و عقوق الوالدين..
و قال صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:((رَغِمَ أَنْفُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ.. قِيلَ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟.. قَالَ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ)) .
رغِم أنف.. يعني حُكِم عليه بالذل و المهانة و الصغار والخيبة..
حديث خطير جداً..
يقول لك ببساطة. عاوز تدخل الجنة؟.. بر الأبوين كافٍ أن يُدخلك الجنة..
فكما كانت الأبوة المثالية و الأمومة المثالية سبباً لدخول الجنة.. كذلك كانت البنوة المثالية.. سبباً لدخول الجنة..

و قال صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مِنْ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ)) .
يعني أي إساءة أو عمل من الابن.. يتسبب في شتم للأب.. أو استهزاء به.. أو تقليل من شأنه.. هو من العقوق..
أبسطها.. أن الابن يتصرف تصرفاً.. يراه أحدهم فيقول :"أصل أهله ماعرفوش يربوه"..
دي شتيمة للأهل.. الابن هو اللي تسبب فيها..
لذا.. كان من بر الوالدين.. حفظ سمعتهما.. بأن تستقيم فلا تكون سبباً في الإساءة إليهما.

أيوه يا ما يا حبيبتي

ما أنت  شكلتِ ملامحي من زمان
لما كان العمر بذرة
آه يا بحر من الحنان
كنت حاسس بين إيديك
أني وأنت ظغننين
كنت بأشعر بالأمان
تحدفيني هُبّه فوق
ألقى قلبك
نصه لهفه ونصه شوق
أندفن جوه في حضنك
وأنت مستنية أضحك وابتسم
لأجل كل طريق في عمرك يترسم
كنت أشوفني في نني عينك
ألقى نفسي بقيت كبير

أ .محمد سعيد

بقلم أحمد بحيري