كنت
مدخناً وكان التدخين حياتي...بدأت قصتي وأنا صغير كنت أرى أبي
يدخن فأسارع إلى أقرب وأصغر قلم لأقلده وأدخن وبعد أن كبرت قليلاً بدأت أدخر من
مصروفي لأشتري به السجائر في السر ومن وراء كل الناس كانت حبيبتي الخفية التي لا
يعلم بأمرها سواي أنا وبائع السجائر(الفرط).
كانت كل شيء في حياتي ..كنت أشاركها
كل
شيء حتى أدق أسراري الشخصية التي لم يكن أهلي أو حتى أقرب أصدقائي يعلمون بها
كانت السجائر تشاركني فيها كانت صديقي الذي أبث خلاله فرحتي وأنفث بدخانه نيران
غضبي ولكن ليست السجائر بالسر الذي يخفى طويلاً وخاصة أن أبي مدخن ويعرف المدخنين
مثله ،وبدأت علامات التدخين تظهر على أسناني ورائحتي التي كانت تنفر والدتي وكل من
يجلسون بقربي وحانت لحظة المواجهة حين ضبطني والدي أسرق من علبة سجائره فانفجرت
ثورة غضبه وأعلن الحرب عليّ فأقام الدنيا ولم يقعدها حتى تركت البيت تاركاً إياه
ورائي يموج في صياحه وسبابه لي ولم أكترث فقد أعلنت عن حبي لها واعترفت به أمام
الجميع ولا يهمني ومضت الليالي وأنا أقيم عند أحد أصدقائي وأمي ترسل لي من يتوسطون
بيني وبين والدي وأنا على موقفي فأنا قد أعتذرعن السرقة ولكني لن أعتذر عن السجائر
فهي
جزء من حياتي ويجب أن يعترفوا بها ولن أقبل أن أتنازل عنها
.
وجاء أحد
المبعوثين بخبر مرض أبي وأنه طريح الفراش وظننت في البداية أنها كذبة لأعود إلى
البيت وأعتذر من والدي ولكن هذه المرة جاءتني أمي لتنهرني وتعنفني على علمي بمرض
أبي
وعدم زيارته وأنا صامد على موقفي لا أريد أن أذهب معها ولا أعلم لماذا،ثم تبادر
السؤال إلى ذهني هل أنا خَجِلٌ مما فعلت؟ومن أي فعلة أنا خَجِل؟هل من سرقة السجائر
أم
من
تدخينها؟لم أعلم حينها سبب خجلي من رؤية والدي والامتناع عن زيارته وظللت على
حالي أُدخن و أشكي للسجائر همي وأفرغ فيها شتى أحاسيسي إلى أن جاءني خبر مرض والدي
بمرض سرطان الرئة بسبب التدخين وهببت واقفاً حينها معترضاً على اتهام سجائري
الحبيبة
بمثل هذه التهمة البشعة ..لا يمكن أن تفعل السجائر ذلك ،مؤكد أن الطبيب أخطأ في
التشخيص ربما..ربما..ولكن مهلاً فأنا كثيراً ما كنت أرى أبي يسعل بشدة لدرجة نفثه
للدماء وكان كثيراً ما يواجه صعوبة في التنفس إذا أكثر من تدخينها
.
ما
معنى
هذا؟ السجائر هي من تقتل والدي ؟هي من تميته ببطء؟ هل هي حقاً من التفت بدخانها
حوله لتسرقه منا على حين غرة؟
هرعت إلى والدي لأطمئن عليه وارتميت في حضنه وبكيت
بحرارة فجعل يقول لي عن التدخين وأضراره وأنه ما كانت ثورته إلا لعلمه بمرضه
وإخفائه لتلك الحقيقة عنا فهو لم يكن يريدني أن أصل لما وصل إليه
.
لم
أصدق ما
أسمع هل وصل حبه للتدخين أن يفضله على صحته ؟على أهله؟ولمَ العجب فانا فعلت الشيء
ذاته.
تركته ليرتاح وذهبت لغرفتي وجلست في الشرفة علّ النسيم يطفئ الجحيم المتقد
داخلي من إخفاء الأسرار والكذب؛حاولت منع نفسي من مد يدي على
السجائر ولكن لم
أستطع فتناولت واحدة وبدأت أدخنها وإذا بأخي الصغير يدخل ليحادثني في شوق ويسأل عن
أخباري ثم أخذ بالسعال بشدة واختنق حتى ازرق لونه وهرعت به إلى الخارج فإذا بأمي
تقول لي (أنسيت أنه مصاب بمرض ضيق التنفس؟وأن رائحة الدخان قد تقتله؟)
ولكُم أن
تتخيلوا مدى صدمتي أنسيت مرض أخي هل أخذني التدخين إلى هذه الدرجة؟ هل حقاً من
اعتبرتها صديقة عمري ورفيقة حياتي انقلبت ضدي؟هل خانتني وقررت ذبح أهلي أمام عينيّ
واحدًا تلو الآخر؟
جريت إلى غرفتي وجعلت أمزق كل سيجارة وجدتها بيدي ومزقت
العلبة ورميت بهم من الشرفة عرض ذراعي وأقسمت ألا أعود لها أبداً وأخذت عهداً مع
والدي أن نحاول معاً الإقلاع عن التدخين..وهكذا حاولت‘بدأت بالتخفيف عنها تدريجياً
حتى
أصل للامتناع تعبت جداً في البداية ولكنه كان تحدياً وكان يجب أن أفوز فيه فقد
كان
الثمن حياة أبي وأخي وحياتي
.
وها
أنا اليوم أفخر بكوني غير مدخن ..بل أفخر
بأني منعت أذى التدخين عن نفسي ومن حولي فأصبحت بطلاً في عيون أهلي وصارت أمي تحكي
قصتي متفاخرة بي أمام جميع من نعرف, أما أنا فأصبح المستقبل أمامي ..أراه بوضوح بعد
أن
انقشع دخان السجائر..
نسيت أن أقول لكم أنني اليوم مدرس وأب لثلاثة أولاد
أعرف كيف أحافظ عليهم من شبح التدخين.