عادت حنان لمنزلها وهي تجر أقدامها التي لم تقوَ على حمل جسدها ،
محتبسة الدموع التي لم تجف بعينيها ، وعلى الرغم من أعمال المنزل التي كانت
بانتظارها ، ومتابعتها مذاكرة أبنائها ، إلا أن التفكير لم يتركها لحظة ، والدمع
مازال حبيس جفونها ،دخلت حنان مخدعها لعلها تقطع التفكير بالنوم ، لكن الدمع قال
لها كفان حبساً، وانهمر ومعه العديد من الأسئلة ، كان آخرها لماذا تبكين ؟
وفي وقتٍ متأخرٍ من الليل عاد زوجها ،اتجه لغرفة المعيشة ليشاهد بعض
الأخبار بالتلفاز ، ثم قلب بالقنوات قليلاً ، وبعدها انطلق ليجلس أمام الكمبيوتر
،وبعد مضيّ باقي ساعات الليل اتجه لغرفته للنوم فإذ به يسمع صوت نهنهة بكاء مكتوم ،
فقال:
-حنان ..أنتِ نائمة ؟
*نعم أنا نائمة
فكشف الغطاء عن وجهها
-ماذا بكِ ؟ لماذا تبكين؟ كان عندي عشاء عمل اليوم وآسف لأني لم
أتمكن من إخبارك ، نسيت
*لا شيء هذا أمر ليس بجديد
-فعلاً ، إذاً ماذا بك؟ لم أتوقع أنك مستيقظة لأتوجه للغرفة
*الأمر لا يتعلق بك
فقال ضاحكاً
-هههههه كم تعشقين النكد، فلم تجديني لتنكدي عليّ فاضطررتِ للنكد
على نفسك ، أحسنتِ ، استمري استمري ، لكن ما عاد هناك وقت يجب أن تنهضي للعمل ..أرى
أن تكملي وصلة النكد مع زميلاتك والعملاء ..ما رأيك؟
أجابته بابتسامة صفراء
* شكرًا لتنبيهي
وصلت حنان إلى عملها وجلست بمكتبها تعلو وجهها قسمات حزينة ويبدو
على عينيها الإجهاد من السهر والبكاء، دخل عصام ..نظر إليها ، ثم وقف أمام مكتبها
صامتاً، لم ترفع حنان عينيها رغم إحساسها أنه يرغب في الحديث إليها، فقال عصام بصوت
مخنوق
- مدام حنان ..أنا آسف ، لم يسمح لي تأنيب ضميري بالنوم أمس ، خاصة
ولقد رأيت دموعاً تلمع في عينيك
أثارت كلماته الدمع ليقترب من حافة أجفانها مرة أخرى ، ولم ترفع
وجهها حتى لا يراه ثانية
فاستطرد قائلاً
- أنتِ إنسانة محترمة وفطرتك سليمة ، لم أتحمل أن أرى شائبة في
الثوب الأبيض
فقالت بصوت باكٍ
*لا شيء حدث
فرد مباغتاً حنان
- آسف .. فكم أغار عليكِ
نظرت حنان إليه وقد تسارعت دقات قلبها ،فاستطرد قائلاً
-كأختٍ لي ، أغار على دينك ، هلا قمتِ فغسلتِ وجهكِ ؟ لا أريد أن
يراكِ أحدٌ هكذا
قامت حنان فغسلت وجهها وعادت للمكتب فاستقبلها بابتسامة طالباً
تسامُحَها بها
فردت هي بابتسامة وكأن الأمر لا شيء
ودفع هذا الموقف حنان لمراعاة تصرفاتها وصرامتها في تطبيق ما عزمت
عليه ، غير أنها كانت دائمة المتابعة لقسمات وجه عصام، فهي باسمة إن أصابت ، وغاضبة
إن أخفقت ، وبصمت ودون حوار تعده ألا تخفق في المرة القادمة
وكأن كلاهما يفهم صمت الآخر ، هكذا أصبحت حنان تمضي يومها في نشوةٍ
وبهجةٍ خفية ، وأصبحت تتمتع بسعادةٍ وثقة بالنفس غير معهودة ، بل وأصبح مكان العمل
هو المكان الذي تطرح فيه همومها وتستمد منه قوة تدعم شتى جوانب حياتها ، تدفقت
المشاعر بقوة في وجدانها ..ولكنها تتساءل مع نفسها ..
ما هذا الشعور الخفي الذي يدب في نفسي ؟ هل هو إعجاب بشخصيته؟ هل حب
في الله ؟ هل....هل ... ؟ لم تملك حنان تصنيف هذا الشعور ، ولم تملك أن تضع له
عنواناً .
لاحظت
حنان تجنب عصام لأي تعامل معها ، وتظاهره بالانشغال وعدم إعطائها فرصة حتى لتلقي
السلام، كما تكرر غياب عصام عن العمل ، حتى جاء يوم ووجدت شخصاً آخر يجلس على مكتبه
، فتساءلت حنان عن الأمر ، فأجابتها رئيسة القسم : إنه الموظف الجديد البديل لعصام
فسألت حنان في ذهول : هل انتقل عصام لقسم آخر؟
فردت الرئيسة قائلة : لقد تقدم منذ شهرين بطلب نقله لفرع الشركة
بالإسكندرية ، ألم تلحظي غيابه المتكرر في الفترة الأخيرة ، كان بين هنا وهناك
لينهي أوراقه.
فقالت حنان بشيء من الأسى : ربنا يوفقه للخير والأصلح
ولم تغادر حنان مقر الشركة حتى حصلت على رقم تليفون فرع الإسكندرية
، ولكنها لم تقوَ على إجراء هذا الاتصال ، ترددت كثيراً ، ومرت أيام الأسبوع ،
ولاحظت أنها بالفعل لم ترَ ولم تهتم بهنات زوجها ، وبعده عن الأسرة ، كل ما يشغلها
أمرٌ بعيد كل البعد عن حياتها الأسرية
وفي صباح اليوم التالي تشجعت حنان واتصلت بفرع الإسكندرية وسألت عنه
..وتسارع خفقان قلبها وهي في انتظار سماع صوته ، فماذا ستقول له؟ وإذ به يقطع
تفكيرها ويزيد معدل اضطرابها بصوته القائل
- السلام عليكم
*وعليكم السلام
- من معي ؟
* حنان
- أهلاً مدام حنان ، خيرًا
* لماذا طلبت نقلك للإسكندرية ؟ أعلم أن كل أهلك هنا بالقاهرة
- ألهذا اتصلتِ؟
* نعم ، ولماذا لم تخبرني بأنك ستنتقل من الشركة ؟
- أختي حنان .. بصراحة شديدة هذا أفضل لي ولكِ ، وأنتِ تعلمين لماذا
* لماذا ؟! هل أخطأنا في شيء؟
- قد نكون أخطأنا ، وإن لم نخطئ فعلينا أن نغلق على أنفسنا باباً قد
نندفع منه لأخطاء عديدة
فردت حنان بصوت مخنوق بالبكاء
* هل كنا نتعاون على شيء يغضب الله ؟
- يكفي صوتك الباكي كدليلٍ على أن ما أخذته هو القرار الصحيح
واستطرد قائلاً
-حنان ..انتبهي لنفسك لا تجعلي للشيطان عليك سبيلاً
* كنت أشعر بأنكَ... أنتَ بالنسبة لي ..
قاطعها عصام قائلاً
- كنتُ لكِ أخاً يحب أن يراكِ على خير
* لماذا أشعر بالخوف ، واختفاء البسمة برحيلكَ؟ لماذا...
قاطعها عصام قائلاً
- أخيتي ، من يتقِ الله يجعل له مخرجاً ، أريد أن تكون هذه آخر
كلماتي إليكِ، انتبهي لنفسك ، في رعاية الله
فلم تملك إلا أن تقول له : * مع السلامة
أغلقت سماعة التليفون ، ولكنها فتحت أمامها أبواب كثيرة وتساؤلاتٍ
عديدة ، لماذا كل هذا الحزن ؟ أين هذا الشخص منك ؟ وهل مسموح لزوجة وأمّ أن تشعر
بتلك المشاعر ؟ لماذا حدث لي هذا ؟ وماذا ينبغي عليّ الآن؟ حانت لحظة حساب النفس ،
فلتفيقي يا حنان
شعرت حنان بأن الأرض غير مستقرة تحتها ، حاولت أن تتماسك ، فلم
تنتهِ الحياة بعد، عليها أن تعيد صياغة حياتها بالشكل المناسب وتتعلم من أخطاء
الماضي .