بيني وبين طائر الماء(2)



خلف زجاج النافذة الداكن، جلست أتأمل الحياة والناس، الشمس أقل سطوعاً والحركة دائبة، والسيارات تمر سراعاً كأنها تنتحر من فوق الجسر الممتد في وسط الشارع، النخلات القصيرة تحنو بعضها على بعض فوق التلال الصخرية المدرَّجة على جانبي الجسر،بينما تعطي المساحات الخضراء فرصة للعين أن تشاهد بارتياح مشهد الميدان المخطط بعناية..
مشهد للحقيقة جميلاً في تنظيمه ونظافته، ولكنه مصنوع كله كما هي كل المدينة، الجميلة كأجمل اللوحات المرسومة.
وللرسم مزاياه ورقيه الفني حين يجسد إبداع الإنسان المتحرر من ماديته المجحفة إلى أرقى مدارات سموه وآفاق خياله، ولكنه حين يحاول محاكاة الواقع أراه مسخاً مشوهاً للحقيقة، فلا يستطيع الفنان مهما أُوتيَّ من إحساس أن يهب الحياة للون الأخضر أو يمنحه القدرة على التنفس، بل قد يعجز عن محاكاة اللون الطبيعي فيجمح إلى درجات مختلفة من الخضار الذي لا ينجح غالباً في لبس ثوب الحقيقة.
ولهذا لا أحب أن أرى الدنيا من خلف زجاج النافذة الداكن، برغم أعظم مزاياه؛ أنه عاكس، ولكنه يشوه حقيقة الأشياء وراءه، فتتداخل الألوان وتتقارب إلى حد قد يعجز معه عقلي عن تبين جلاء الشكل والمعنى.. للسبب نفسه حولت نظاراتي ذات العدسات الرمادية والبنية أحياناً والتي تحجب بعض أشعة الشمس عن عينيّ إلى زجاج شفاف بلا لون، لأرى الحياة على حقيقتها، وأرى الدنيا بألوانها الزاهية، دون أي تزييف للقبح والجمال على السواء، فتحت زجاج النافذة مواصلة تأملاتي من خلف السلك الشبكي الذي يحمي الغرفة من الهوام.
يضم جناحيه خلف نافذتي، يمنعه السلك الشبكي من دخول الغرفة، ويحجب عنه رؤيتي وأنا أتأمل صنيعه، يحاول المرة تلو الأخرى إزاحة السلك ليمكنه الدخول إلى الغرفة دون استئذان!!
تراودني نفسي أن أفتح له مرحبةً بقدومه، ولكني أتعاهدها بالمبادئ نفسها، فتعمد إلى التحايل: "لربما كان جائعاً، أو كانت له حاجة.. ربما كان حسن النية ويود أن يلقي السلام".
أنهاها بحزم: "لا يحق له الدخول بلا استئذان وإن كانت نيته طيبة، ولربما كان مراده فقط أن يبعثر محتويات الغرفة ويمضي.. ".
أتأمله يعجز عن فتح الشباك فيرحل، اتبعه ببصري يطير باتجاه الغرب ثم الشمال الشرقي.. ثم أفقد أثره، فهو ككل الطيور لا يمكنك توقع وجهته حين يطير..
أعود لتأملاتي وأتساءل: لماذا يجمح الآخرون إلى التحايل غالباً، لماذا يخفون بعض نواياهم ويبدون بعضها؟ لماذا ينسحبون بسرعة حين تبدو عليك أولى بوادر المواجهة؟ لماذا لا يكونون هم، فيقولون ما يعنون، ويفعلون ما يرغبون، ويواجهون من يستطيعون أو يعلنون انسحابهم دون أية مساحيق تجميل تزيف الواقع أو تخدش شفافية الحقيقة؟؟؟
أؤجل ذهابي إلى الخليج ليوم آخر، لا أريد أن أقابل أبا قريحة، فلو قابلته لصارحته بما يجول في خاطري، ولعاتبته في محاولة اقتحام غرفتي دون استئذان، ربما حينها أفقد صداقته التي أسعدتني، ولكني سأكون أنا بعشقي الدائم للحقيقة.. للوضوح.. للجمال والقبح معاً طالما كان واضحاً معبراً عن كينونته الحقيقية، فبضدها تُعرف الأشياء.. العزيز أبو قريحة.. سلام عليك ولربما..ألقاك مرة أخرى
.

هالة شعبان

34 سنة

بكالوريوس إعلام قسم صحافة

مصر

مدرب تنمية بشرية ومخرج صحفي