أصحاب الرسالات



الرجل صاحب الرسالة يعيش لفكرته ويعيش في فكرته..!!

فحياته فكرة مجسمة تتحرك بين الناس ,تحاول أبداً أن تفرض على الدنيا نفسها وأن تغرس في حاضر الإنسانية جذرها ليمتد على مر الأيام والليالي فروعاً متشابكة تظلل المستقبل وتتغلغل فيه..

ومن ثم تبدأ الدعوات والنهضات الكبرى برجل واحد هو في بداية أمره أمة وحد..

أمة يتخيل حقيقتها في رأسه ويحس ضرورتها في دمه ويبشر بها في كلامه ويحمل أثقالها على كاهله.

ولا يزال يجمع الرجل على الرجل ويضم البيت إلى البيت ويرسم المبدأ والوسيلة والهدف وينفخ من روحه فيمن حوله ..فإذا الأمة التي كان يتخيلها وحده قد أصبحت حقيقة واقعة تطلع الشمس عليها ويعترف الناس بها ويسجل التاريخ قيامها..   

وهكذا بلغ النبيون رسالات ربهم وصنعوا بأيديهم الأمم التي انتقلت بها الإنسانية من طور إلى طور,وهكذا فعل العظماء من قادة الفكر الناضج وأصحاب المذاهب الفعالة والتيارات العقلية الكاسحة,إن أحدهم يضع تصميم المجتمع الذي ينشده كما يرسم المهندس على الورق تصميم القصر الذي يريده ,ثم لا يزال يرفع القواعد ويشيد الشرفات ويستحث العمال ويستكمل الأدوات حتى يستوي البناء قائماً شامخاً عليه من روح منشئه طابع وبرهان.

وإن أحدهم ليقول الكلمة في الإبانة عن دعوته فتتلقفها النفوس والعصور تلقف الأرض الخصبة للحبة التي أودع الله فيها سر النماء والازدهار ..فإذا هذه الكلمة المرسلة تنشئ رجالاً وتخلق أبطالاً بل تنشئ أجيالاً وتزلزل جبالاً.

وإن أحدهم ليولد وفي الدنيا دول قائمة وآراء سائدة وتقاليد مقررة وجماهير تحيا على ذلك وتموت كأنها فقاعات الموج تظهر وتختفي لا وزن لها ولاغناء ..فإذا الدنيا تميد تحت قدمي صاحب الرسالة الناشئ وهو ينظر إلى الأوهام السائدة والممالك القائمة والأحزاب المتألبة ثم يبتسم في قلة اكتراث ويقول قولة النبي العظيم قبيل موقعة حنين وقد وُصِفَت له تجمعات أعدائه وعدتهم :(تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله) 

أولى صفات صاحب الرسالة أنه يؤمن بنفسه ويكفر بخصومه ويغالي بفكرته ويترك ما عداها ,يزحزح غيره ولا يتزحزح البتة وينزل الناس على رأيه إ؟ن استطاع ولا ينزل على آرائهم أبداً ,يثبت على شدة الكيد ويصبر على مرارة الهزيمة ويعيش في وطن يعلي من دعوته إن ضاق به وطنه ويدوس على الأمجاد الزائفة والدنيا الزائلة ويستهزئ بعروضها ولا تستخفه كثرة طالبيها ولا تفجعه قلة الزاهدين فيها..

وفي حياة محمد بن عبد الله النبي الذي أدب العرب ليؤدب بهم الأمم والذي قدم للحياة رسالة لا تزال الإنسانية تتألق بها وتتأنق وتشرف بها وتزدان ..في حياته صلى الله عليه وسلم مُثُلٌ عليا يفزع إليها صاحب كل رسالة فاضلة عادلة ليرتوي منها إذا صدى ويسعد بها إذا شقي وليقتبس منها دروساً مجدية في طرائق الجهاد المضني عندما يتجرد الحق إلا من إشراقه ويشتد الباطل بكثرة عدته وعتاده.. 

بدأ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فوضع فواصل غليظة بين الحق الذي اهتدى إليه وبين الباطل الذي توارث الناس العمل به والاحتكام إليه

إنه من ناحية العدد قليل بنفسه وإخوانه وأولئك كثيرون بأنفسهم ونظمهم المألوفة وأفكارهم القديمة وأوضاعهم العتيدة فلا بد إذاً من قطع كل أمل في أن يتفق معهم أو يخضع لهم ,لقد سلك نهجاً غير الذي ألفوا ولم يجمعه بهم على طريق واحد ما داموا على معتقداتهم الأولى.

(قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين)

في هذه السورة تسمع صرخة الحق العنيد عندما يفترض أن الباطل سيلجّ في غوايته وأن هذه اللجاجة لن تثني أصحاب الحق عزماً أو تقيد لهم مسعى وآيات السورة ترمي إلى مجاهرة الكافرين بهذه الحقيقة وهي أن كتيبة الله انطلقت لأداء رسالتها وعرفت أنها متمردة على الأوضاع الباطلة ومن ثم فهي مسرورة بهذا التمرد ويزداد سرورها إن علم الكفار بذلك..

على أن الصبر على أعباء الرسالة التي تدبر للإنسانية حدثاً ضخماً يعارضه من الناحية المقابلة صبر من الجامدين على موروثاتهم المقدسة واستماتة في الدفاع عنها

وهنا يدخل الفريقان في مبارزة بالصبر أقسى وأنكى من المبارزة بالسلاح والفائز فيها أطول الفريقين إصراراً وأشدهم تحملاً وأكثرهم بذلاً وأرضاهم بتقديم التضحيات الجسيمة وأجرؤهم على اقتحام الأهوال.

ولن يُكتب النصر للإيمان إلا إذا توفرت هذه الشروط كلها لأتباعه ذلك أن الباطل لا بد سيسخر منه سخرية لاذعة وسيبدي أنه لم يأبه للصيحات التي تناولته  ,وأن هذا الحق الجديد وأصحابه المغرورين به ليسوا إلا سحابة صيف عن قليل تنقشع وأنها لم تغير شيئاً مما كان ولن تستطيع ذلك فيما سيأتي..

وسوف يجنح الأعداء إلى المال وما أقوى سلطانه يستغلونه للرشوة وشراء العقائد وتخريب الذمم فإن عجزوا عن ذلك استغلوه في إشعال حرب مهلكة لتأديب الثائرين كما يقولون ولإعادة المياه إلى مجاريها القديمة.. 

والعدل في البيئات الظالمة كالنور في الليالي المظلمة ,كالتوحيد في الأمم المشركة,كل ذلك خروج عن المألوف ,لذا فهو ثورة تُستَنكر ويُحارَب أصحابها أولئك الموسومون بأنهم ثوار وعليهم أن يصبروا على تلك التسمية وما تستلزمه من معاملات يفرضها ناموس الأوضاع القديمة إلى أن يأذن الله بزوال تلك الأوضاع.. 

وقد كان الرسول الكريم صبّاراً على مطالب رسالته ناهضاً بأعباء دعوته وهو يعالج أمة في أخلاقها وحشة ورهبة وكأنها ظلال للصحراء التي تسكنها من قديم. 

وفي كنف هذا الرسول العظيم تربى جيل من البشر هيهات أن يوجد مثله بلاءً ووفاءً وتقديراً لقيم الرسالات ووزناً للرجال بمعاييرهم الصحيحة.

إنه جيل لم ينكص أمام أي نوع من أنواع التضحية طُلِبَ منه ..ضحى بكل شيء ليسلم له دينه. 

ومن عمل العقيدة العميقة في النفس أنها تهيج صاحبها حتى تجشمه فوق طاقته من عمل فقد عذر الله تعالى في الهجرة من لا يستطيعها من الشيوخ العجزة لكن شيخاً مريضاً حدثته قوة الإيمان في نفسه وأوحت إليه الرسالة الصادقة التي يعمل لها أنه أهل للهجرة فطلب أن يخرج مع صحبه فحملوه على سرير حتى جاوزوا به مكة فأدركه الموت..

فضرب بيمينه على شماله كهيئة المبايعة ثم قال اللهم هذه لك وضرب مرة أخرى وقال وهذه لرسولك أبايعك على ما بايع رسولك...ثم مات

ونزلت الآية الكريمة:(ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً)

إن الرجل صاحب الرسالة يؤثر في الحياة ولا يتأثر بسلبياتها ويوجه الأمة ولا يندرج مع تيارها...

وكل عام يلوح هلاله في الأفق يذكر المسلم الحر بأن النفس والمال والأهل والوطن فداء للإيمان الصحيح والإخلاص لله ورسوله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 المصدر كتاب تأملات في الدين والحياة الشيخ محمد الغزالي