ولجت مسْ مريم
إلي حجرة العقاب فعم السلام؛ هدأت النفوس، وجفت الدموع وبوجهها المقطب تعلقت عيون
الصغيرات، وبحزمها ونعومتها المعتادتين أحنت قامتها الطويلة على واحدة تلو الأخرى
لتبدأ معها حواراً مقتضباً أرادت مُدرستنا جميلة النفس والوجه من خلاله تحديد علة
تخلف بعض طفلاتها عن بقية زميلاتهن، لذلك كان لحاقها بهن إلى حجرة العقاب التي لا
يطؤها مدرس ألقى بتلميذاته إلى تلك الحجرة المخيفة، إمعاناً منه في العقاب، ولكن
متى كانت مسْ مريم كغيرها، وبعد إجابات التلميذات المضطربة على أسئلتها، وبكلمات
قليلة منها، أرشدت الصغيرات لتنفيذ العقاب وأفهمتهن سببه، وهونت عليهن أمره مؤكدة
أنهن لن يتجاوزن وقت الانصراف من المدرسة بكثير، فهدأ روعهن، وبأسرع من عادتهن
تحركت الأقلام تخط ما فرضته عليهن تعويضاً عن تقصيرهن، وللمرة الألف صدق وعدها، فلم
يتأخرن أكثر من دقائق معدودات، وبمجرد تسليم تكليفهن تم الإفراج عنهن.
لكن قبل أن تطير
الصغيرات ليرتمين في أحضان أمهاتهن، كان يجب أن يطمئنن أولاً إلى أنها سامحت، وغفرت
تقصيرهن، والأهم أنها لا تزال تحبهن، وبحوار قصير سريع معها انتهى بوعد الصغيرات
بالاجتهاد نلن مبتغاهن، فسرن بهدوء إلى حيث ينتظرهن أولياء أمورهن، فكيف كن سيهدأن
بالاً قبل الاطمئنان إلى استمرار صفاء نبع الحب، والعلم لهن.
ولما تركنا
المدرسة صرنا نتسقط أخبارها، وعرفنا على مدى السنوات أن مسْ مريم لم يكن لديها سبب
واحد لتكون ما كانت عليه معنا؛ فقد حُرمت نعمة الإنجاب، وحُلت عُرى زواجها والتهم
المرض الغادر أباها ثم أختها وبدأ يرعى في جسدها، وصارت النهاية المحتومة أقرب
إليها كل يوم، كما أثقلتها الحياة بأعباء والدتها المريضة، فاختفت الابتسامة عن
وجهها، وصارت تقطيبة الهم الخفيفة أحد ملامح وجهها المميزة، فإن كنا نعجب ونحن صغار
لشدة حبنا لها، فقد زاد عجبنا بعدما نضجنا وعركنا الحياة، من أي معين كانت تغترف
مدرستنا الغالية تلك الطاقة الهائلة الضرورية لتهذيب وتدريس أطفال الصفوف
الابتدائية! وتحقيق تلك النتائج المبهرة على المسْتوى الإنساني والتعليمي!!
وفي أحد الأيام
تناقلنا بدهشة وأسف خبر وفاة مسْ مريم ، وهي ما زالت في شرخ الشباب، فلم أشعر بحزن
فقدان شخص عزيز، فمسْ مريم لم تكن شخصاً عزيزاً، لقد كانت رمزاً يعيش في حياتك
للأبد، فهؤلاء الناس لا يموتون برحيل أجسادهم عن الحياة، فآثارهم باقية لوقت أطول
مما يدركه الكثيرون، والبذور التي غرسوها أثناء حياتهم القصيرة على الأرض، تعيش
وتزهر وتثمر إلى ما شاء لها الله، ويبارك ربك لمن يشاء.
لقد كانت مسْ
مريم متوفاة عندما أهديتها درجتي العالية التي أدهشت زميلاتي في أحد امتحانات
الكلية، ففد كانت في خيالي وأنا أستذكر باجتهاد المادة التي كانت هي أول من علمني
مبادئها، وكان قد مر على رحيلها زمن وأنا أحتوي تلميذاتي بقيم الحب والعدل والرحمة
التي كانت هي مثالاً عملياً لها، وحتى يومنا هذا عندما تخلو الساحة حولي من قدوة
أرتضيها فإني ألوذ بذكرى أسلوبها الراقي في تهذيب الصغير بحزم دون أن تُحرج أو
تَجرح، وقيادة الكبير دون تطاول أو استفزاز.
فهل ماتت مسْ
مريم حقاً! أم أنها تعيش كما لم يعش كثيرون مفعمون بالحياة. رحمة الله عليكِ يا مسْ
مريم ما أكثر ما أعطيتِ وما أقل ما أخذتِ، بل ما أكثر ما كسبتِ وأقل ما خسرتِ.