حكاية العمر كله(الحلقة الأولى)



بسم الله و الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح علينا حكمتك و أنزل علينا رحمتك يا أرحم الراحمين
النهار ده.. يمكن هانسيب السيرة شوية.. لأن فيه مناسبة مش قادر أعديها.. لأنها بتثير في الواحد كم من المشاعر.. صعبة التجاهل..كل واحد فينا.. وسط ماهو بيشق طريقه في الحياة.. بيحاول يتعرف على الناس حواليه.. ويفهمهم و يفهموه..
و لكن.. غالباً.. وسط الرحلة دي.. فيه ناس بيتنسوا.. شيء مؤلم.. إنك ماتبقاش عارف أقرب الناس لك..
إحنا عارفينهم كشخصيات متواجدة في حياتنا.. لكن ماحاولناش نقرب.. و نعرفهم كبشر.. كمشاعر.. كأحلام..
عشان كده..
معي النهارده حكاية..
حكاية العمر كله..


حكاية .. تبدأ باثنين.. و هي دوماً بتبدأ باثنين.. شاب.. بأحلام الشباب.. و طموح الشباب.. و بنت.. بأحلام البنات.. و طموح البنات..الشاب.. كان زي أي شاب عايش سنه.. شيك جداً.. مثقف جدًا.. و حلمه.. زي أي شاب.. و طبعاً كل الناس عارفين الشباب عايزين إيه.. عايزين يتجوزوا..  و البنت.. كانت زي أي بنت.. عايشة سنها..شيك جداً.. مثقفة جداً.. طموح جداً.. نفسها تحقق ذاتها.. و نفسها تنطلق و تشتغل و تثبت وجودها و توصل لأعلى المراكز..و طبعاً.. كل الناس برضه.. عارفين.. أن ماحدش عارف إلى الآن البنات عايزين إيه بالضبط  .. و يمكن دي أكتر حاجة بتخوف فيهم الشاب أُعجب بالبنت.. وتقدم لها.. و ارتبطوا.. و كبرت أحلامهم..زاد حلم جديد.. حلم عش الزوجية.. مملكتهم الجديدة..بقوا بيحلموا هايعملوا إيه في بيتهم.. و هايجيبوا فيه إيه.. وهايكون شكله إيه..وبقوا يحلموا بيوم الفرح.. هايعزموا مين.. و هايعملوا إيه..
و جريت الأيام.. و جه يوم الفرح..
ليلة جميلة.. لكل العيلة..
ليلة.. بدأ بها مشوار حياة..
و دبت فيها الحياة.. في المملكة الجديدة.. عش الزوجية
حياة هاتبدأ بأول خطوة.. تخطيها العروسة من باب شقتها.. وعينيها بتلمع بالفرحة..
بتحضن كل ركن في الشقة بعينيها.. كل حاجة جديدة. بتلمع..
لسه ريحة الدهان و ريحة العفش الجديد بتزكم الأنوف..
و تمر الأيام..و الليالي..
لحظات سعادة.. مابتنتهيش...
لغاية ما جه يوم..
تعبت فيه الزوجة.. فراحت للدكتور..
فبشرها بأنها حامل..
و بدأت مرحلة جديدة في حياتهم..
و مرحلة جديدة من السعادة.. سعادة مشوبة بالقلق.. و الخوف.. و التعب..
الاثنين فرحانين بالمولود اللي جاي..
بس الفرحة دي لها ثمن غال جداً
أيام و ليال طويلة من الانتظار والمعاناة
الأم تعبانة..
آلام في كل حركة وكل سكنة..
لا في راحة في الوقوف.. ولا الجلوس..
ناهيك عن المشي..
ولا في راحة.. لا في اليقظة.. ولا حتى في النوم.. مش قادرة تتقلب براحتها..
الأكل مابقالوش طعم..
و الأكلات اللي كانت بتحبها.. مابقتش بتطيقها..
و بالرغم من كل ده.. مازالت مطالبة بشغل البيت..
و بالرغم من كل ده.. لا تراها إلا مبتسمة..
و كأنما كل ده لا يكفي.. البيه الجنين كمان مش عاجبه.. بيرفس جوه بطنها  
و هي تبتسم.. و تضحك.. و تقول للأب.. ابنك شقي من يومه  
و الأب.. قلبه بيتألم لآلامها.. قلقان عليها.. خايف عليها.. رايح جاي بها على الدكتور..
و تمر الشهور على الحال ده..
و تيجي لحظة الولادة..
و الأم زي الدبيحة اللي رايحة المدبح..
الألم شديد.. و رهيب..
أول مرة تخوض التجربة دي..
و أول مرة في حياتها تتألم بالشكل ده..
و يستمر الألم و العذاب. لغاية ما يخرج الوليد إلى الدنيا..
أيوه..
دي الحقيقة اللي كثيرين مايعرفوهاش  .. إن كلنا جينا للدنيا كده..  
و ماحدش اشترانا من كارفور زي ماكانوا بيقولوا لنا  
خرج الجنين للدنيا...
و صرخ.. و بكى..
و الأم بعد التجربة الرهيبة دي.. جسمها كله منهار.. بتترعش..
عرق بارد على جبينها..
و دموع الألم في عينيها..
و إيدين بيترعشوا.. ممدودين.. بلهفة.. عاوزة ابنها...
تحضنه... و تبوسه.. و دموع الألم.. بقت دموع فرح..
بتحضنه بعينيها.. و بقلبها.. و بتدعي له.. وتبكي..
أول حضن في حياتك..
و أول قُبلة في حياتك.. كانت من أمك..
و سبحان الله..
برضه أول عضة في حياتك.. بتبقى لها..
و أول صفعة.. بتبقى على وشها..
و أول شتيمة.. بتبقى لها..
المرأة كائن عجيب جداً..
آية من آيات الله..
اللي تحتمل كل ده.. ولا تقابله إلا بحب.. و رحمة...
بالرغم من كل ده..
تفضل تحن له.. وتعطف عليه.. وتشتاق له.. وتخاف عليه.. وتدعي له... وتستحمل أذاه..
بل وتحكي وتتحاكى عنه.. بل ويمكن كمان تمدحه بحاجات مش فيه..
هي شايفاه كده..
لأنها أم..

لغاية هنا..
و الحكاية دوماً بتتكرر بنفس أحداثها..
لكن بعد كده.. بتتشعب.. و بتتنوع.. و بتكثر الكادرات..

 شايف في كادر..
أم سهرانة طول الليل.. لأن طفلها الرضيع مش جايله نوم.. ولأنها تعبانة من الأعراض اللي بتصحب الرضاعة من مغص وغيره..

 و شايف في كادر..
أم قاعدة على الأرض بين أطفالها.. زي الطير اللي واقف على حرف العش.. والأفراخ في العش كلهم فاتحين مناقيرهم وبيصرخوا..
عماله تتحايل على ده عشان يأكل.. و تضحك مع ده عشان يشرب.. و تلاعب ده.. عشان يقعد و يكمل أكل..
و الطيارة رايحة فين   .. و القطر مش عارف هايعمل إيه  ...
ماتقدرش تسيبهم لما يجوعوا و يبقوا يأكلوا أي حاجة..
لأنها أم..

 وشايف في كادر..
أم قررت تتخلى عن أحلامها..
قررت تسيب شغلها.. و تتفرغ لتربية الضيف الجديد في حياتها..
شايف أم.. سابت الدنيا.. و عاشت تبني دنيا جديدة .. للضيف الجديد..
تحلم معه أحلامه..
تبني معه قصور الخيال.. في حلم جميل من أحلام الأطفال..
تتخلى عن سنين عمرها... وتبقى قده وأصغر منه..

أيوه يا ما يا حبيبتي

ما أنت  شكلتِ ملامحي من زمان
لما كان العمر بذرة
آه يا بحر من الحنان
كنت حاسس بين إيديك
أني وأنت ظغننين
كنت بأشعر بالأمان
تحدفيني هُبّه فوق
ألقى قلبك
نصه لهفه ونصه شوق
أندفن جوه في حضنك
وأنت مستنية أضحك وأبتسم
لأجل كل طريق في عمرك يترسم
كنت أشوفني في نني عينك
ألقى نفسي بقيت كبير

أ .محمد سعيد

 وشايف في كادر..
أم سهرانة.. جنب طفلها المريض..
عينيها بتغفل.. لكن ترجع تفوق بسرعة.. أحسن يحتاج منها حاجة..
بترقيه.. و تدعي له.. و تقرأ له قرآن..
و الابن يصحى الصبح.. بقى أحسن كتير الحمد لله..
و كأن شيئاً لم يكن..
و ماخطرش في باله حتى يقول لها.. شكرًا..

 و في كادر ثان..
شايف السنين بتمر..
و الأب و الأم نسيوا أحلامهم.. و بقى حلمهم.. هو تحقيق أحلام أولادهم..
و الأب لقى أنه عشان يحقق أحلام أولاده.. لازم يبعد.. لازم يسافر.. يشتغل بره..
عشان بيحب زوجته و أولاده.. لازم يبعد عنهم..
معادلة صعبة..
شايف الأب بيودع الزوجة و الأولاد بابتساماته..
و شايف نفس العين اللي كانت بتبتسم.. مليانة بالدموع.. في الطريق للمطار..
وعدت ساعات الرحلة.. الطويلة..
ووصل لبلد الغربة...
ووصل لبيت الغربة..
طلع المفتاح..
فتح الباب..
لقى الصمت مستنيه..
ساعتها... تساءل القلب..

أينَ الضجيجُ العذبُ والشغبُ ؟ *** أينَ التدارسُ شــابهُ اللعبُ ؟

أينَ الطفولـــةُ في توقـدهـــا..؟ **** أينَ الدمى في الأرضِ والكتبُ ؟
أيــــنَ التشاكي ، دونما غرضٍ ***** أيــــنَ التشــاكي ما لــه ســببُ ؟
أينَ التباكي والتضاحك في ***** وقتٍ معاً ، والحزنُ والطربُ ؟؟
أيــنَ التســابقُ في مجاورتي ****** مَـلقـاً ، إذا أكلـــوا وإن شربــــوا

يتزاحمــــون على مجــالستي ****** والقرب مني حيثما انقلبوا
يتوجهون بســــوق فطرتهم ****** نحوي إذا رهبوا ، وإن رغبوا
فنشيدهم ( بابا ) إذا فرحوا ****** ووعيدهم ( بابا ) إذا غضبوا !
وهتافهم ( بابا ) إذا ابتعدوا ******* ونجيهـــم ( بابا ) إذا اقتربـــوا

بالأمس كانـــوا ملء منزلنـــا **** واليوم ويح اليوم قد ذهبوا
وكأنما الصمت الذي هبطتْ **** أثقالهُ في الـــدار إذ غربوا
إغفـــاءة المحموم هدأتـــها **** فيـــها يشيع الهــــم والتعبُ
ذهبوا ، أجل ذهبوا ومسكنهم **** في القلبِ ما شطوا وما قربوا
إني أراهـــــم أينمــــا التفتت **** نفسي ، وقد سكنوا وقد وثبوا

وأحسُ في خـلدي تلاعبهم **** في الدارِ ليس يصيبهم نصبُ
وبريق أعينهـــم إذا ظفــروا *** ودمــــوع حرقتهــم إذا غُلبــــوا

في كل ركــــنٍ ، منهـــمُ أثرٌ *** وبكل زاويـــة ، لهــم صـــخبُ
في النافذاتِ زجاجها حطموا **** وفي الحائطِ المدهونِ قد ثقبوا
في الباب قد كسَروا مزالجهُ **** وعليه قد رسمـــوا وقد كتبوا
في الصحنِ فيه بعض ما أكلوا **** في علبة الحلوى التي نهبوا
في الشطرِ من تفاحةٍ قضموا *** في فضلةِ الماءِ التي سكبوا

إني أراهم ، حيثما اتجهت **** عيني ، كأسرابِ القطا سربوا
حتى إذا ساروا وقد نزعوا **** من أضلعي قلبــاً بهم يجبُ
ألـفيتني كالطفـــل عاطفــةً *** فإذا بــــه ، كالغيثِ ينسكبُ
قد يعجبُ العزالُ من رجلٍ **** يبكي ، ولو لم أبكِ فالعجبُ !
هيهات، ما كل البكا خورٌ **** إني _ وبي عزمُ الرجالِ _ أبُ



و تمر السنين... طويلة.. و شايف في كادر..شايف بيت...نفس البيت اللي كان كل شيء فيه جديداً.. يوم الفرح...الحيطان اترسم عليها..
و البيبان اتجرحت..شايف جنب التلفزيون نضارتين... واحدة للنظر.. و الثانية للقراءة..و شايف جنب سرير النوم دواء الضغط.. و دواء السكر..
و يمكن عصاية .. عكاز صغير..و شايف صالة واسعة..
فاضية..
فيها واحدة ست.. قاعدة وحيدة..نفس الست.. اللي كانت في يوم عروسة.. و كانت عينيها بتلمع بالفرحة بمملكتها الجديدة..
قاعدة وحيدة..مع أن البيت مش فاضي..و لكن الابن.. في أوضته على النت.. و قافل على نفسه الباب..
و البنت.. في أوضتها على التليفون.. و قافلة على نفسها الباب..
بقى لها كتير.. ماسمعتش كلمة "أزيك"... "عاملة إيه "..
"
مبسوطة؟".. "زعلانة؟"..
و أهي كلمة بتنضاف لرصيد الكلمات اللي قربت تنساها.. و اللي بدأت بكلمة "شكراً"..

 و في كادر ثان..
شايف أب راجع من السفر.. من الغربة..
كله شوق لأولاده..
في حين أن أولاده.. كلهم شوق للهدايا اللي معاه..
و صالة البيت.. بدل ما كان فيها أم وحيدة..
بقي فيها أم... و أب.. وحيدين..
بالرغم من أن البيت مش فاضي..

 و في كادر ثان ..
شايف اثنين
شاب.. بأحلام الشباب.. و طموح الشباب..
و بنت.. بأحلام البنات.. و طموح البنات..
الشاب.. كان زي أي شاب عايش سنه..
شيك جداً.. مثقف جداً..
و حلمه.. زي أي شاب.. و طبعاً كل الناس عارفين الشباب عايزين إيه..  
عايزين يتجوزوا..  
و البنت.. كانت زي أي بنت.. عايشة سنها..
شيك جداً.. مثقفة جداً.. طموح جداً.. نفسها تحقق ذاتها.. و نفسها تنطلق و تشتغل و تثبت وجودها و توصل لأعلى المراكز..
و طبعاً.. كل الناس برضه.. عارفين.. إن ماحدش عارف إلى الآن البنات عايزين إيه بالضبط  .. و يمكن دي أكثر حاجة بتخوف فيهم  
الشاب أُعجب بالبنت.. و تقدم لها.. و ارتبطوا.. و كبرت أحلامهم..
زاد حلم جديد.. حلم عش الزوجية.. مملكتهم الجديدة..
بقوا بيحلموا هايعملوا إيه في بيتهم.. وهايجيبوا فيه إيه.. وهايكون شكله إيه..
وبقوا يحلموا بيوم الفرح.. هايعزموا مين.. وهايعملوا إيه..
و جريت الأيام.. و جه يوم الفرح..
ليلة جميلة.. لكل العيلة..
ليلة.. بدأ بها مشوار حياة..
و دبت فيها الحياة.. في المملكة الجديدة.. عش الزوجية
حياة هاتبدأ أول خطوة.. تخطيها العروسة من باب شقتها.. وعينيها بتلمع بالفرحة..
بتحضن كل ركن في الشقة بعينيها.. كل حاجة جديدة. بتلمع..
لسة ريحة الدهان وريحة العفش الجديد بتزكم الأنوف..
.
.
.
.
مش أنا اللي عدت الحكاية..  
الحكاية هي اللي بتعيد نفسها...
بس المرة دي..
فيه كادر فاضل..
كادر..
فيه بيت كان في يوم جديد..
و في الصالة.. أب.. و أم.. وحيدين..
بس المرة دي..
البيت كان فعلاً فاضي..

بقلم أ/ أحمد بحيري