صبراً



 بعد إحدى الضربات الجوية التي استهدفت بغداد انتقلت الكاميرا إلى إحدى المستشفيات، وهناك كان لنا موعد مع الأمل لنراه بأعيننا، هو طفل لم يتعد العاشرة من عمره يحمله الرجال، تظن في البداية أنه ليس به شيء أو أنه فارق الحياة، ولكن...........عندما تقترب الكاميرا منه تجده حيًا وتجد جرحه عبارة عن أن بعض أحشائه خارج جسده، كل من حوله يصرخ يبكي إلا هو وفي هذه اللحظة تخيلت أنني قد دخلت إلى عقله ووجدت هذا الحوار يدور بداخله:

"هؤلاء هم أهلي وعشيرتي يظنون أنني صغير لا أقوى على تحمل الألم وأن اليوم هو يوم عذابي وبلائي، ولا يدركون أنه يوم عرسي. أعرف أنني جريح وأنه ليس بجرح خطير، إنني لا أنزف، لقد منعت دمي، نعم منعته، "بفضل الله" أن يخرج من جسدي فليس هذا وقت خروجه، ليس الآن، فهو لن يخرج فداء لظلم أو ثمنا لشفقة، فأنا أدخره لكي أحصل به على ثمن جرحي، يا من حولي أتبكون لجرحي أم شفقة على ألآمي ولكنني لن أبكي لن أصرخ فهذا ليس موعد صرختي.
في الماضي، كنت أجلس مع أمي ودائمًا ألح عليها بالسؤال: متى أكبر؟ متى أصير شابًا قويًا، عاقلاً، مسلمًا حقًا؟
فتحنو علي، وتضمني في صدرها ضمة لا يتسع العالم لحنانها، وتبتسم وتقول لي:"صبرًا، يا بني فأنت مازلت صغيرًا، قم فاشرب اللبن حتى تصبح كبيرًا"، آه يا أمي ليس باللبن وحده أصبح رجلاً كبيرًا، قد يكون بالدم والنار، قد يكون بالظلم والقتل.
تركت أمي وذهبت أكمل لعبي ولهوي، وفجأة سمعت صراخ عصافيري، وبعدها سمعت صفارات الإنذار، وأسرعت لأنظر من شباكي الصغير، فرأيت طائرات كأنها أسراب من الغربان تطير في سماء بلادي، تطلق أشياء تحول ليل بلادي إلى نهار يخرج من باطن أرضها، صرخت على أمي ولكن صراخي اندمج بأصوات عنيفة تصم آذاني، كل شيئا من حولي يتغير سريعًا حتى الزمن والساعات والأيام والشهور والسنين تركض أمامي سريعًا، وعندما رأيت جدران بيتي تتحول إلى تراب، وشعرت بشيء يخترق جسدي أدركت حينها أين أنا، ومن أكون، وفي أي زمان أنا الآن، لقد بعثكم الله لي، لتقصروا لي الزمان.
فبين لحظة خوفي من صوت الطائرات إلى قذفها وإصابتها بيتي، ولحظة إصابتي، قد كبرت كثيرًا، صغرت أيامي وسنيني ومرت أمامي سريعًا، لقد زاد عمري أعوامًا وأعوامًا كثيرة.
أنتم يا من أسميتم أنفسكم أحرارًا، وجئتم لتحرروني من قيودي، تظنون أنني سوف أزفكم على أرضي أو أبكي وأصرخ لما أصابني، تلعبون وتلهون في أرضي وتظنون أنني أبكي.
لا..... لن أبكي، لن أصرخ، بركان غضبي لن ينفجر الآن.
صبرًا يا من تسرقون أيامي وأحلامي، صبرًا يا من هدمتم بيتي، صبرًا يا من قتلتم أهلي.

صبرًا..... صبرًا..... صبرًا......
فلقد صرت كبيرًا، فمن غيري سوف يأخذ ثمن ما فعلتم بديني، وأمتي، ووطني، وأهلي، وأرضي، وعرضي".

وهنا أغمض الطفل الرجل عينيه، استسلم لمن حوله لكي يضمدا جرحه.
والآن نحن في انتظار أن يفتح الرجل عينيه ونفتح معه أعيننا على الحقيقة ونقوم بتغير أنفسنا حتى يتغير ما حولنا.

فـــــــــــــصــــــــــــبرًا............

  شيماء علي أحمد

  28 سنة

  محامية

 مصرية