و قضى ربك
حكاية النهارده طويلة..
بس الأصل.. إنها مابتنتهيش..
لأنها حكاية العمر كله..
أنا بدأتها بحلم اثنين.. شاب.. و بنت..
لكن يا ترى.. هل البداية من هنا؟
وألا البداية من النهاية..
حكاية عجيبة.. بدايتها نهاية.. و نهايتها بداية..
لأن في الحقيقة.. لا البداية هي البداية..
ولا النهاية.. هي النهاية..
البداية الحقيقية.. كانت من عند .."و قضى ربك.."
"
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا
أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا
قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ
رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)" (سورة الإسراء)
آيات عجيبة جداً..
قليلون جداً.. من يستشعرون مدى عظمة المعاني التي تحتويها..
تعالوا نبدأ الحكاية من البداية..
من أول .."و قضى ربك.."
"
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ.."
قضى.. يعني حكم.. وأمر.. وانتهى الأمر.. أمر نهائي نافذ الوجوب و
الطاعة.. أمر ربك.. ألا تعبدوا إلا إياه..
توحيد الله سبحانه و تعالى.. توحيد العبودية...
"
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.."
شئ عجيب جداً..
بحرف واحد.. يرفع الله سبحانه و تعالى منزلة الإحسان إلى الوالدين..
إلى منزلة توحيده والعبودية له..
بحرف العطف "و"..
ألا تعبدوا إلا إياه... و ... بالوالدين إحسانًا..
إن الذي خلقك و أوجدك.. يستحق العبادة... و إن الاثنين اللذين
ربياك.. عندما كنت طفلاً لا حول لك ولا قوة.. يستحقان الإحسان..
تعالوا نتكلم عن الواو الأول..
إزاي دي ترفع المنزلة؟
كلام الله سبحانه و تعالى في منتهى الدقة و الروعة..
في اللغة العربية.. لما أستخدم أداة عطف.. زي "الواو".. فأعطف شيئاً
على شيء آخر.. لابد و أن يكون هناك تناسب و تجانس بين الشيئين..
يعني أقول.. اشتريت قطعة أرض و بيتاً.. اشتريت عربية..ويختاً..
اشتريت كتاباً.. و مجلة..
لكن ما حدش بيقول اشتريت قطعة أرض و سكينة.. أو اشتريت عربية وعلبة
كبريت.. لأنك عادة في الحالة دي بتتغاضى عن ذكر الشيء الصغير.. و بتذكر الكبير فقط..
عشان كده.. كان عطف الإحسان للوالدين على العبودية لله يدل على عظمة
هذا الأمر..
"
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.."
الله سبحانه و تعالى.. خالق الكون.. بديع السماوات و الأرض..
يوصيك.. يا إنسان.. بالإحسان إلى الوالدين..
و العجيب.. أن هذه الوصية .. اقترنت دائماً في القرآن.. بتوحيد الله
وعبادته
..
"
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ
إِلَّا الله وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.." (سورة البقرة)
"
وَاعْبُدُوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَانًا.." (سورة النساء)
"
قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا
تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.." (سورة الأنعام)
"
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا
تُشْرِكْ بِالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ
وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ
إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)" (سورة لقمان)
إيه سبب التكرار ده كله؟
عشان ربنا سبحانه و تعالى.. يلفت أنظارنا إلى عظمة هذا الأمر و
أهميته..
الموضوع ده مش غريب شوية؟
الأب.. و الأم.. بشر مثل باقي البشر.. إيه سبب عظمة الأمر ده.. و
تأكيد الله سبحانه وتعالى على برهم مراراً و تكراراً.. وربط المسألة دي بتوحيده
وعبادته؟
حد فكر في الموضوع ده قبل كده.. و تساءل؟
الحقيقة.. الواحد كلما تأمل في المسألة دي.. استشعر مدى عظمة..
ورحمة.. وكرم الله سبحانه وتعالى..
الله سبحانه وتعالى أنعم على الإنسان بثلاث نعم.. من أجلّ النعم..
النعمة الأولى..
نعمة الإيجاد..
أنه أوجدك من العدم..
"
هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ
شَيْئًا مَذْكُورًا (1)" (سورة الإنسان)
هذه النعمة.. ربنا سبحانه و تعالى أنعم بها عليك.. عن طريق من؟
الأب و الأم.. جعلهما سبباً لوجودك..
النعمة الثانية..
هي نعمة الإمداد..
يعني إيه؟.. يعني الله سبحانه و تعالى ما خلقناش.. وسابنا كده لا
حول لنا ولا قوة
الإنسان لما بيتولد.. بيبقى كائن لا حول له ولا قوة..
فجعل برضه سبب هذه النعمة.. الأب والأم.. فكانت محبة الله.. و رحمة
الله سبحانه وتعالى.. متمثلة في محبة الأب والأم لك..
والنعمة الثالثة..
هي نعمة الهدى والرشاد..
ودي برضه. جعلها الله سبحانه و تعالى.. عن طريق الأب والأم..
من الذي يربي؟.. ومن الذي يعلم؟.. الأب والأم..
يعني أعظم نعم أنعم الله سبحانه وتعالى بها على الإنسان.. جعلها
الله سبحانه وتعالى كائنة عن طريق الوالدين..
طيب هل الوالدان اختارا هذا؟
يعني هل الأم اختارت أن يكون مركباً في فطرتها هذا الكم العجيب الذي
تحتار فيه العقول.. من الحب و الرحمة و الشفقة؟
و هل الأب اختار أن يكون مركباً في فطرته إحساسه بالمسؤولية تجاه
أولاده لدرجة أنه يضحي بعمره و شبابه لأجلهم؟
لم يختر أحد هذا.. الله سبحانه و تعالى هو الذي حملهم تلك
المسؤولية.. وهو الذي اختار لهم ذلك الدور..
هو الذي زرع هاته الرحمة في قلوبهم.. و لو لم يفعل.. لما عاش طفل
أبدًا..
الأم التي تنام الساعة 12 بالليل.. و جسمها مهدود.. تعبانة جداً.. و
يبكي طفلها الرضيع بعد ساعة.. فتقوم تجري عليه و كل عظمة في جسمها تئن..
طبيعة جسمها و تركيبته.. يقتضي أنها تنام وتستريح.. إيه اللي صحاها؟
رحمة وضعها الله في القلب..
إيه اللي يخلي الأم تجوع.. و يشبع ابنها؟
إيه اللي يخليها تمرض هي.. عشان يشفى هو..
إيه اللي يخليها تسهر.. عشان هو ينام..
و لعل الله سبحانه و تعالى أراد أن يرينا ما الذي يمكن أن يحصل لو
نزع هذه الرحمة من القلوب في الدنيا.. فجعل من الحيوانات.. من يأكل أولاده..
و من عظمة و عدل الله سبحانه وتعالى.. ومن كرمه الواسع.. أنه يعوض
الوالدين عن تحملهم المسؤولية العظيمة هذه.. بأنه يكرمهم.. ومن رحمته الواسعة ..
أنه لا يمكن أن يترك إنساناً ينكسر قلبه.. بسبب واجب ما اختاروش.. ولكن كلفه به
الله سبحانه و تعالى..
و يمكن نشوف مثال بسيط على هذه الرحمة بقلوب الوالدين.. قول الله
سبحانه و تعالى في سياق الحديث عن سيدنا نوح و ابنه..
"
وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ"
حال بينهما الموج.. رحمة بقلب سيدنا نوح.. عشان مايشوفش ابنه
بعينه.. و هو يغرق.
رحمة الله الواسعة..
عشان كده كان عقوق الوالدين من أكبر الكبائر..
و عشان كده كان برهم وشكرهم.. من أعظم القربات إلى الله سبحانه
وتعالى..
لأنه كما قال
:صلى الله عليه وسلم "من
لم يشكر الناس لم يشكر الله
."
لذا.. لعل الله سبحانه و تعالى أراد.. أن يعرفنا على رحمته التي ليس
لها حدود.. وعلى عفوه الذي لا حدود له.. و على رأفته التي لا حدود لها.. من خلال
مثلين أمامنا.. و هما الأب والأم..
بقلم أحمد بحيري