فتة المديدة أكلة شعبية



ألفين وسبعة عام جديد  شتوي ... السنين تجرجر بعضها بترمح رمح  زي قطر ستة ونص زمان ويشدني شريط الذكرى لأول محطة ركبنا فيها الحياة ووعينا على المسافة بين العمر اللي جاي والآلة الجبارة التي اسمها الذاكرة  مخزون الذكريات ... وفي عز عز البرد تظهر أكلة المديدة على السطح وهي الأكلة الشعبية التي يعرفها الريف الصعيدي ومدن الجنوب الجواني حتى أدغال أفريقيا ...

المديدة اختراع شتوي المناخ ولقسوة البرد على مجتمع تآلف مع الشمس والحرارة الشديدة لذا كان البرد قارساً مرتين ... هي أكلة يحبها الشتاء وتحبه لارتباطها بالتوقيت الشتوي وخاصة في الصباح الباكر وهي بسيطة المكونات للفقير وغنية بالفوائد  وعندما تستيقظ الأم مبكراً وتشعل النار على الحلة ثم تضع السمن البلدي حتى يستوي وتضع فوقه حفنة حلبة حصى وتقلبها حتى تحمص بعناية ثم تخلط بالدقيق قدر حفنتين كبيرتين وتقلب مع السمن والحلبة حتى يتشربا ويأخذا اللون الوردي ثم تصب عليها الماء صباً مع التقليب المستمر حتى تصل إلى حد تشبه خلطة الباشميل وتترك تفور مرة أو مرتين وترفع من على النار وفي هذه اللحظة يكون الطبق الكبير مملوءاً بقطع الخبر المحمص ويسقى بهذه الخلطة حتى يتشرب بها ويقدم حاراً كما هو بالهنا ... هذه الطريقة من المديدة للفقير تحت خط الفقر أو فوق الخط يضع للخلطة الكركم للتلوين الأصفر أما أبعد قليلاً من الخط يضع بدلاً من الماء قدراً من الحليب الجاموسي أو البقري  وفي الحقيقة بما أني من النوع الأول لا أميل إلي هذه الإضافات لتغير طعمها الحاف ولزيادة رفاهيتها وعدم بساطتها ودرجة أعلى من الأصل الفقير ...أو ربما التعود هو الفاعل أو انحيازي لهؤلاء ...

المديدة بدون الفتة لها أشكال كثيرة في بعض الدول الإفريقية وخاصة في السودان وطرق أكلها .. والمديدة تختلف عن العصيدة بأن تكون الخلطة أكثر تماسكاً وتكون أقرب للعجين ويضاف إليها العسل الأسود فتة المديدة بهذه المكونات ماذا تفعل في البني آدم المخلوق من اللحم والدم في هذا الصباح القارس البرودة هي تحرضه على الحركة والانطلاق كما الحصان وتعطيه المزيد من الدفء والحيوية وتنشط الدورة الدموية وتصنع من الذاكرة تاريخاً للطفولة وأيام الصبا واللمة حول الطبلية ... يمكن الجيل الجديد يجهل هذا الأكلة وتم محو الذاكرة الأصيلة بذاكرة كنتاكي والهمبوجر وتم تسطيح العقول وتفريغها من التاريخ والتراث والله يرحمك يامه .

عزت الأبنودي