محاكمة سندريلا وعلاء الدين (1)



بسم الله الرحمن الرحيم

محاكمة سندريلا وعلاء الدين

هبة طفلة صغيرة تجلس مع أختها منة في غرفتهما تتبادلان أطراف الحديث وهما جالستان على أريكة أمام التليفزيون والذي لا تتابعان أياً من أحداثه , بالغرفة دولاب وسريران ومكتبة جميلة , تقول هبة لأختها

هبة : أنا بدأت أملّ من الإجازة , كل شئ يصيبني بالملل .

فترد منة: كنت ترددين كلاماً قريباً من هذا أيام الدراسة , ألا تذكرين ( تحاول منة أن تقلدها ) :

منة : لقد مللت يامنة , كل يوم ذهاب للمدرسة وإياب ومذاكرة وحفظ ,مللت .

هبة : لا أنكر أنني كنت سعيدة بالإجازة في بدايتها , ولكن

منة : دائماً تجدين لكن , عموماً الوقت تأخر وينبغي أن أنام الآن .

هبة : هل تتركينني وتنامين ؟

منة : أريد أن أصلي الفجر مع أمي , تصبحين على خير .

( تسحب منة الغطاء من على السرير وتنام بينما هبة تحدث نفسها متذمرة )

هبة : كلهم ناموا وتركوني , ماذا عساي أن أفعل .

( تقوم هبة تقلب في كتب المكتبة وتسحب كتاباً , تبتسم لمرآه , مكتوب على الكتاب [ كتاب الحواديت ] وهو يجمع مجموعة كبيرة من الحواديت , جلست هبة على المكتب تقرأ في الكتاب حتى غلبها النوم فقامت تتمدد على السرير ونامت وتركت كتابها مفتوحاً , وبعد قليل سمعنا جلبة وأصواتاً تخرج من الكتاب , ثم فتاة جميلة تخرج من كتاب الحواديت يتبعها شاب وسيم يحاول أن يسترضيها ودار بينهما هذا الحوار .

الفتاة : لم أعد أحتمل يا علاء الدين ينبغي أن أجد حلاً .

علاء الدين : لا أجد داعياً لكل هذا الغضب , مالك وكلام الناس يابدور .

الفتاة : كيف تقول هذا والمرء يعيش بسمعته في هذه الدنيا , وأنت تسمع كل ما يقال عنك ولا تحاول الدفاع عن نفسك .

علاء الدين : أنا واثق من نفسي فلم أقلق من كل ما يقال .

الفتاة : إن لم تبال بسمعتك , اهتم بسمعتي , أنا الأميرة بدر البدور يقولون أني تزوجت ساحراً مشعوذاً أتى بيت الأميرة من المصباح وغداً إن خاصمها يأمر الجني فيسجنها .

علاء الدين : أنت تعلمين جيداً أنه لا شيء من هذا حدث , لا يوجد مصباح ولا جني .

بدور : ينبغي أن يعرف الناس جميعاً ما أعرف , لقد فكرت طويلاً ووجدت حلاً واحداً .

علاء الدين : ماهو .

بدور : سأشكوك للقاضي وعليك أن تبرئ نفسك مما نسب إليك .

علاء الدين : اعقلي يا بدور , لاداعي لهذه الفضائح .

بدور : أنا لست مجنونة .

علاء الدين : وإن لم أستطع تبرئة نفسي .

بدور : لا تكون جديراً بي .

(تنطلق بدور مسرعة بينما يتبعها علاء الدين يناديها فلا تستجيب , تقفز بدور من على الكتاب ثم تدخل إحدى صفحات الكتاب من الجهة اليسرى بينما يتبعها علاء الدين , لحظة صمت تخيم على المكان ثم تظهر فتاتان من الكتاب من الجهة اليمنى , إحداهما بدينة جداً والأخرى نحيفة جداً .

البدينة : هل سمعت ما سمعته يا أختي .

النحيفة : نعم يا أختي سمعت , إن هذا الذي حدث يوحي لي بفكرة .

البدينة : ما هي ؟

النحيفة : لماذا لا نتقدم بشكوى للقاضي ؟

البدينة : من يتقدم ؟

النحيفة : أنا وأنت .

البدينة : ضد من ؟

النحيفة : أختنا سندريلا .

البدينة : لماذا ؟

النحيفة : نقول أنها ساحرة , مشعوذة , كسولة , تحب التواكل , اعتمدت على جنية الحواديت في حل كل مشاكلها .

البدينة : اخفضي صوتك حتى لا تسمعك .

النحيفة : هي غارقة في السعادة مع زوجها الأمير , ولن نتركها هكذا للأبد , ماذا قلت , هل توافقين ؟

البدينة : أوافق .

النحيفة : هيا بنا .

( تنطلق الأختان للمحكمة تجريان على صفحة الكتاب المفتوحة ثم تقفزان من الكتاب وتدخلان إحدى صفحات الكتاب من الجهة اليسرى , وبعد قليل تنقلب الصفحة ونسمع صوت الحاجب يقول .

الحاجب : محكمة .

نرى صورة المحكمة , تقترب الصورة وتركز على باب المحكمة , ندخل من الباب لقاعة المحكمة , نجد سندريلا وعلاء الدين في قفص الاتهام والقاضي يقرأ الأوراق أمامه بينما القاعة ملئت بالحضور وكلهم من أبطال الحواديت المشهورة , الأميرة والأقزام السبعة , وأميرة الثلوج وأميرها , الطفل الفرنسي ريمي , ميكي , ميمي , أبطال والت ديزني وطبعاً بدور و أختا سندريلا , يعلو صوت الهمهمات فيطرق القاضي على المنضدة فيسكت الجميع , ويتكلم القاضي

القاضي : القضية الأولى , المتهمة سندريلا .

( تمسك سندريلا بقضبان القفص وتنتبه لما يقوله القاضي )

القاضي : سندريلا متهمة بالسلبية , والكسل , وإهمالها الشديد لمشاكلها , لم تحاول أي محاولة لحل مشكلاتها , بل انتظرت من يحل مشاكلها , وتصادف أن نزلت عليها جنية الحواديت ومكنتها من الزواج بالأمير بينما هي لا تستحق ذلك , ألا تعرفين أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم , ما قولك يا سندريلا .

سندريلا : يا سيادة القاضي , أنا بريئة من كل ما نسب إلي , لم تكن هناك جنية للحواديت , بل أنا التي كافحت وصبرت وعملت دون ملل أو كلل حتى وصلت لما وصلت إليه .

القاضي : ولكن القصة المكتوبة , والمدعين , وكل من قرؤوا القصة .

سندريلا : إنها شائعات لا ذنب لي فيها , ولدي شهود على أقوالي .

القاضي : نسمع أقوالك أولاً , ثم نسمع الشهود .

(تبدأ سندريلا في سرد قصتها الحقيقية)

سندريلا : كنت طفلة سعيدة أعيش بين أبوي , حتى ماتت أمي وأنا في الثالثة , وبعد فترة قليلة تزوج أبي من زوجته التي حكت عنها الحواديت , وقد كانت تعاملني معاملة حسنة في حياة أبي وأنجبت منه أختاي , ومات هو أيضاً وتركنا , فاحتضنت أختيّ , كنت أحبهما وأعاملهما بلطف , فإنهما أختاي وهما يتيمتان مثلي , ولكن زوجة أبي سامحها الله ظلت تمارس ضغوطها علي وتلقي علي بمسؤلية البيت وحدي , وعلمت أختيّ الحقد والكراهية , صبرت على مشاكلي ولم أشك , وتحملت مسؤلية البيت كله وحدي , وعلى أي حال البيت بيتي , وزوجة أبي مثل أمي مهما فعلت , ولما كبرنا حرمتني من استكمال تعليمي , وكنت متفوقة , وآثرت تعليم ابنتيها فقط , ولما فشلتا في الدراسة أتت لهما بمعلمة للخياطة , فحاولت أن أتعلم مثلهما فرفضت , والعجيب أنهما كانتا تتهربان من دروس الخياطة , وتلقيان بالإبر والخيوط والقماش في سلة القمامة , حتى لا تؤديا واجباتهما , حتى ملتهما المعلمة وتركتهما , وبدأت أتساءل , إلى متى أظل هكذا بدون تعليم , وفي يوم من الأيام ذهبت مبكرة لأجمع الحطب , وفي طريق العودة مررت على بيت الطبيب العجوز وزوجته , وهممت أن ألقي تحية الصباح على زوجته كما أفعل كل صباح فلم أجدها تفتح شباك مطبخها ككل يوم , وكل يوم كنت أراها تعمل بجد ونشاط لكني لم أشك في الأمر قلت لنفسي لعلها نائمة , وفي اليوم التالي لم أجدها أيضاً , فتركت الحطب جانباً وطرقت الباب , ففتح لي الطبيب وقال أن زوجته مريضة , واستأذنت في عيادتها فأذن لي , وقد سرت زوجته لما عدتها فلاحظت أن المدفأة بدأت تخفت نارها فأسرعت وأتيت لها بالحطب وبينما أنا أضعه في المدفأة سقطت من على المدفأة ورقة مكتوب عليها الغذاء الصحي للإنسان , فأكملت عملي ثم استأذنتها أن أقرأ الورقة فأذنت لي وبدأت أسأل الطبيب فيما تعذر علي فهمه فشرح لي وهو سعيد وأعطاني كتاباً لأقرأه , فأخفيته في طيات ملابسي وذهبت به وأنا سعيدة , وأنهيت عملي بسرعة وجلست في البدروم وحدي أقرأ الكتاب بنهم , وأكتب في ورقة ما تعذر علي فهمه وفي اليوم التالي ذهبت لجمع الحطب مبكرة ثم مررت بزوجة الطبيب , ووضعت لها الحطب وأرجعت الكتاب للطبيب ومعه الورقة التي كتبت فيها ملحوظاتي , واندهش الطبيب لما علم أنني أنهيت الكتاب بسرعة , وأعجبته ملحوظاتي , واهتم بأسئلتي وأجابني عليها وبدأ يشجعني على تعلم المزيد وكان يعطيني الكتاب تلو الكتاب , وكل هذا شجعني على المزيد , فذهبت لمعلمة الخياطة وكانت جارتنا وعرضت عليها أن أمدها بالحطب كل يوم على أن تعلمني الخياطة , و كنت قد جمعت ما ألقته أختاي في القمامة من قماش وخيوط وإبر , فاستعنت بهذه الأشياء وتعلمت الخياطة, وكان هذا الأمر سراً لا يعلمه أحد .

(ننتقل بين الحضور فنجد أختا سندريلا وقد فغرتا فاهيهما تعجباً )

تحدث همهمة في القاعة فيعود القاضي ليطرق على المنضدة فيسكت الجميع

سندريلا : نعم يا سيادة القاضي , لقد تعلمت من الطبيب ومن معلمة الحياكة , وقد أمدني الطبيب بكتب في الفلك والعلوم المختلفة وقد كانت زوجته تراجع معي ما درسته بعد أن تعافت , وقد أتقنت فن الحياكة والتطريز وكنت أعمل دائماً في البدروم , إما صباحاً مبكراً أو ليلاً على ضوء المصباح , وفكرت أن أعد ثوباً جديداً للعيد , فقمت بتطريز بعض الأشياء لمعلمتي بالأجر واستطعت أن أشتري قماشاً فاخراً لصنع الثوب وقد ساعدتني معلمتي في شرائه , وكل هذا وأنا أؤدي كل واجباتي المنزلية , وبدأت في إعداد الثوب , كنت أعمل بين الحين والحين , وذلك أثناء الطهو , أو بعد انتهاء العمل , أو في الصباح المبكر , وكانت أختاي في ذلك الوقت تملأان الدنيا شائعات بين الجيران , وكان الكلام يصل لمسامعي , يقولون سندريلا تكرهنا , سندريلا تترك كل عمل البيت لنا وتلعب وتلهو طول النهار , ولكني لم أعلق , تظاهرت بعدم فهم الأمور واهتممت بعملي , وأثناء ذلك فوجئنا بدعوة الأمير لكل فتيات القرية , فضاعفت مجهودي , كنت أسهر طول الليل أطرز ثوبي , ولما كانت أختاي تجدان عينيّ محمرتين كانتا تهمسان لبعضهما أن سندريلا كانت تبكي , وكان هذا يسعدهما كثيراً , وقررت أن أصنع نعلاً جديداً له كعب عال , ولكن لماذا يكون من الجلد . فكرت أصنعه عند الحذاء من القماش المطرز , فقام الرجل بقص القماش وقمت أنا بتطريزه ثم صنعه لي , ويوم الحفل , لم أطلب من زوجة أبي وأختيّ كما جاء في القصة أن أذهب للأمير, فقد كانو يعلمون أني لا أملك ثوباً مناسباً , ولما تغيبت في أول النهار حيث كنت أهتم بنظافتي الشخصية وأصنع وصفات قرأتها في كتاب الطبيب لتنعيم البشرة , ولما تغيبت عنهم في البدروم لم يسأل عني أحد وظنوا أني مقهورة حزينة فطاب لهم هذا الخاطر وانصرفوا يهيئون أنفسهم لحفلة الأمير وذهبن جميعاً مبكرين , ثم ذهبت لمعلمتي وجارتنا ولم يكن لديها أولاد وكانت تحبني كثيراً فطلبت منها أن تسمح لي بالذهاب بعربتها , فطلبت ذلك من زوجها ووافق على الفور , فذهبت لبيتي وارتديت ملابسي وصففت شعري وذهبت لبيت جارتي فأقرضتني عقداً وقرطاً ثم ركبت العربة وانطلقت إلى الحفلة , وقد أوصتني معلمتي أن أعود قبل الثانية عشرة مساءً , وكنت وعدتها بذلك , فلما قابلني الأمير أعجب بي , وكانت الفتيات الجميلات يملأن المكان وكان يتكلم معهن , ثم بدأ بالحديث معي لما كنت أنظر للسماء فبدأ حديثه معي عن السماء والكواكب ثم انتقل لموضوع آخر ووجدني ملمة بمواضيع شتى , فأعجبه كل ما قلت , وأخذنا الحديث ونحن نتنقل بين المدعوين والمدعوات , وكأنني لا أرى سواه , وكأنه لا يرى سواي , حتى سمعت صوت الساعة يدق الثانية عشرة , فتذكرت وعدي لمعلمتي , فاستأذنت من الأمير على عجل وانصرفت , سألني عن اسمي وأنا أجري قلت له سندريلا , ولم يعرف عني شيئاً آخر غير سندريلا , ثم ركبت العربة وأنا متعجلة فوقعت فردة الحذاء أثناء صعودي , ولما انطلق السائق مسرعاً بالعربة حاولت إيقافه لكني فوجئت بالأمير يأخذ الحذاء , وباقي القصة أنتم تعلمونها , وإن أردت فاسأل المعلمة والطبيب وزوجته والحذاء .

( تحدث همهمة وجلبة في القاعة فيعود القاضي ليطرق على المنضدة فيسكت الجميع )

القاضي : سنسأل الشهود , فليتفضل الشهود ,

( تقف المعلمة بين الحاضرين )

المعلمة : نعم يا سيادة القاضي .

القاضي : هل ما قالته سندريلا صدق أم كذب .

المعلمة : أشهد أن كل ما قالته الصدق .

( يقف الأمير )

الأمير : اسمح لي بالكلام يا سيادة القاضي .

القاضي : تفضل .

الأمير : لقد قالت سندريلا الحق , فما أعجبت بها لجمالها أو لجمال ثوبها , فإن الجمال وحده لن يربي أولادي , ومن غير المعقول أن أعتمد على الجمال وحده في هذه المسألة الخطيرة , فالجميلات كثيرات , ولكن من منهن القادرة على تحمل المسؤولية معي , وإن كان أبي يعدني للإمارة , فمن يتحمل المسؤولية معي , مجرد تمثال جميل , لا يا سيدي القاضي , إن هذه الشائعات تضربسمعتي أنا أيضاً , فأنا لست بهذه التفاهة .

( يقوم الطبيب )

الطبيب : اسمح لي يا سيادة القاضي , أنا أشهد بأن سندريلا صادقة في كل ما قالت , لقد أقرضتها الكتب وتابعت تعلمها وأجبتها عن كل استفساراتها , وزوجتي تشهد بذلك .

الزوجة : نعم يا سيادة القاضي أنا أشهد بذلك .

القاضي : يكفينا شهود , قررنا أن سندريلا بريئة مما نسب إليها ,وعلى الأختين دفع النفقات القضائية مع تغريمهما غرامة الادعاء الكاذب .

( هلل الحاضرون فرحاً بسندريلا )

القاضي يدق على المنضدة فيعود الهدوء للمكان , ثم يقول .

القاضي : والآن محاكمة علاء الدين....

 

يتبع

إيمان راضي أبو العنين