n:right;direction:rtl;unicode-bidi:
embed/'>(8)
-يابو
نصر .. ما قلت
لي ..
لك إمتى راح نرحل ؟
-أوف ..
لك شو بك
لجوجة
كتير ؟!
-شو
لجوجة ؟! .. صار لنا هون
أسبوع
.. شو عم ننطر نحنا؟!
لم تكن
الأسرة
قد غادرت العاصمة بعد .. سيّما أن أسرة (سعاد) أخت أديب كانت قد لحقت بها في
بيروت
.. وشاطرتها السكنى في الشقة التي استأجرها أديب .. وبيروت كما قلنا تنام
باكرا
.. ولا يوقظها سوى صوت الانفجارات في الضاحية .. ولذا كانت أكثر أمانا
..
..
وتمر
الأيام .. ويأتي الثلاثون من تموز .. قانا الثانية
..
العمارة
المهدومة .. الدامية المكلومة .. الطاوية على عشرات الأطفال
الأبرياء .. الذين (لا يجدون حيلة ولا يستطيعون سبيلا) .. (وما نقموا منهم إلا أن
يؤمنوا
بالله العزيز الحميد)
..
(قتل
أصحاب الأخدود
.. (
وما كان
صبر
الأم الجديدة ليطول .. وقد تمثّلت الوليد واحدة من هذه الدمى المكسورة
..
تأملت
وجهه الرخو .. وعيونه الضحلة البلهاء .. ولم تع من أمر الدنيا شيئا
يذكر ..
ولم تك الأم لتجد فيها جوابا للسؤال في جوفها
..
(أنرجع
يوما إلى
دارنا
؟! .. أنرحل أم نأمل ؟؟(
وسبق
خوفها رجاءها .. وعادت تراجع زوجها في
الرحيل
.. فماذا بعد ؟!
..
-أديب
.. نحنا هيك
عم ننطر
الموت .. بنقول له "تعا لهون .. نحنا ما راح نهرب !" .. أديب .. دخيلك نرحل
.. مو
مشاني .. مشان الوله
..
-يا ستي
.. (وما
كان
لنفس أن تموت إلا بإذن الله)
..
-منيح
.. بس
الله قال (ولا تقتلوا أنفسكم) .. (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) .. لك إنت شو
رأيك ؟؟
.. أديب .. حرام عليك
..
صمت
أديب ..
ولم يبق له حجة بعد أن رأى بعيونه الدماء تجري أنهارا .. حقا الطريق إلى
دمشق
صعب وخطر .. ولكن بيروت ليست بمأمن من مرمى الأعداء .. ولم يعد للأشواق مكان
.. ولم
يعد لتفادي العوز والذل موطن
..
(9)
إذن كان
على أديب أن يرحل .. ولو لم ترحل أخته
..
الرحلة
إلى
دمشق
تتكلف ألف دولار أميركي أو يزيد .. بعد أن كانت كلفتها لا تتعدى الخمسين
دولاراً
.. بسبب ظروف الحرب .. علاوة على ولوج الطرق الجبلية الوعرة .. إذ أن
الطريق
الدولي قد انقطع جراء القصف الصهيوني لموقع المصنع الحدودي لإعاقة الهجرات
..
وبزعم أن سوريا تهرب السلاح إلى الحزب .. لكن ما باليد حيلة
..
انطلقت
السيارة
من ساحل بيروت الشرقية .. تخلع عن نفسها رداء الأمن شيئا فشيئا لتتمدد تحت
رحمة
رسل الموت .. اخترقت القرى الخاوية .. وقد غادرها المصطافون نحو الشمال
..
شيئا
فشيئا تلج السيارة طريقها الوعر بين الجبال .. ولا يسع الركاب
المتشنجون إلا أن يرمقوا الشاحنات يفرون منها فرارهم من الأسد .. وقد ألقيت عليهم
وعلى
حاديهم تعليمات بتوخى الحذر .. والبعد كل البعد عن الشاحنات لأنها مستهدفة من
قبل
الطائرات الصهيونية .. لكن تبقى هذه مجرد محاولات .. فالشاحنات كثيرة .. وإن
تفاديت
هذه فلن تتفادى تلك
..
حاول
الزوجان أن يبحثا عن هدوء نفسيهما في
معالم
الطريق .. وقد خيبت الأخيرة كل آمالهم .. فعلى جانبي الطريق تمددت حافلات
..
وسيارات .. وشاحنات طالها القصف الأرعن .. ومن بينها شاحنات المساعدات الإنسانية
نفسها
!
ويطول
الطريق عبر الجبال لأكثر من ساعة .. ولأنه الطريق الوحيد
تتكاثر
عليه الشاحنات .. شاحنات الخضر .. والغذاء .. والمساعدات الإنسانية
..
واستأنفت السيارة سيرها .. من ترشيش (المتنية الجبلية) إلى زحلة (البقاعية)
..
أخيرا
اقتربت من الحدود .. الحدود الميتة .. وقد خوت الاستراحات ومكاتب
الصرافة
على جانبي الطريق .. وخلت (شتورا) من اللبانين وبائعي الجبن .. ولم يبق لها
إلا
الهاربون من النار .. نار القصف .. إلى غيطان الشام
..
(10)
السوريون
شعب جد كريم .. وهذا ما شهد به
العدو قبل الصديق ..
فالعائلات السورية احتضنت اللاجئين اللبنانيين .. فرحين بهم
.. ملقبينهم بالـ(ـضيوف) ..
ويقدر عددهم بحوالي ربع مليون نسمة .. خلفوا ديارهم
المهدمة .. متفاوتة منازلهم
ما بين نازل على أفخم الفنادق .. وبين لاجئ إلى شقة في
حي دمشقي فقير
..
وكان نصيب
أسرة أديب أن تسكن الأخير
.. وشاطرتهم شقتهم أسرة
أخرى نازحة من النبطية
..
...............
تطول
على قصرها الأيام .. وتتمدد
بالهموم الأوهام ! ..
خواطر عدّة نبتت برأس
الأبوين الجديدين .. وقد
تجمّعت الدنيا عندهما في هذه المضغة الوليدة .. إن ذهبت هي
فقد ذهبت الدنيا كلها ..
وإن دامت -ولا تدوم- فالدنيا حولها هموم ومخاوف .. من
المرض .. من الضياع
..
صحيح أن الضغائن تذيبها
نيران الحروب .. وأن الأصوات
التي صرخت لأجل الحريري من
جهة .. والتي صرخت لأجل الوجود السوري في لبنان من جهة
أخرى .. كل هذه الأصوات خبت
في صوت المعركة .. في صوت الرصاص الخطاط .. وأن النيران
قد دملت كل الجراح ..
وأحرقت كل الألسن .. لكن يبقى الخوف .. الخوف من الفتنة
.. الفتنة التي تموت في
الشام لتصحو .. من 1943 من يوم انفصلت لبنان عن أختها سورية
.. من 1975 من تل الزعتر ..
إلى صابرا وشاتيلا في 1982 .. إلى الطائف 1990 .. الدماء
المراقة فوق الإسفلت .. وهو
أجمل مكان تموت فيه لبنان .. حسن خالد .. رفيق الحريري
.. بشير الجميل .. كمال
جنبلاط .. رينيه معوض .. وآخرون .. كلهم سقى الإسفلت بدمه
..
والإسفلت يطلب المزيد
!!
...
تمر الأيام .. بحلوها
ومرّها .. تضيق
فيها الشقة في الحي الفقير
بالهموم .. وتتسع بالأمل .. الأمل في (نصر) بالنصر
.. الطعام يصل للـ(ضيوف)
بكرامة .. وقد أبى السوريون إلا تسميتهم بـ(الضيوف) لا
(اللاجئين) .. الطعام يجتاز
الموانئ والمطارات في سلام .. لا رسوم .. وسورية كلها
انقلبت مهداً للحبيبة
الوليدة لبنان .. المدارس والعمائر كلها صارت للأحبة ملاجئ
..
...
منتصف آب - أغسطس .. وقف
إطلاق النار ..
والحرب تنتهي
فجأة .. كما تبدأ فجأة ..
تبدأ بكذبة .. وتنتهي بأكاذيب
!
آلاف السيارات
تجتاز معبر (يابوس) الحدودي
.. وفي إحداها الزوجان والـ(نصر) الوليد .. علب
البسكويت وزجاجات المياه
طعام من المفوضية الأممية للعائدين .. والبسمات طعام من
العائدين للمفوضية .. بسمات
الغريب الطروب بالعودة .. العودة إلى الوطن .. ولو لم
تبق الدار .. ولو لم تبق
ذرات الهواء على حالها نظيفة بهيجة .. ولو غابت الشمس وراء
الدخان .. واختبأ الموت في
القنابل العنقودية تحت الأنقاض .. إنما يبقى النصر حياً
في هذه الميركافات المحترقة
.. وهذه الطواغيت العبرانية المكسورة .. وهذه الوجوه
الشائهة المنافقة تدّعي
النصر لنفسها وقد خافت بالأمس من (المغامرات غير المحسوبة)
..
-أخيراً .. أخيراً نورة
..
-شو أخيراً ؟!
كان الحزن يلتقم عيون نورة
.. نورة التي صفا ذهنها من هم كبير (هم
اللجوء) إلى هموم أخرى
صغيرة كثيرة .. بل هموم كبيرة .. الدار .. وما أصابها
..
-يا ترى الدار بعدها موجودة
؟
-ولو مانها موجودة .. بيكفي
نشوف شمس الضاحية ..
بيكفي نشم ريح الضاحية .. ريح
النصر .. المهم نضل بالوطن .. ولو كان الوطن كرسي
بجنينة
..