روشتة الانتصار : غيروا أنفسكم



هذا الحوار أجراه الأستاذ عصام الغازي مع الأستاذ/ عمرو خالد لمجلة "كل الناس" يوم الأربعاء الموافق 2/4/2003
وكان عنوان المقال:
عمرو خالد يعيش أحزان الحرب : روشتة الانتصار : غيروا أنفسكم

وهذا هو نص الحوار

كيف تلقى الداعية عمرو خالد في بيروت نبأ العدوان الأمريكي البريطاني على العراق ؟
.. وماذا كان رد فعله ؟
عمرو خالد أوقف برنامجه " نلقى الأحبة " الديني، وبدأ تسجيل برنامج يومي اسمه " حتى يغيروا ما بأنفسهم " بدأ بثه على قناتي " أقرأ " و " الأوائل "، للتحدث عن العدوان الأمريكي – البريطاني على العراق.
كما أصدر بيانا تحت العنوان نفسه: " حتى يغيروا ما بأنفسهم "، تحدث فيه عبر خمسة محاور عن: حال الأمة اليوم. ما نتمنى أن نصل إليه. تغيير حال الأمة. قانون السلوك الاجتماعي. ودور الشباب.

" كل الناس " انفردت بأول حوار مع عمرو خالد في بيروت عن العدوان الأمريكي – البريطاني على العراق. سألت عمرو خالد:
كيف تلقيت نبأ قصف بغداد والعدوان الأمريكي – البريطاني على مدن العراق ..
وبم أحسست ؟

قال في تأثر:
ما حدث في العراق جزء من مسلسل أصيبت به الأمة منذ أكثر من قرن من الزمان. نحن نتحدث عن مائة سنة أو أكثر غيبت فيها الأمة تغييباً كاملاً. لذلك أرى أن الشباب محبط إحباطاً كبيراً، ورغم ذلك أقول أن الأمل كبير جداً، وأن ما يحدث هو الذي سيحس الأمة ويوقظها .
يجب ألا نشعر باليأس لأننا نضرب بين الحين والآخر وتلحق بنا الهزائم. لقد كنا مغيبين وضعفاء. أمتنا مهزومة لهذه الأسباب

نحن عانينا من أربع مشاكل أساسية :
1- البعد عن الله.
2- التخلف العلمي والتكنولوجي .
3- انهيار أخلاقي وقيمي .
4- التبعية الثقافية للغرب.

كل هذا كان من نتائجه أن صرنا أمة متبعة ومهزومة ومغيبة، وليس لها أي دور في الحياة.
ما حدث في العراق نتيجة لذلك. نحن السبب في ما جرى لنا. ( وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ). نحن ابتعدنا كثيراً عن الله، وتخلفنا كثيراً عن ركب الحضارة علمياً وروحياً، فكانت النتيجة أننا نواجه كل هذه الأزمات.
الحل لما يصيب الأمة من هذا الأمر العصيب، هو أن نعالج الأسباب الأربعة التي تم ذكرها .

الناس في البداية شعرت بقلة الحيلة في مواجهة هذه الآلة العسكرية الرهيبة.
خاصة الحكومات. لكن المقاومة الباسلة للشعب العراقي. غيرت هذا لإحساس .. هل في التاريخ الإسلامي ظروف متشابهة؟
الإسلام على مدى تاريخه تعرض لأمور موجعة، لكنه رغم ذلك عاد أقوى مما كان. أعطيك مثلاً على هذا الكلام: العراق الآن يتعرض للغزو والعدوان في شهر محرم، هل تعلم أن التتار دخلوا بغداد في شهر محرم؟.. نفس الشهر الذي حدثت فيه ضربة الأمريكان للعراق، حدثت أيضاً ضربة التتار للعراق. ودخل التتار بغداد وظلموا يقتلون سكانها 40 يوماً متواصلة، يعملون السيف في رقاب أهلها، لدرجة أن ابن كثير في " البداية والنهاية " يقول:

اختلف في عدد من قتل من أهل بغداد، فقالوا قتل ألف ألف نفس، أي مليون نفس. وقيل قتل ألفي ألف نفس أي 2 مليون وانتشرت جثث القتلى في طرق بغداد كأنها التلال حتى سرى الطاعون في البلد.

لكن ماذا حدث بعد ذلك ؟
انتصر قطز على التتار.
أين التتار الآن في تاريخ؟
ذهب التتار وبقيت بغداد .

بعد ذلك أسلم التتار فهذا الدين يملك قوى ذاتية رهيبة.. وقد أودع الله في شعائر هذا الدين وقرانه قوة خرافية ربانية تجعل هذا الدين لا ينتهي .

اكتب " مانشيت " على مسئوليتي :
هذا الدين في الأرض كالشمس والقمر. هذا الدين سنة كونية، لو غابت الشمس وغاب القمر، تحدث القيامة. وهذا الدين لو تنحى عن الأرض تقوم، القيامة، لأن الله اختار هذا الدين لحراسة الأرض حتى يوم القيامة.
والمائة سنة الأخيرة، حدث شاذ في التاريخ، ليس هو الأصل، وسيرجع الإسلام كما كان ساطعاً .

الإسلام أيام القطب الواحد
هذا العدوان قائم على الظلم والجبروت والخروج على الأخلاق والشرعية الدولية. ماذا يقول الإسلام في مثل هذه الظروف ؟
نريد أن نوضح كيف كان الإسلام يتعامل مع العلم عندما كان في موقع القطب الواحد ؟.. وكان هو القوة العلمية الوحيدة والحضارة السائدة؟
انظر إلى الإسلام. وهو في وضع قيادة الأرض . الذي تقوم به حضارات أخرى.
هل تتخيل ماذا فعل المسلمون عندما وقفوا على أبواب "سمرقند "، التي صارت بعد ذلك إحدى المدن السوفييتية؟
وقف المسلمون على أبواب سمرقند، ليس كجيش استعماري، وإنما كفكرة يحملها جيش. كدين جديد ذهب الجيش يبلغ الناس به بالحكمة والموعظة الحسنة .
السنة أن يقف الجيش على أبواب المدينة ثلاثة أيام، لإمهال أهل سمرقند الفرصة، يعرض عليهم الإسلام، وأحس المسلمون أن أهل سمرقند يتعجلون المعركة، فهاجموا المدينة بغتة قبل أن يهاجمهم أهلها.

بعد أن استولى جيش المسلمين على سمرقند، بعث قاضيها. غير المسلم . إلى عمر بن عبد العزيز يقول له: أنتم لم تنفذوا المهلة التي أمركم دينكم بها، وهي ثلاثة أيام من الحصار، فأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز جيش المسلمين أن يخرج من المدينة.
لو قرأ الذين يصفون الإسلام بأنه دين إرهابي همجي ذلك التاريخ، ماذا كانوا ليقولون؟
يخرج الجيش من سمرقند، ويقف عند أسوارها مدة ثلاثة أيام، وحين يبدأون الهجوم لاقتحامها، يفاجأون بأن المدينة أسلمت. لأن الناس لم تتخيل أن أحداً في هذا العلم، يمكن أن يتصرف على هذا النحو.
هل تأملت سورة العاديات وهي تقول: ( والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا ). الناس تعودت الإغارة على الخصوم والأعداء ليلاً، لكن الإسلام يوصينا ألا نغير ليلاً على أحد، حتى لا نروع النساء والأطفال.

انظر الآن ما يفعله تحالف الشيطان الأمريكي البريطاني من ترويع ومذابح وتدمير طوال الليل للمدنيين في بغداد والبصرة والموصل وغيرها من مدن العراق.

ليست آخر الضربات
نعم.. الناس تشاهد احتراق بغداد عاصمة الرشيد كل ليلة على الهواء مباشرة، وكذلك البصرة مدينة السياب والنجف حيث يرقد الإمام على وكربلاء حيث استشهد الحسين، وسامراء ذات المئذنة الملوية. ماذا تقول لأهل هذه المدن. وماذا ينبغي لنا أن نفعل نحن العرب خارج العراق؟
مطلوب شئ استراتيجي. فالغزاة والطامعون سيظلون يلاحقوننا طالما نحن نائمون. والآية الكريمة تقول: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ).

هذه الهجمة الاستعمارية الشرسة، ليست آخر الضربات، فهناك ضربات كثيرة آتية، إذن لابد أن يكون هناك حل استراتيجي. اكتب عن لساني: الحل الاستراتيجي لأزمة العراق هو " حتى يغيروا ما بأنفسهم ".

ليتنا نكتب المانشيت :
" حتى يغيروا ما بأنفسهم "
الشيء الثاني: الدعاء بإلحاح والتضرع إلى الله خاصة في قيام الليل.
الشيء الثالث: اتصلوا هاتفياً بالعراقيين، لا يهم أنكم لا تعرفونهم، قولوا لهم أنكم معهم. شدوا من أزرهم حتى يزدادوا صموداً وصلابة.
وأنا جربت ذلك دون أن أطلعهم على شخصيتي. اتصلت بأرقام عشوائية داخل مدن العراق، وقلت لهم أنا مواطن مصري أريد أن أطمئن عليكم.

كود العراق هو: 00964 وكود بغداد (1) ثم يلي ذلك سبعة أرقام تبدأ بـ 77 أو 75 أو 71 أو 55 أو 54 أو 52 .
الناس في بغداد بكوا تأثراً حين اتصلت بهم.

كيف نحمي أعراضنا؟
الشاعر أمل دنقل قال في قصيدته " لا تصالح ":
" كيف تنظر في عيني امرأة
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها "..

ما تعليقك على ذلك ؟
الإيمان هو القوة الأساسية التي تجعلنا نحمي أعراضنا ونحافظ على مقدساتنا، هذا لا يعني أن نهمل تسلحنا بالعتاد والتكنولوجيا المتقدمة: ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ).
القوة هنا تعني كل أنواع القوة، وخاصة القوة النفسية والبدنية ثم السلاح. إضافة إلى تكاتف الأمة ووحدتها. والشاعر أمل دنقل. رحمة الله. صدق وهو كان يريد إفاقة الناس بهذه الكلمات كان يريد إفاقة الأمة. لا مخرج لنا إلا بمواجهة 4 مشاكل:
- البعد عن الله
- الانهيار الأخلاقي
- التخلف العلمي
- التبعية الثقافية للغرب

أخلاق الحرب
أرسي أبو بكر الصديق أخلاقاً للحرب حين قال لجنوده: " لا تقتلوا طفلاً أو امرأة لا تحرقوا زرعاً " . أين هذا مما تفعله القوات الأمريكية الآن بالعراق، أو ما تفعله إسرائيل بفلسطين؟
دعني أروي وصايا أبو بكر الصديق للجيش. قال لجنوده:
" لا تقتلوا شيخاً. لا تقتلوا طفلاً. لا تقتلوا امرأة. ستجدون رهبانا تفرغوا للعبادة في الصوامع، فلا تقربوهم. لا تحرقوا زرعاً. لا تقطعوا نخلاً. لا تهدموا بيتاً. لا تهدموا معبداً. لا تغيروا عليهم ليلاً، كي لا تروعوا النساء والأطفال ".
هذا هو الفرق بيننا كأمة متحضرة منذ 1400 سنة، وبين أمريكا وإسرائيل.

الأسرى في الإسلام
الرئيس الأمريكي بوش يطالب العراقيين بمعاملة الأسرى الأمريكيين معاملة إنسانية. بينما يرسل الأسرى من المسلمين مقيدين من أيديهم وأرجلهم في أقفاص حديدية إلى قاعدة جوانتانامو الأمريكية بكوبا.
كيف يعامل الأسرى في الإسلام؟
الإسلام أول من تكلم عن حقوق الأسير في الأرض. ولم يكن حكام المسلمين يفعلون ذلك بمعاهدة مكتوبة. إنما القرآن أوضح ما ينبغي أن نفعل للأسير من خلال آية كريمة: ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) وهذه الآية تقع في سورة " الإنسان "، وسورة " الإنسان " تتكلم عن الجنة من بدايتها حتى نهايتها.
والمعنى هنا أن الله يقول للأمة: ( إذا أردتم دخول الجنة ارحموا الأسير ). هذا الأسير الذي ربما قتل أحباء لنا. ولنا عنده ثأر. لكن الله سبحانه ينبهنا إلى أنه إذا أردنا دخول الجنة، أن نرحم هذا الأسير.

وأنا أقول للذين يتحدثون عن حقوق الأسرى:
انظروا إلى ما فعل الإسلام بهم، ورحمته معهم. وكم من أسير أسلم في عهد الرسول والصحابة، بسبب حسن معاملة المسلمين له.

العودة إلى القانون
ألا ترى تشابهاً بين ما يجري اليوم على الساحة العربية، وما جرى أيام سقوط الأندلس؟
آه.. آه.. آه.
الله سبحانه يقول: ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ).
ويقول سبحانه: ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ).
والآية الثالثة تقول: ( ولا تكونوا من المشركين ممن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ).
أما الآية الرابعة: ( كل حزب بما لديهم فرحون ).

الموضوع باختصار أن الله سبحانه حين خلق الكون، خلق معه قوانينه التي تحكمه. طالما وجدت هذه القوانين على الأرض، فالأرض باقية. قوانين في كل شئ: في الطبيعة، في السلوك البشري، وغير ذلك. في الجاذبية مثلاً: لو شخص صعد فوق جبل وحاول أن يطير، سوف يسقط من أعلى الجبال إلى السفح متهشماً.
الله خلق لك قانون الجاذبية لتسخره وتستفيد منه. كأن تطلق الصاروخ وتتخلص من الجاذبية.
كذلك في الطب: تقف أمام المريض وتبكي عاجزاً، وتدعوا له. لكن الطبيب يأتي ليعطيه الدواء الذي يخلصه من الآمة. الطبيب هنا طبق القوانين. أيضاً هناك قانون السلوك الاجتماعي. من ينفذ القانون يقود. ما هو القانون؟ ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ).
نحن لن نتغير ولن نقود ولن نسود، إلا إذا طبقنا القانون. وهذا القانون ليس شعاراً، لكنه قانون إلهي طالبنا الله بتنفيذه.

هذا القانون نفذه النبي صلى الله عليه وسلم. ونفذه آباؤنا، وكانت الحياة أشد إظلاماً مما نحن فيه الآن. فتغير كل شئ في 25 سنة. وحين ابتعدنا عن القانون، ضاع كل شئ. أما الغرب فقد ساد، لأنه طبق جزءاً من القانون، فقاد إلى حين.

حب الوطن.. واجب ديني
على المرء أن يبدأ بنفسه. عليه أن يغير ما بنفسه، ولا ينتظر تغيير الحكام لأحوالنا. علينا أن نتغير حباً لأوطاننا.

النبي صلى الله عليه وسلم عبر عن حبه لوطنه وهو خارج من مكة، حين وقف ونظر إليها وقال: " والله إنك لأحب الأرض إلى قلبي، ولولا أن أهلك أخرجوني، ما خرجت أبداً ". حب الوطن جزء من ديننا. لو أمة من الأمم أرادت فرض قانون يوحدها ما وجدت أفضل من الإسلام.
( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ) و ( مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد يشد بعضه بعضاً ).
اتركوا الأنا، وقولوا أنا ملك الأمة. أن غايتي الأمة. انظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم كيف نفذ وحدة هذه الأمة. كان يدعوا طوال الليل: " يا رب أمتي أمتي. ويبكي ". ويقول له جبريل: " لك ربك، إنا لا نسوؤك في أمتك يا محمد ".
النبي يقول: " لكل نبي دعوة مستجابة، تعجل بها الأنبياء في الدنيا إلا أنا، ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ".
يوم غزوة الخندق كان المسلمون جوعي والنبي جائع معهم. مضى يومان وهم يربطون على بطونهم الحجر. ويذهب جابر بن عبد الله، فيجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ربط حجرين على بطنه، فيسأل امرأته عما عندهم من طعام، فتقول له: دجاجة وحفنة شعير. فيقول النبي: " يا رسول الله عندنا في البيت دجاجة وحفنة شعير، تعال لتأكل معنا يا رسول الله. فيرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم: وحدي يا جابر؟. فيقول: ومعك رجل أو رجلين. فيأبى النبي أن يأكل وجيشه جائع.

يمكنكم الاتصال بعمرو خالد على موقعه بالإنترنت:
www.amrkhaled.net