مغامراتي مع الإيميل (5)



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

 

نستكمل بمشيئة الله عز وجل الجزء الثاني من الموضوع ..

 

الله أكبر .. ظهر الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً .. ولكن ! ما هو الحق الذي نفرح عند ظهوره ؟! وهل القضية التي فرحنا لها هي فعلاً الحق ؟!

 

هذا هو السؤال الذي يجب أن نوجهه لأنفسنا قبل أن نهلل ونكبر وننساق وراء أي رسالة أو موضوع في منتدى يتحدث عن الإعجاز العلمي والعلامات المعجزة في الكون .. فهذا الموضوع للأسف أصبح متسعاً لكثير من التلاعب والخداع والتزييف الذي نصدقه نحن بحسن نية ..

 

وموضوع الإعجاز انتشر انتشاراً مريباً هذه الأيام .. وتجد كل من هب ودب يتحدث عنه .. الصغير والكبير .. العالم والجاهل .. الخبير والغفير .. الكل يتحدث في الإعجاز في القرآن وفي السنة وفي العلامات المعجزة في الكون .. ولو قمنا بإحصاء هذه الآيات والدلائل لوجدنا أنفسنا أمام أعداد ضخمة جداً تجعلنا نتساءل : لماذا يظهر في عصرنا هذا كل هذه العلامات التي لم تظهر نسبة معتبرة منها في جميع القرون السابقة بدءاً من عصر النبوة حتى آخر عشرة أعوام .. بل إن السؤال بـ " لماذا " لن يكون مناسباً .. والأجدر بنا أن نسأل بـ " كيف " !

 

كيف تظهر العلامات والمعجزات بهذه الأعداد في هذا العصر ؟!

 

ألا يستحق الأمر الوقوف والنظر والتحقق والتثبت ؟!

 

قضية الإعجاز العلمي تعتمد بالأساس على البحث عن دلالة علمية للآية أو الحديث وتطبيق هذه الدلالة على النظريات العلمية الحديثة فنجد أن النص الذي كان من 1400 سنة يطابق أشياء حديثة جداً اكتشفها العلم مؤخراً .. وبهذا نمتلك دليلاً معجزاً على صدق كلام النبي الأمي الذي أخبرنا بهذا منذ قرون طويلة ..

 

كلام جميل .. ولكن غفل بعض الدعاة إليه عن حقيقة هامة جداً لا مجال لإنكارها ألا وهي حقيقة " تطور العلم والنظريات العلمية مع الزمان " وفي المقابل النصوص ثابتة لا تتغير ولا تتبدل .. فكيف بنى العالم الطبيعي أو الكيميائي أو الفلكي قضية الإعجاز العلمي على هذا الأساس .. فلننظر في الأمر ..

 

على مدار التاريخ كانت هناك نظريات ونظريات تتحدث عن شكل الأرض فمن قال أن الأرض مسطحة ومن قال أنها مكعبة وغير ذلك .. وظلت تتطور هذه النظريات كثيراً حتى توصل العلم في النهاية كون الأرض كروية .. وكانت هناك نظريات تتحدث عن دوران الشمس حول الأرض مثلاً ثم بعد ذلك ثبت العكس .. ونظريات أخرى كثيرة جداً بين العلم نفسه بعد تطورها .. وربما من آخر الأشياء التي كانت تعتبر حقائق ثابتة وانتقدت نظرية أن الضوء لا يمكن أن يسير في خطوط مستقيمة بل يتشتت .. وجاء اختراع الليزر لينفي هذا .. فالعلم بطبيعته يتطور تطور مستمر ويتغير ويتزايد .. بينما العقائد ثابتة منذ خلق الله آدم لا مجال لتغيير فيها ولا تبديل ... فهل يصح أن نربط النص القاطع بنظرية علمية ربما تتغير في المستقبل ؟!

 

ليس كلامي رفضاً لقضية الإعجاز العلمي في القرآن .. فبالتأكيد هناك أشياء ثابتة قاطعة أثبتها العلم لا يمكن أن تتغير كذلك .. فالتطور لابد أن يصل في يوم من الأيام إلى الحقيقة ويثبتها .. وعندما تتحول النظرية إلى حقيقة ثابتة مثل كروية الأرض التي رصدتها الأقمار الصناعية وسفن الفضاء وصورتها لنا يمكننا وقتها أن نربط بين النص القرآني المقطوع بصحته وبين هذه الحقيقة المقطوع بصحتها أيضاً .. ولكن عندما يبني أحدهم قضية الإعجاز العلمي على نظرية غير ثابتة فإنه يفتح مجالاً خطيراً للقول بكذب القرآن إذا تغيرت هذه النظرية فيما بعد ... فلابد من الحذر الشديد عند الخوض في هذه المسائل ..

 

هناك علماء ثقات نثق في علمهم وتقواهم يتحدثون في الإعجاز العلمي ويبنون قواعدهم وأسسهم على حقائق ثابتة ويبينون الحق في ذلك .. أمثال الدكتور زغلول النجار – جزاه الله عنا خيراً - ومن هو في مستواه .. ولكن انتقادي ينحصر في بعض مسائل الإعجاز العلمي التي تصلنا عبر البريد أو نقرؤها في المنتديات بدون أن نعلم مصدرها أو العالم الذي أثبتها .. فهذه الأشياء هي مصدر الخطورة وهي التي نحذر منها من بداية الموضوع ..

 

قضية الإعجاز العلمي كذلك حتى لو كانت مبنية على حقائق علمية ثابتة فإنها لا تخلو أحياناً من تكلف شديد ولي أعناق النصوص لكي يصل الكاتب إلى تطبيق الآية على هذه الحقيقة فيحمل النص القرآني على غير محمله ويفسر الآيات بتفسير لا ينطبق عليها .. ولي أعناق النصوص هذا وصل إلى مراحل خطيرة جداً حتى جعل بعض الناس تقول أن أحداث 11 سبتمبر التي راح ضحيتها مئات المدنيين والأبرياء مذكورة في القرآن في سورة التوبة .. ثم يهلل ويصفق ويكبر فرحاً بالإعجاز العلمي الذي توصل إليه !!!!

 

ومن يتحدث عن الإعجاز العلمي لا يقف عند الإعجاز في القرآن .. بل ويتحدث أيضاً عن الإعجاز في السنة النبوية الشريفة .. وهو أمر حسن .. كأن يتحدث أحدهم عن حديث " نعم الإدام الخل " ويبين فوائد الخل الطبية والصحية والغذائية .. لكن الخطورة في التعامل مع نصوص الأحاديث أنه ليست كل الأحاديث التي اشتهرت عند الناس صحيحة .. بل إن فيها الضعيف .. بل والموضوع كذلك .. فمن يريد أن يتحدث عن أي نوع من الإعجاز في السنة عليه أولا أن يتأكد من صحة الحديث الذي يبني عليه افتراضاته .. وعلى مدار التاريخ وضع الوضاعون والكذابون آلاف الأحاديث التي قد يخدع الناس بها وهي ليس لها حتى إسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فإذا سمعت عن الإعجاز في السنة فتأكد أولاً من صحة الحديث وأن رسول الله قاله فعلاً ..

 

والإعجاز العلمي عندما انتشر وذاع صيته وقرأه غير المسلمين وأسلم منهم الكثيرين بسببه أغاظ ذلك أعداء الإسلام المتربصين به في كل وقت وحين وبين ضعف وبطلان افتراءاتهم على الإسلام وعلى نبي الرحمة عليه أفضل الصلاة والسلام الذي أثبت العلم الحديث صدقه كذلك .. مما جعل أعداء الإسلام يفكرون ويدبرون ويخططون للتكذيب والتهوين من شأن الإعجاز العلمي .. فما لبثوا إلا أن قالوا مثل ما قال أسلافهم  : " لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ " .. واللغو الذي توصلوا إليه هذه المرة أن يأتوا بأباطيل وأكاذيب تشبه الإعجاز العلمي ليقوموا بنشرها بين المسلمين .. فيصدقها المسلمون ويهللون ويكبرون لها .. فيأتي هؤلاء الملاعين ليقولوا لذويهم : انظروا .. هؤلاء هم المسلمون .. مجموعة من الحمقى والمغفلين .. بنوا دينهم على اختراعات وأوهام وخرافات ليست حقيقية ..

 

وعلى هذا الأساس أصبح البعض يعمل في الخفاء ليقوم بتلفيق مقالات الإعجاز العلمي ونشرها بين المسلمين .. ولم يكتفوا بهذا .. فأيدوا أكاذيبهم وأباطيلهم بالصور الملفقة .. ونشروا هذه المواضيع عبر الرسائل والمنتديات .. وصدقها المسلمون .. وأعانوا هؤلاء الملاعين في حيلتهم الخبيثة بأن أعادوا نشر وتوزيع هذه الرسائل ومطالبة كل من تصله الرسالة بإعادة توجيهها .. فأصبحت أمة الإسناد والتحقق من الأخبار تنشر بدون أن تدري كذب الكذابين وتأليف الملحدين وأهواء المجانين ..

 

ومن جرأة هؤلاء ووقاحتهم أن وصل بهم الأمر ليعلنوا عن نواياهم بكل صراحة ووضوح في منتدياتهم وفي ساحتها العامة .. وانظروا معي في هذا الموضوع الذي قرأته في " منتدى الليبراليين الكويتيين " ولكي  لا يظن أحد أنني أتجول في منتديات العلمانيين وأخالفكم إلى ما أنهاكم عنه .. فهذا الموضوع كان نوه عنه الأخ " أنا ناقص يا أخويا "  في منتدى الأستاذ عمرو خالد ووضع رابط الموضوع ليستدل على كلامه فدخلنا وقرأنا جميعاً .. وأذكر ممن قرأ هذا الموضوع أيضا أختنا " أم عبد الهادي " .. وأخونا " صالح " .. وأخونا " المسلم " .. يمكنكم أن تسألوهم إن لم تثقوا في كلامي .. وهذه هي تفاصيل القصة ..

 

البداية كانت موضوعاً صغيراً فتحه أحد أعضاء المنتدى تحت اسم " اختبار لذكاء المتأسلمين " .. نعم كان هذا هو الاسم .. ويبدو أن الله عز وجل قد أعمى بصيرتهم حتى أصبحوا يسخروا من " المتأسلمين " بدلاً من " المسلمين " كما سخر سلفهم وسب " مذمماً " في حين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو " محمد " وليس " مذمم " ..

 

طلب كاتب الموضوع من أعضاء المنتدى أن يصنعوا شيئاً يختبرون به ذكاء المسلمين أقصد المتأسلمين .. فخرجوا ببعض اقتراحات استقروا في النهاية على أن يكون الموضوع عبارة عن مقال بصيغة الإعجاز العلمي في القرآن على غرار المقالات الموجودة .. وبدؤوا يختارون المقال ويكتبونه .. فاختاروا في البداية آية " تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا " لتكون هي الآية المعجزة التي يتحدثون عنها .. ثم بعد ذلك بدؤوا يبحثوا عن تطبيق مناسب لهذه الآية من اختلاقهم .. كل هذا على مرأى ومسمع كل من يدخل المنتدى فما بالكم بما يحاك في الخفاء .. دعونا نكمل ..

 

اختاروا بعد ذلك أن يكون النبات هو بطل قصتهم المزعومة .. ولكن كيف يسبح النبات ؟! سهلة دي .. نقول إن النبات بيصدر موجات فوق صوتية .. يقوم واحد ناصح منهم يقول : لأ .. محدش في الدنيا هيصدق إن النبات بيطلع موجات فوق صوتية .. يقوم الباقيين يقولوا له : اسكت أنت .. المسلمين بيصدقوا كل حاجة !!!

 

طيب .. هنثبت إزاي إن الموجات فوق الصوتية دي فيها تسبيح ؟! ... نقول إنها كتبت على الشاشة كلمة غريبة محدش عرفها لغاية ما جه عالم مسلم قال إنها كلمة " الله " .. أيوه فكرة برضه ..

 

طب نخلي الموضوع صيغته علمية إزاي ؟! اكتب يا عم .. احتار العلماء في أمريكا في الموجات لفوق الصوتية هذه فجاء العالم الهندي فلان الفلاني اخترع أي اسم مش هتفرق وقال أن هذه كلمة الله .. وجاء العالم الفلان الفلاني الأمريكي وأسلم بعد هذه الواقعة اخترع أي اسم برضه .. وقد نشرت هذه الواقعة مجلة مش عارف الأمريكية اخترع أي اسم يا عم دول مسلميييييييييييين .. عارف يعني إيه مسلمييييييييييين .. هيصدقوا على طول .. طيب طيب خلاص ..

 

يقوم واحد منهم يقول : تحبوا ندعم الموضوع بالصور ؟! .. آه طبعاً .. يبقى أحسن .. طيب نجيب صورة جهاز قياس الموجات فوق الصوتية منين ؟! .. يا عم سيبك هات صورة أي جهاز وخلاص .. جهاز رسم قلب مثلاً .. وهات يا عم الصورة نعملها ببرنامج الرسام .. الرسام ؟! مش حتى الفوتوشوب علشان تبقى متقنة ؟! .. لأ طبعا .. دول مسلمييييييييييييين .. هات يا عم اكتب كلمة " الله " على الشاشة ..

 

بس .. الموضوع جاهز وتمام التمام .. عايزين ننشره في كل المنتديات بقه ... لا يا حبيبي .. خلينا نخلي الاختبار أسهل من كده .. نكتبه في منتدى واحد فقط لا غير .. وهما اللي هينشروه بعد كده لوحدهم في كل المنتديات ..

 

طيب يا عم .. انشر الموضوع ....

 

وقام هؤلاء العلمانيون بوضع المقالة المخترعة مع الصورة في منتدى واحد فقط لا غير .. والنتيجة ؟!

 

بعد عدة أسابيع ....

 

إيه الأخبار يا عم ؟! الموضوع انتشر ولا لسه ؟!

آه طبعا انتشر انتشار النار في الهشيم .. ده حتى في منتدى من المنتديات كان فيه واحد ناشر الموضوع دخلت بعضوية جديدة باسم متخف أشكك في الموضوع يمكن العقلية النقدية لهؤلاء الأغبياء تشتغل شوية .. لكن لقيت إن ناقل الموضوع بدأ يدافع عنه ويتهمني أنني أشكك في قدرة الله .. تخيلوا !

 

والموضوع انتشر للدرجة دي ؟! ايوه يا عم .. لو مش مصدق ادخل على جوجل واكتب عنوان الموضوع في خانة البحث وشوف .....

 

ايوه أيوه .. أنا دخلت بحثت ولقيته منتشر في مئات المنتديات ... لكن ! هو الموضوع انتشر بكل التخريف اللي فيه ده والكل مصدقه محدش بيشك فيه أصلاً ؟!!!!!!

 

ايوه .. الكل مصدق ونسبة التصديق أكثر من 99% .. مفيش غير منتدى الدفاع عن العلف هو اللي اكتشفه ولم يكتشفه لذكاء أو عقلية نقدية .. بل لأن أحد أعضائه يدخل منتدانا هنا وقرأ تدبيرنا للموضوع ففهم اللعبة .. الغريبة إن الموضوع واحد نشره في منتدى للمعلمين ولم يشك فيه أحد هناك .. واضح إن المتأسلمين دول في الضياع خالص .. هههههههههههههههههه

 

وتنتهي القصة المؤلمة عند هذا الحد .. وعلى الرغم من ذلك لا تنتهي سلسلة نشر هذا الموضوع في المنتديات .. صحيح قل الإقبال عليه والمواضيع القديمة التي كانت تتحدث عنه في المنتديات أغلبها قد حذف .. إلا أنه مازال هناك من يقرأ هذا الموضوع فيكبر ويهلل ويقوم بنقله من جديد إلى منتدى جديد ويعيد توجيهه في الرسائل للإخوة والأخوات من جديد ..

 

وليس هذا الموضوع فقط في قضية الإعجاز العلمي .. بل هناك عشرات المواضيع التي إما اختلقها أعداء الإسلام أو ظن بعض المسلمين الطيبين أنها قد تؤيد الإسلام فقام بتلفيقها ..

-    الصورة التي تشبه الوردة والآية القرآنية بجوارها " فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ " .. هذه الآية ستكون يوم القيامة ..

-    صورة الغابة التي ترسم عبارة " لا إله إلا الله .. محمد رسول الله " وتقول المقالة أنها في ألمانيا والسلطات الألمانية أغلقتها ومنعت الناس من زيارتها ... هذه الصورة رسمها فنان مصري كلوحة فنية ولم يدع الإعجاز العلمي فيها ..

-    صورة للحرم الشريف يشع ضوءً وكل ما حوله ظلام .. الصورة تم التقاطها بالنهار وتم تغميق الصورة حول الحرم وتركوا الحرم ليبدو أن النور يغشاه ..

-    صور عشرات الأشياء التي كتب عليها اسم الله .. كالطماطم وخلية النحل والبطيخة والشمامة والتفاحة  ... إلخ .. بعضها حقيقي وبعضها ملفق ..

-         صورة الأمواج في تاسونامي تكتب اسم الله ..

 

وغير ذلك الكثير والكثير من الأشياء الملفقة التي لا يصح منها شيء مطلقاً ونصدقها ونقتنع بها ..

فاتقوا الله عباد الله ...

 

 

كان في نيتي أن ينتهي هذا الموضوع بمداخلة الإعجاز العلمي الأخيرة ولكن وجدت في جعبتي حكايات أخرى مع الإيميل والرسائل المختلفة التي تصل عبره .. فللحديث بقية إن شاء الله.. وجزاكم الله خيراً ..

 

أحمد جاد محمد

19 سنة

كلية العلوم قسم زراعة بيئية

مصر