طفولة



تعلق بساعدي وما أوهنه من متعلَق .. وتعلقت عيناه هما الأخرتان بناظريّ وما أضعفهما .. راح يدفعني بأكياس المناديل في صدري المضطرب كورقة في مهب الريح .. ويردد على مسمعي أزكى عبارات التوسل والطلب .. ولا ضير إن أردفها بدعاء من الله ألّا يخلينا من رعايته وأن يرزقنا خلفا صالحا وعملا طيبا ورزقا واسعا .. وكان لسان حاله يحكي عنه ببلاغة زكت عن لسان مقاله المضطرب إذ لا يكاد يبين .. فهذه خرقة خلقة تلف بدنه النحيف الأسمر .. وهذه خصلات شعره منتثرة وقد غبّرها الدهر بثرى الدنيا فأحال سوادها الفاحم النضير ..

ولم يكن مني وأنا الضعيف سوي أن أصرف عينيّ عن لحاظ عينيه .. وأن أرضيه بعبارة أضعف من أن تسليه راجيا المولى له أن يسهل له العسير ويبسط له من الأمر اليسير .. ولم تزل أنامله تلهبني أسى لحاله ورثاء لمصابه .. وقد ساور لهيبي جزعي منها وقد لطخت سترتي الدهماء تربا ..

سحب الصغير يديه الناحلتين في تخاذل وعتاب .. إذ قد رددتهما صفرا خائبتين .. وهما من هما لو لم تصبهما الفاقة! .. حسبهما أن أهينتا للئام تستجديانهم وقد قلوهما .. وما دفعه مهينا يديه إذ أهانهما سوى الجوع يقض مضجعه ويقرص بطنه .. ولولا ذاك ما استحال كبرياء الطفل إلى هذا الانكسار وذاك الذل .. انسحب عني في انكسار .. بل ربما أنا من انكسرت حقا رثاء .. فما كانت طفولته الحمقاء لتعي أي مقام أقامت نفسها .. "ولكن ألا ترى إلى أهدابه تشد عضدها ببعضها .. وقد انخفض طرفه ينظر إلى الأرض وما يسويه بمن دونه من الخلق سواها يطؤونها جميعا غنيهم وفقيرهم .. لا يتباينون اللهم إلا في خطوهم ثقلا وخفة .. فهذا رجل ثقل كالسنديان عودا ظلا .. وهذا آخر خف حتى كاد يرقى عن الأرض إلى السماء .." ..

ولا تمضي اللحظة إلا وأجدني وقد اتخذت مقعدي من الحافلة مع غيري من الناس ..

 

عبد الرؤوف عبد المجيد النجولي

19 سنة

كلية طب جامعة المنصورة