إصلاحيات الأحداث(2)



انتظرته حتى أنهى الصلاة وبدأت الحديث معه فأخبرني أنه جاء هنا نتيجة لوفاة والديه وعدم وجود أحد يرعاه لأن أصول أهله كانت من خارج القاهرة ولم يجد له مأوى إلا الشارع فالتقطته الشرطة واستقبلوه بأفضل الإهانات حتى أوصلوه إلى الدار التي وضع فيها وسط الأطفال المنحرفين بالرغم من أنه يتيم وحين سألته عن مدرسته أخبرني بأنهم فى الدار لا يذهبون إلى المدارس (( بالرغم من أن مدير الدار قال لي إنهم يذهبون إلى المدارس بل ويأتون لهم بالدروس الخصوصية داخل الدار )) وعن حلم ذلك الطفل : فلا أمل له في الحياة إلا في وجود بيت يأويه ويرحمه من فنون التعذيب التي يتلقاها في الدار

ثم اصطحبني لجولة فى بقية الدار وأخيراً قابلت أخصائياً يتعامل مع طفل إنه يعاقبه ويتفنن في عقابه بأبشع الوسائل وأجود أنواع الضرب العنيف وحين سألت عن ذنب الطفل أخبرني أنه لم يحضر كوب الشاي وعلبة السجائر في موعدهما المحدد إلى الأخصائي الاجتماعي الفاضل  فكان ذلك عقابه ((بالرغم من أن مدير الدار أخبرني بأن أقسى وسيلة عقاب فى الدار هي حرمان الطفل من مزاولة نشاطه )) انتظرت الطفل حتى انتهى عقابه وتحدثت إليه فلم يرد إلا بجملة واحدة (( لو كان أبويا وأمي ما اتطلقوش ما كانش زمان ........ بيعمل معايا كدة ربنا ياخدهم كلهم ))

ثم وجدت أطفالاً يلعبون حالهم لا يختلف عن حال من رأيتهم قبلهم فملابسهم لا تصلح لبشر وعلى وجوههم وأجسادهم آثار تعذيب ولكنهم كانوا يضحكون ويلعبون بكرة صنعوها من جواربهم وبمجرد ما بدأت الحديث معهم وجدت طفلين قد انسحبا فسألتهم عن السبب قال لي الأول (( إحنا مش فرجة...... ! )) والثاني قال (( إنت عاوزانا نقضي الليلة على الفلكة ....... ! )) ولكن بقية الأطفال تعاونوا معي وأخذوني أجلس معهم فى غرفتهم إنها غرفة مستواها من مستوى غرفة أسرة تحت خط الفقر تسع خمسين طفلاً ومفتوحة على غرفة مثلها وبينهما دورة المياه التي يحتضنها الأطفال فى نومهم ويقضون الليل مع الروائح التي تنبعث منها  ,, ولكن في وسط ذلك الجو الرائع بدأ حواري مع الأطفال طفل عمره سبع سنوات جاء إلى الدار لأنه كان يبيع المناديل في الإشارات بعد انفصال أهله وكرهه للحياة مع أي منهما نتيجة معاملتهم القاسية له ووضع في الدار وانسكبت الدموع من عينيه إنه يتمنى أن يعود إلى أحد والديه ويتحمل معاملته أفضل ألف مرة من الحياة داخل تلك الدار

طفل آخر في الحادية عشرة من عمره تاه من والديه فى إحدى الأسواق وحسب ما يروي أنه كان في أسرة ميسورة الحال ولكن تلك الأسرة لم يعثر لها على أي أثر فنقلته الشرطة إلى الدار وأيضاً وضع مع المنحرفين بالرغم من أنه من المفترض الفصل بينهم.... ذلك الطفل لم يشتق إلى أحد سوى أخيه الصغير

وما زال يحمل الأمل بأن والديه قريباً سوف يأتيان لأخذه وسيعود إلى حضنهما

طفل ثالث جاء إلى الدار نتيجة أنه ضبط يسرق وحين سألته عن سبب السرقة قال لي أن والداه كانت إجابتهما الأولى على كل طلباته هي لا فأراد أن يأتي هو بالمال لينفق على نفسه فكان مصيره إصلاحية الأحداث التي قال لي عنها أن الحيوانات في الشارع تعامل أفضل مما يعامل هو داخل الإصلاحية ومثله مثل باقي الأطفال لا يتمنى شيئاً سوى أن يعود إلى أسرته

طفل رابع جاءني وعرفني على نفسه وقال لي

 (( أنا هنا من زمان ومبسوط جداً ومش عايز لا بابا ولا ماما وربنا يخلي لي أستاذ....... مدير الدار هو عندي بالدنيا )) قال الجملتين ورحل

طفل خامس كاد أن يبدأ حديثه ولكني كنت قد ضبطت متلبسة داخل غرفة الأطفال وأنا أتحدث معهم وما كان من أحد العمال بالدار إلا أن نادى الأطفال وأتاني السيد المدير قائلاً الزيارة انتهت فأخذت أشيائي وكنت في طريقي للخروج ولكني انتبهت إلى لوحة البرنامج اليومي للدار إنه برنامج تربوي رائع إن طبق على أشد المجرمين إجراماً لأعاده إلى رشده ولكني نظرت في ساعتي ثم إلى البرنامج فإذا به موعد النشاط الموسيقي فسألت عنه أحد العمال فأجابني أن هذا البرنامج لكي يشاهده الزوار فقط لا للتطبيق على الأطفال

ثم ذهبت إلى الباب فإذا بالحارس طفل لا يتعدى عمره الخامسة عشرة فسألته منذ متى يعمل في الدار فأخبرني أنه من أطفالها ولكنه يقوم بالحراسة بدلاً من الحارس حينها عرفت كيف يهرب أطفال الأحداث من مؤسسات رعايتهم  

تلك كانت قصة يوم قضيته معهم رويت منها ما أستطيع ولكن ما يمنع الحياء ذكره فقد احتفظت به في ذاكرتي

ولكن تلك التجربة تجعلني أتساءل

ترى ما هو حال أمهات هؤلاء الأطفال الذين لا يعلمون عن أبنائهم أي شيء ؟؟

أين الرحمة في قلوب من يعاملون هؤلاء الأطفال الآن ؟؟

أين الشعور بالمسؤولية الذي من المفترض أن يشعر به السادة الأخصائيون تجاه هؤلاء الأولاد ؟؟

أين حسن الاختيار عند اختيارأخصائي يحتاج إلى تأهيل لا أن يؤهل هو أطفالاً معرضين للانحراف ؟؟

وإلى كل أب وأم يفكران في الانفصال هل ما زال هذا هو قراركما بعد أن سمعتما تلك التجربة ؟؟

وإلى كل شاب وفتاة حلما بالعيش خارج سلطة أهليهما

هل ما زلتما تفكران بذلك حتى بعد أن عرفتما مصير من قبلكما ؟؟

أتمنى ان نجد قريباً إجابات على تلك الأسئلة

بقلم سارة علي