شروط النبي للصلح مع اليهود



حوار أجراه أ. عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 14/2/2007

 

عندما تأكد النبي أن خيبر بؤرة لتآمر اليهود على الإسلام صمم على حربهم  رغم قوة حصونهم .. وعندما تحقق له النصر واستولى على أسلحتهم رفض الاستمرار في ضربهم بل أجبرهم على الصلح وقبول كل شروطه.

الداعية عمرو خالد يواصل سرده لوقائع ما جرى في غزوة خيبر مؤكداً ما أشبه الليلة بالبارحة.

 

شـروط النبي للصـلح مـع اليـهود

 

يقــول عــمرو خـــــالد:

 

فــرسان المــبارزة

عندما علم اليهود أن قائد الهجوم الإسلامي على حصونهم هو عليّ بن أبي طالب، انتشر بينهم الذعر وقالوا: نلجأ إلى المبارزة فقد علموا من كتبهم أن هزيمتهم سوف تكون على يد عليّ بن أبي طالب.

فخرج أربعة إخوة أقوياء، لا يُهزمون أبداً في المبارزات، أولهم اسمه مرحب وهو قائدهم وأقواهم، ويبدأ مرحب في قول الشعر :

" قد علمت خيبر أني مرحب

شاكي السلاح بطل مجرب"

فيرد عليه عليّ بن أبي طالب:

" أنا الذي سمتني أمي حيدرة"

ثم يتقدم منه علي ويقتله في لحظات وخرج ياسر شقيق مرحب و رأى النبي أن ياسر عملاق، قال النبي: ما أطوله أهو خمسة أذرع؟ فتقدم له عليّ بن أبي طالب، لكن الزبير بن العوام تقدم من عليّ وقال له: دعه لي يا عليّ. فقال له عليّ: تقدم يا زبير لك ما شئت فدخل الزبير إلى حلبة  المبارزة، وكانت أمه في الخلف ضمن عشرين امرأة مسلمة.

- السيدة صفية بنت عبد المطلب. التي هتفت يا رسول الله أخشى أن يقتل ابني. فقال لها النبي: بل ابنك قاتله إن شاء الله وفعلاً قام الزبير بقتل ياسر. فدعا له النبي وقال:

" لكل نبي حواري وحواريي الزبير بن العوام " ويعود الزبير إلى  جيشه فيقولون له:

ما أعظم سيفك، فقال: والله ما كان عظيماً غير أني أكرهته".

 

وانهـارت حـصون خـيبر

في اليوم الخامسَ عشرَ يتم فتح أول حصن، وينهار اليهود ثم يتقدم " علي " إلى الحصن الثاني، دون قتال وكانوا بالحصن الأول، وينتقل النبي صلى الله عليه وسلم من الحصن الأول إلى الحصن الثاني.

وبينما كان المسلمون جائعين، جاء راعي غنم يهودي تابع لجيش اليهود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من يأتينا بغنم من هذه؟ فقال أبو اليسر: فانطلقت أجري فأخذت غنيمتين تحت أذرعي، وجريت بهما إلى النبي فوضعتهما بين يديه الكريمتين، فنظر إليّ النبي وابتسم وقال: اللهم متعنا به. فكان آخر صحابي مات، بسبب دعوة النبي له، أي كان أطولهم عمراً.

وكان أبو اليسر يحكي هذه القصة ويقول: دعا لي النبي وقال اللهم متعنا به، فمات كل أصحاب النبي وما زلت حياً، حتى ألقى حبيبي محمداً؟

 

 

واحــد من أهــل الـجنة

قبيل فتح الحصن الثاني لليهود، يأتي عبد أسود من رعاة الغنم، وكان هذا الراعي يقيم داخل الحصن، فسأل الراعي نفسه وقال محمد على حق واليهود يعلمون ذلك ويتحدثون في ذلك، فأخذ الراعي الغنم ليسقيها ويطعمها، ثم اتجه إلى النبي  صلى الله عليه وسلم فقال له:

يا رسول الله علمت أنك على الحق وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فعلام أكون معك؟

قال له النبي: ستكون من أهل الجنة قال: وما الجنة؟

فظل النبي يصف له الجنة.

 

قال: يا رسول الله أنا معك. أرأيت يا رسول الله إن قتلوني اليوم هل أذهب إلى الجنة؟ فقال النبي: نعم.

فقال: يا رسول الله إني أسود اللون نتن الرائحة. خبيث الثياب. لا مال لي قبيح الوجه. أأدخل الجنة إن قتلت؟

 قال النبي: ويبيض وجهك. ويجمل ثيابك ويطهر رائحتك. ويكثر مالك.

قال: يا رسول الله ولكن معي غنم القوم أريد أن أردها إليهم. فأعجب به النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ادفعها  وارمها بحصاة تعود إلى الحصن.

لماذا أعاد النبي غنم هذا الرجل، بينما أرسل قبل ذلك من يأتيه بغنمتين؟

لأن الغنم الأولى اقتنصت من محارب، أما هذا الأخير فمواطن لديه أمانة يرعاها لقومه فلابد أن تعود لهم، هذا حق المواطنة ويدخل الراعي المعركة فيقاتل ويموت شهيداً.

 

فيقول النبي: أو قد مات؟ فيقول نعم. فيقول النبي : لم يصلِّ لله ركعة. عمل قليلاً وأجِر كثيراً. ضعوه في خبائي ويحضنه النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: والله لقد بيّض الله وجهك وكثّر مالك، وجمّل رائحتك ثم قال النبي: والله أرى معه الآن زوجته من الحور العين تنفض التراب عن ثيابه تقول: قاتل الله من قتلك أنت رفيقي في الجنة. ويتم فتح الحصن وتكثر الغنائم وتوزع على المسلمين، فيذهبون لواحد من الصحابة الألف والأربعمائة، يقولون له: النبي يرسل إليك هذا، إنه نصيبك من الغنائم. فيقول: لا والله ما على هذا اتبعته، ولكن اتبعته على سهم هاهنا، وبعد نصف ساعة ينطلق سهم يهودي فيصيب الرجل في المكان الذي أشار إليه. فقال النبي: أهو هو؟ فقالوا: نعم يا رسول الله. قال: حيث أشار؟ فقالوا نعم يا رسول الله. قال: صدق الله فصدقه الله.

 

 

لا .. لأسلـحة الـدمار الشـامل

تم فتح ثلاثة حصون، واليهود ينقلون من حصن إلى حصن،ووصل المسلمون إلى الحصن الأخير، وكان النبي يأخذ من الحصون المفتوحة، الآلات الحربية الموجودة بها مثل: المنجنيق " وهي آلة جديدة لم يكن المسلمون يعرفونها يتم ضرب النار بها فتصيب الحصون". وكان النبي يقول: أروهم المنجنيق .. وأصدر أوامره بعدم الضرب كان يريد صلى الله عليه وسلم .. أن يلجؤوا إلى الصلح وحقن الدماء.

وحين رأى اليهود المنجنيق المستولى عليه أرسلوا كنانة بن أبي الحقيق يطلب الصلح. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على أن تنزلوا على شروطي. أعظم سلاح امتلكه المسلمون هو الإيمان. ويستسلم اليهود بشروط النبي وهي :

 

1-   نزع السلاح

2-   الخروج من خيبر

 فقالوا له: أبقنا نزرع الأرض.

فقال: إذن نعم، على أن يحصل المسلمون على حصة من الثمار تعادل النصف مما أنتجته الأرض. ويتم إرسال مثمن لمراجعة قيمة المحصول وحصة المسلمين على ألا يكون هناك أي سلاح في أيدي اليهود.

ويتم توقيع الصلح على هذه الشروط، فتحولت العلاقة بعد غزوة خيبر من العداء إلى التعايش السلمي والتنمية فاليهود أكثر دراية بالأرض الزراعية من الصحابة.

هنا تبدو حنكة النبي وحكمته. فلو أن هؤلاء اليهود صاروا في بطالة بلا عمل أو مورد للرزق لتحولوا إلى أعداء مرة أخرى .. لكنه بسياسته زاد من ثروة المسلمين، وأتاح لليهود أن يعملوا ويكسبوا رزقهم.

 

 

 

 

 

رشـوة بالـتمر

ومن الطريف أن النبي في العام التالي أرسل عبد الله بن رواحة لتثمين المحصول واستلام حصة المسلمين، وتم ذلك دون خلاف، وفي السنة التالية، ذهب عبد الله فقالوا له: لقد أردنا منحك هدية هي ربع تمر خيبر على أن تجاملنا في التقليل من حصة المسلمين.

فخلع عبد الله بن رواحة نعله ولوّح به في وجوههم وقال: أترشونني في نصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

 

 

 

حــيلة الحـــجاج

مما ورد أيضاً عن غزوة خيبر أن أحد الصحابة. وكان مسلماً حديث العهد بالإسلام اسمه الحجاج بن علاط كان له مال عند تجار مكة وقريش لم تعلم أنه دخل في الإسلام، فذهب إلى النبي يقول له:

يا رسول الله هل أستطيع الذهاب إلى مكة لتحصيل ديوني هناك قبل أن يصل إلى قريش خبر إسلامي  وهزيمة خيبر؟ فقال له النبي: اذهب فقال له الحجاج : ربما قلت لهم عنك كلاماً لا يرضيك حتى لا ينتابهم الشك فيّ. قال له النبي: قل ما شئت. فذهب الحجاج بن علاط إلى مكة وقال: يا معشر قريش.

فقالوا: الحجاج بن علاط لعله قادم من جهة خيبر، عنده الخبر. أخبرنا يا حجاج فقال أين التجار؟

قالوا: بشرنا. قال: وفلوسي؟ قالوا: والله لنأتينك بها. قال أسر محمد وانتصرت خيبر وقتل جيش محمد . وسيأتونكم به لكي يسلموه لكم. فجمعوا المال وأعطوه للحجاج. وعند خروجه من مكة سأله العباس عم النبي: يا حجاج أحدث ذلك؟ قال له: نخرج من مكة وتخرج معي وأخبرك ومعي مالي خارج مكة.

وبعد خروجهما قال للعباس: لا والله هزموا شر هزيمة وانتصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاد الجيش سالماً ولم يقتل من أصحاب النبي إلا ستة عشر رجلاً  فقط وقتل من اليهود ستة وتسعون رجلاً، وعدنا إلى المدينة منتصرين. قال له العباس: بشرك الله بالخير.

فقال: إياك أن تخبر عني حتى أعود إلى المدينة، قال : والله لا أخبر عنك.

وبعدما أقامت قريش الأفراح والليالي الملاح، جاءهم الخبر اليقين، فقالوا فعلها الحجاج ليأخذ ماله. هكذا كان لغزوة خيبر أثر كبير على قريش لأنها كانت الأمل الأخير لقريش للمواجهة  مع النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك يقولون أن مكة فتحت بثلاثة أشياء:

 

1-   بصلح الحديبية.

2-   بمكاتبة النبي للملوك حيث قالوا إن محمداً صار شخصية عالمية وليس شخصية محلية.

3-   فتح خيبر.

 

وفتحت مكة سلماً ولم تُرَق فيها قطرة دم بسبب فتح خيبر. وسيدخلها النبي صلى الله عليه وسلم دون إراقة قطر دم واحدة. ولو أن النبي دخل مكة قبل ذلك لجرت فيها حمامات الدم، إلا أن صلح الحديبية مع قريش وصلح خيبر مع اليهود، وضعا أساس السلام، سلام مكة.

 

 

www.amrkhaled.net